منتدى عباد الرحمن الإسلامي الاجتماعي

لتوعية المسلمين بشؤون دينهم ودنياهم ونبذ التحزب والتمذهب والطائفية ولإنشاء مجتمع متوحد على ملة أبينا إبراهيم وسنة سيدنا محمد (عليهم الصلاة والسلام)
 
الرئيسيةاليوميةالتسجيلدخول
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا * فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا * أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
الموسوعة الحديثية http://www.dorar.net/enc/hadith
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ http://tanzil.net
إِنَّ هُدَى اللَّـهِ هُوَ الْهُدَىٰ
قال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع (الا أخبركم بالمؤمن: من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده ، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)
شاطر | 
 

 الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6 ... 11 ... 18  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    09.01.14 9:09

الإذن بالقتال



مر على المدينة الآن ستة أشهر من بدء المرحلة المدنية ..
والوضع داخلها فيه شيء من الاستقرار..
لكنه استقرار على بركان قابل للانفجار في أي لحظة..

فالمسلمون الآن تقريبا يحكمون المدينة
لكن هناك قوى غادرة .. بين منافقين ومشركين ..

كما أن الوضع خارج المدينة أيضا فيه بعض الاستقرار
لكن تشوبه اضطرابات .. لأن تهديد قريش ما زال مستمرا ..
وعلاقة قريش بالأعراب حول المدينة كانت قوية .. ولايستبعد تعاونهم ضد المسلمين ..

المشكلة ..

ماذا سيحدث إن بوغت المسلمون بهجوم في أي لحظة؟!

وكيف الدفاع ...والقتال منهي عنه؟

هنا .. نزل حكم الله .. فقال سبحانه ..

(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)

وهنا .. إذن بالقتال .. وليس مفروضا عليك .. وهناك فرق ..
وهذا الفرق تقيسه أنت .. تقديرا لقوتك ..

وكان هذا الإذن ..بداية تغير استراتيجي في خط سير المدينة المنورة...

فقد أذن للمسلمين أن يرفعوا عن أنفسهم .. ولو جزءا من الظلم الذي وقع عليهم ..
فمنهم من ظُلم بماله .. ومنهم من طرد من مسكنه .. ومنهم من ظُلم في التعذيب ..
ومنهم من صودر ماله .. ومنهم من شُوهت سمعته .. ومنهم من حُبس وعُزل ..

فماذا يفعل المسلمون لرفع هذا الظلم؟

بالتأكيد .. لم يفكر المسلمون في الهجوم على مكة .. فذلك لم يكن من الحكمة ..

فماذا فعلوا؟!

كان الحل ...هو مهاجمة قوافل قريش التي تتجه إلى الشام..
وذلك يعود لأسباب عديدة ..
منها ..

(1) هذه القوافل لا تحميها إلا قوة عسكرية بسيطة..
(2) تمر قريبا من المدينة.. فلن يكون هناك جهد كبير على المسلمين.
(3) سيعود المسلمون سريعا إلى المدينة .. قبل حدوث فتنة أو ثورة ..
(4) سيستعيد المسلمون شيئا من أملاكهم المسلوبة.
(5) سيوقع المسلون الرهبة في قلوب أعدائهم..

لكن .. هل كان هذا كل شيء ؟ّ!

في الحقيقة .. لا ..

فقد قام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كعادته في تربية المؤمنين ..
أن لا يكتفي فقط بذكر التشريع الدقيق أو القانون المحكم..
إنما ارتقى بأحلامهم إلى الجنة.. واتجه بنياتهم إلى الله ..

فالقتال في الإسلام هو قتال في سبيل الله..
ليس في سبيل النفس.. وليس في سبيل القائد.. وليس في سبيل الدنيا
إنما هو في سبيل الله...
لذلك تجد دائما أن كلمة الجهاد في القرآن أو السنة ..
تأتي مقرونة بـ (في سبيل الله)..

(إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ
فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ
وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)


وفي حديث صحيح عند مسلم ..
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..

"والذي نفس محمدٍ بيده .. لوددتُ أني أغزو في سبيل فأقتل ..
ثم أغزو فأقتل ... ثم أغزو فأقتل..."


وهذا مخالف تماما لأغراض الحرب عند غير المسلمين أو العلمانيين..
فمنهم من يقاتل رغبة في سبيل المال ..أو السلطة ..أو المُلك ..
ومنهم من يقاتل رهبة وخوفا من القائد...
وهؤلاء .. لن تجد عندهم مانع للهرب في أي لحظة .. لأنهم بلا نِية ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    09.01.14 9:11

سرايا الرسول .. ما فائدتها ؟



بعد نزول آية الإذن بالقتال ..
قام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالإعداد التربوي والنفسي للصحابة
حتى أصبح الصف الإسلامي جاهزا للصدام المروع مع قريش...

وهنا ..
بدأت الدوريات العسكرية الإسلامية تجوب المنطقة ..بحثا عن قوافل قريش المتجهة إلى الشام..

لكن .. هناك أمر فعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
وهو أنه اختار أن يكون أعضاء هذه السرايا .. من المهاجرين فقط .. وذلك لعدة أسباب ..

(1) المهاجرين هم الذين وقع عليهم الظلم من قريش..
فستكون حربهم مع قريش حربا مفهومة لكل العرب .. وسيعذرونهم فيها تماما..
حتى لايقال .. إن المسلمين يقتلون دون سبب ..

(2) المهاجرين في هذه الحرب .. أكثر حمية وأشد قوة ..
كونهم يستردون حقا شخصيا سلبته منهم قريش
وفي هذا مدعاة للنصر .. أكبر مما لو كان الجيش الإسلامي مختلطا ..

(3) المهاجرين يعرفون أهل قريش وطرق حربهم وقتالهم.. كونهم عاشوا في مكة ..

(4) المهاجرين في هذه الحرب .. ستُرفع روحهم المعنوية ..
فلقد تركوا ديارهم وأموالهم وذكرياتهم ... وهم الآن يعوضون ما خسروه ماديا ومعنويا ..

(5) لم يرد (صلى الله عليه وسلم) أن يحرج الأنصار بقتال قريش .. خارج المدينة..
لأنهم قد بايعوه على نصرته داخل المدينة ..
فلم يرد أن يحملهم عبئا لم يتفق معهم عليه..
وسيظهر هذا جليا في غزوة بدر .. حيث كان (صلى الله عليه وسلم) مترددا في القتال ..
حتى يسمع رأي الأنصار .. مع أنهم ولا شك سيطيعونه ..
لكنه (صلى الله عليه وسلم) .. لم يكن يأخذ الناس بسيف الحياء..

وإذا كنا قد وقفنا وقفة مع نوعية المقاتلين هنا ..
فإننا نحتاج إلى أن نقف وقفة أخرى ..مع أولئك الذين استخلفهم (صلى الله عليه وسلم) في المدينة ..
حينما خرج هو بنفسه مع المهاجرين في المعارك....

فقد كانت هناك عدة معارك تمت في غضون سنة واحدة..من السنة الأولى وحتى الثانية للهجرة..
والمعركة التي كان (صلى الله عليه وسلم) يشترك بها .. يسموها المؤرخون (غزوة)..
أما المعارك التي كان لايخرج (صلى الله عليه وسلم) بها .. فيسمونها (سرية) ..

وفي غضون هذه السنة التي نتحدث عنها ..خرج المسلمون للقتال 8 مرات
أي بمعدل مرة كل شهر ونصف تقريبا..
وفي المرات الأربع التي خرج بها (صلى الله عليه وسلم) في هذه المعارك ..
استخلف 4 رجال .. في كل مرة واحد منهم ..
هم .. (سعد بن عبادة) .. ثم (سعد بن معاذ) .. ثم (زيد بن حارثة) .. ثم (أبو سلمة بن عبد الأسد) ..

أما تنوع الرجال فهذا أمر مفهوم..
فقد كان (صلى الله عليه وسلم) يربِي قيادات تستطيع تحمل المسئولية
ويدربهم على ذلك تدريبا حقيقيا واقعيا..

وأما قيادة (سعد بن عبادة) أو (سعد بن معاذ) للمدينة ..فهذا أمر مفهوم..
فالأول سيد الخزرج ..والثاني سيد الأوس..

لكن اللافت للنظر ...هو ولاية (زيد بن حارثة) في مرة ..
و (أبي سلمة بن عبد الأسد) في مرة أخرى.. فهذان من المهاجرين ..
و ولايتهم على المدينة قد تكون مستغربة..
وإن كانت تدل على شيء.. فإنما تدل على أمور في غاية الرقي...
منها طاعة الأنصار الكاملة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
ومنها أن المدينة أصبحت كيانا واحدا لا فرق فيه بين مهاجريٍ وأنصاري..
ومنها زهد الأنصار في الدنيا وعدم رغبتهم في الرئاسة أو الملك..
فإذا أضفت إلى هذا أن (زيد بن حارثة) ..كان مولًى يُباع ويشترى ..
علمت مدى الانقلاب الهائل الذي أحدثه الإسلام في نفوس العرب ..

والجميل أن هذا التغير الهائل في طبيعة العرب .. لم يتطلب أعواما أو قرونا..
إنما كان عدة أشهر فقط..
لأن (زيد) حينما تولى قيادة المدينة .. كان بعد 12 شهر من الهجرة النبوية فقط ... !

أما بالنسبة لسرايا الرسول وغزواته ما بين (1-2) هـ .. فهي بالترتيب ..

(1) سرية سِيف البحر - رمضان 1هـ بقيادة حمزة بن عبد المطلب..
(2) سرية رابغ - شوال 1هـ بقيادة عبيدة بن الحارث بن المطلب ..
(3) سرية الخرَّار - ذي القعدة 1هـ بقيادة سعد بن أبي وقاص ..
(4) غزوة الأبواء أو ودّان - صفر 2 هـ بقيادته (صلى الله عليه وسلم)..
(5) غزوة بُوَاط - ربيع الأول 2هـ بقيادته (صلى الله عليه وسلم)..
(6) غزوة سَفَوان - ربيع الأول سنة 2هـ بقيادته (صلى الله عليه وسلم)..
(7) غزوة ذي العشيرة - جمادى الأولى 2هـ بقيادته (صلى الله عليه وسلم)..
(8) سرية نخلة - رجب 2هـ بقيادة عبد الله بن جحش..

وبنظرة عامة على هذه السرايا والغزوات ..
نجد أنه لم يحدث قتال تقريبا في المعارك السبع الأولى..
ومع ذلك فهي لم تخل من فائدة... بل فؤائد جمة ..

منها ..

أنها كسرت حاجزًا نفسيا كان عند المسلمين ..
من جراء المنع من القتال لمدة 14 سنة بالتمام والكمال..
فالمسلمون أُمروا بعدم حمل السيف في وجه من يظلمهم طيلة هذه المدة..
وترك القتال فترة طويلة .. قد يورث ضعفا في النفس وقلة الحيلة والذل والهوان ..
فجاءت هذه السرايا والغزوات البسيطة .. كوسيلة متدرجة للصعود بنفسيات الصحابة ..
من حالة الاستكانة إلى حالة الاستنفار والنهوض..
ومن حالة الصبر على عدم الدفاع.. إلى حالة الصبر على تبعات الهجوم..
فنقلت هذه السرايا والغزوات جيل المهاجرين ..من كونهم مجرد جماعة مضطهدة
إلى كونهم دولة ممكنة لها جيش ينفذ خططها.. ويحافظ على أمنها..
ويرهب أعداءها.. ويحفظ كرامتها..

ومنها .. أن هذه الغزوات والسرايا ..دربت الصحابة على فنون القتال
وركوب الخيل والحرب على الإبل.. والمناورة والخطة والتحرك والترقب.

ومنها .. أن هذه الدوريات العسكرية .. دلت المسلمين الدروب والطرق حول المدينة..
فأدركوا نقاط القوة والضعف في المنطقة
وعرفوا ديار القبائل المحيطة وقوتها.. خاصة وأن المقاتلين هم من سكنة مكة ..

ومنها .. أن هذه الدوريات العسكرية المتكررة أشعرت القبائل المحيطة ..بقوة المسلمين
وكشفت جرأتهم في مواجهة قريش أكبر القبائل العربية وأقواها
ولا شك أن هذا الأمر قد أدخل الرهبة في قلوب هذه القبائل وخاصة الأعراب..
فعملوا للمسلمين حسابا..
وعرفوا أن ميزان القوى في المنطقة .. قد تغير ..

ومنها .. أنه نتيجة هذه القوة التي ظهرت للمسلمين ..
استطاع المسلمون أن يقوموا بعقد بعض المعاهدات مع بعض قبائل المنطقة..
والتي هي عبارة عن معاهدات حسن جوار.. بل ودفاع مشترك..
فعلى سبيل المثال عقد (صلى الله عليه وسلم) معاهدة مع قبيلة بني ضمرة في غزوة الأبواء
كما عقد معاهدة مع قبيلة بني مدلج في غزوة ذي العشيرة..
ولا شك أن هذه المعاهدات زادت من قوة المسلمين.. ورسخت أقدامهم في المنطقة..

ومنها ..أن هذه الدوريات العسكرية الباحثة عن قوافل قريش التجارية ..
كانت بمنزلة إعلان إسلامي صريح للحرب على أهل مكة الكافرين..
فكأنهم يقولون .. نحن نظير لكم .. ندٌ لكم .. وهذا سيؤثر سلبيا على قريش..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    09.01.14 9:18

سرية نخلة



خرجت سرية نخلة من المدينة المنورة ..في رجب سنة 2 هجرية
لاعتراض قافلة لقريش تمر بمنطقة اسمها نخلة.. وهي تقع بين مكة والطائف..
وكانت هناك مشكلتان تتعلقان بأمر هذه السرية..
الأولى في المكان .. والثانية في التوقيت ..

أما مشكلة المكان .. فهي أن منطقة نخلة تبعد حوالي 480 كم من المدينة ..
وهي مسافة طويلة جدّا..وخاصة أن السرية لايتجاوز عددها 12 رجلا ..
وهي قريبة من مكة ..
ولو علم المشركون بأمر هذه السرية .. فسيكو قتالها والسيطرة عليها أمرا سهلا ..

لكنه (صلى الله عليه وسلم) أخرج هذه السرية .. بطريقة مختلفة عن السريات الباقية ..
وهي أنه كتب تكليف هذه السرية .. في كتاب مغلق ..
وأعطاه لقائدها (عبد الله بن جحش)..
وأمره أن يسير بهذا الكتاب المغلق مدة يومين ..ثم يفتحه بعد ذلك..
فلما انقضى اليومان .. فتح (عبد الله بن جحش) الكتاب ..
فوجد فيه ..

"إذا نظرت في كتابي هذا فامضِ حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف
فترصد بها عير قريش.. وتعَلم لنا من أخبارهم"


ثم بعد ذلك أمره (صلى الله عليه وسلم) ..ألا يُكرِه من معه على الخروج إلى هناك
لكن يخرج كل منهم بإرادته..

وهنا .. قال (عبد الله بن جحش) لأصحابه ..

"من أحب الشهادة فلينهض.. ومن كره الموت فليرجع.. وأما أنا فناهض"

فنهضوا جميعا معه.. واتجهوا إلى منطقة نخلة..

والذي دفع (صلى الله عليه وسلم) إلى هذا المسلك الفريد في التوجيه..
هو صعوبة المسألة وبُعد المكان ..
فلو أنه أمر الصحابة أمرا مباشرا في بالخروج إلى هذه المسافة البعيدة
فقد يتردد البعض في هذا التكليف الشاق..
أما إن أتاهم التكليف بعد أن يكونوا قد قطعوا بالفعل مسيرة يومين..
فإنهم سيكونون على الاستجابة أقدر..
لكنه مع ذلك .. ترك لهم حرية الاختيار ..حتى يحبب لهم الجهاد في سبيل الله .. !

أما مشكلة التوقيت .. فهو أن هذا الخروج كان في شهر رجب
وهو من الأشهر الحرم التي تحرم العرب الحرب فيها..
ويتفق على ذلك المؤمن والكافر ..
ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يأمرهم بقتال .. بل فقط بالتحسس لأخبار العدو ..
لأن هذا أمر معلوم عند الجميع ولا يحتاج إلى توضيح..

المهم .. أن الصحابة وصلوا بالفعل إلى منطقة نخلة ..
ووجدوا بالفعل القافلة التي ذكرها لهم (صلى الله عليه وسلم) ..
لكنهم وصلوا في آخر ليلة من الشهر الحرام رجب..
وكانت القافلة في طريقها إلى مكة على بُعد ليلة واحدة منها..
ولو تركوها حتى تأتي الليلة الأولى من شعبان فإن القافلة ستفلت .. وستدخل حرم مكة..
والقافلة بالنسبة لهم .. صيد سهل .. لأسباب عدة ..

أولا .. ستكون الضربة الأولى لقريش..
لأن كل الغزوات والسرايا السابقة ..لم تسفر حقيقة عن أيِ غنائم أو انتصارات...

ثانيا .. هذه الضربة في عمق الجزيرة العربية .. بعيدا عن دار المسلمين ..
وقريبة جدا من دار الكافرين .. وهي تحمل جرأة كبيرة ولها أثر سلبي ضخم على العدو..

ثالثا .. الحراسة في صحبة القافلة ضعيفة وقليلة.. 4 رجال فقط .. بينما المسلمون 12 ..

رابعا .. مقاتلوا السرية هم من المهاجرين .. وهم أوذوا إيذاء كبيرا من قريش..
بل أن قائدهم (عبد الله بن جحش) .. سلبت داره شخصيا حين استولى عليها أبو سفيان بن حرب ..
بعد هجرة (عبد الله بن جحش) وباعها لنفسه....

فكل هذه العوامل ..
جعلت الفرقة الإسلامية تتحمس للانقضاض على القافلة
لكن ... هذه آخر ليلة في الشهر الحرام رجب.. والقتال فيه ممنوع...

فماذا يفعل الصحابة ؟!

أ يرفع الصحابة الظلم الذي وقع عليهم منذ سنين في فرصة لا تتكرر ؟!

أم يتركون هذه الفرصة الثمينة؟

أ يراعي المسلمون الآن الشهر الحرام ولا يعتدون على قريش
وقد سلبت أموالهم وهتكت أعراضهم وسالت دماؤهم في مكة البلد الحرام
وفي الأشهر الحرام قبل ذلك على يد نفس القرشيين أصحاب القافلة؟!

أسئلة محيرة حقا ..

فجلسوا معا يتشاورون .. وأخذوا القرار بعد ذلك .. بالهجوم على القافلة ..

وقتل في هذا الهجوم أحد المشركين هو (عمرو بن الحضرمي)..
وأُسر اثنان منهم هم.. (عثمان بن عبد الله بن المغيرة) و (الحكم بن كيسان)..
بينما فر الرابع (نوفل بن عبد الله بن المغيرة)..
وغنم المسلمون القافلة بأكملها.. وعادوا بها وبالأسيرين إلى المدينة المنورة..

وكان هذان هما أول أسيرين في الإسلام
وكان هذا هو أول قتيل في الإسلام
وكانت هذه هي أول غنائم ذات قيمة في الإسلام. ..

هذا يوم فاصل في تاريخ الجزيرة العربية...
ولقد قامت الدنيا ولم تقعد ...
وتباينت آراء الناس حول الحدث الكبير..
أما قريش فقالوا .. إن المسلمين انتهكوا الحرمات وخالفوا الأعراف وتعدوا على القوانين ..!

سبحان الله .. !

قريش التي عذبت وسجنت وقتلت وشردت .. تتحدث عن القوانين .. !


وأما رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقد وُضع في حرج شديد..
ولم يكن عنده وحي بهذا الشأن..
وهو لا يُقر بصفة عامة خرق القوانين والحرمات
ولم يأمر بقتال في الشهر الحرام ولم يرده
ولم يسعد به عندما حدث برغم كل الآلام التي عاناها قبل ذلك من قريش..لكنها مسألة مبدأ ..

فماذا حدث ؟!

لقد أنكر (صلى الله عليه وسلم) .. على الصحابة ما فعلوه..

وقال لهم .. "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام "..

ولم يكتفِ بذلك ..بل أوقف التصرف في القافلة والأسيرين ..
إلى أن يأتي وحي يرشده إلى القرار الأحكم في هذه القضية...

وأما الصحابة الذين قاموا بالسرية فقد أسقط في أيديهم..
ورأوا أنهم قد أخطئوا في الاجتهاد..
وجاء إليهم الباقون ممن لم يشارك في السرية يلومونهم ويعنفونهم..

كان موقفا متأزما حقا ..

لكن .. لقد نزل الوحي من الله .. مفاجئا للجميع .. !

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل)


لقد قال الله سبحانه .. إنه لا معنى أبدا لتلك الضجة المفتعلة..
والتمثيلية الهزلية التي قام بها كفار قريش..
فصحيح أن القتال ممنوع في الشهر الحرام ..
لكن ما فعلته قريش بالمسلمين من قبل .. لأكبر وأعظم من ذلك ..
والكفر بالله وعبادة الأصنام .. لأكبر من ذلك ..
ومنع المسلمين من الطواف وأداء المناسك حول البيت .. لأكبر من ذلك ..
وفتنة المسلمين عن دينهم بالتعذيب والتشريد والقتل ..لأكبر من ذلك ..
علما أن مافعلته قريش .. لم يكن مرة واحدة .. بل مرات عدة ..

كما أن الله سبحانه لم يكتف برفع الإثم عن الصحابة الذين شاركوا في سرية نخلة ..
بل أعطاهم ثواب المجاهدين في سبيل الله.. فقال عز من قائل ..

(إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

بل أنه بيّن للناس أن نيتهم كانت لله .. حين قال (أولئك يرجون رحمة الله)..
وبيّن أنه غفر لهم قتالهم في الشهر الحرام .. حين قال (والله غفور رحيم)..

بعدها .. قرر (صلى الله عليه وسلم) أن يتعامل مع الحدث تعاملا سياسيا حكيما..
يجمع فيه بين العزة والقوة من جانب .. وبين التحاور والتفاهم من جانب آخر ..

فلقد أخذ الغنيمة ورفض أن يردها إلى قريش..بعد أن أعتبرها جزءا من ممتلكات المسلمين المسلوبة..
لكنه قبل في الأسيرين .. الفداء والمال ..

وحدث موقف آخر .. هو أن (سعد بن وقاص) و (عتبة بن عزوان) من مقاتلي سرية نخلة..
كانا يبحثنا عن بعير لهما فقداه في الطريق .. ولم يصلا بعد إلى المدينة ..
فقرر (صلى الله عليه وسلم) ألا يفدي الأسيرين .. حتى يعود سعد وعتبة ..
مخافة أن يكون كفار مكة قد ألقوا القبض عليهما وقتلوهما..
فلما عاد الصحابيان ..أذن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الفداء ..

وهكذا كان (صلى الله عليه وسلم) كقائد.. حريصا على جنوده ..
وحريصا على عدم قطع العلاقات السياسية مع أعدائه ..
فقبل فداء الأسرى .. بل وأعطى دية المقتول لأهله..
وذلك ليفتح باب التعامل بالمثل .. إذا وقع في أيدي الكفار أسير مسلم .. أو قتيل مسلم ..

ولأن الأحداث في تصاعد .. فكان الخطر المتوقع .. أن يكون من مكة ..

لكن هناك خطر أقرب .. من اليهود ..
فاليهود لم يظهروا أي تعاطف لهذا الدين الجديد..
وحاولوا الدس له والكيد لأصحابه مرة ومرات..
وازداد كيدهم جدا بعد سرية نخلة..
وبدءوا يجاهرون بموالاتهم لقريش ..
وأظهروا الرغبة الجامحة في قدوم قريش لاستئصال المسلمين..
وأبرزوا التفاؤل بالأسماء التي ورد ذكرها في سرية نخلة..
وأن هذه الأسماء تشير إلى اقتراب حرب فاصلة بين قريش والمسلمين..

فقالوا مثلا.. قتل عمرو بن الحضرمي.. إذن عمرت الحرب.. وحضرت الحرب
ومن قتل عمرو هو الصحابي (واقد) ..إذن أوقدت الحرب"


وهكذا بدأ اليهود يهيجون قريشا على الحرب ..
ويهيجون أنفسهم على قتال المسلمين ..

فماذا حصل ؟!

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30396
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    09.01.14 13:23

بارك الله فيك أخي الكريم الشمالي
وأعانكم الحق كما تعينون أخوانكم وفرج عنكم كل هم وغم
اللهم آمين

السلام عليكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    09.01.14 13:53

اللهم آمين ولكم مثل ذلك وأكثر إن شاء الله

أنا مجرد ناسخ والفضل يعود لله ثم لك في كتابة سيرة الرحمة المهداة والنعمة المسداة

جمعنا الله برحمته ومغفرته معه في أعالي الجنان


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    10.01.14 12:31

فرض القتال على المسلمين



القتال الآن .. ليس محتملا على المسلمين .. بل متوقعا .. وقريبا جدا..
وقريش الآن مهزومة .. ومجروحة الكبرياء.. واليهود قد يمدون لهم العون..
ولم يعد ينفع الإذن بالقتال..
بل يجب أن يفرض القتال على المسلمين لدفع شر هؤلاء الأعداء..
لكن .. لو فُرض القتال وكان أمرا يشبه الصلاة والصوم والحج ..
فلن يكون فيه اختيار .. وستقل نسبة المتخلفين عنه ..

ونتيجة لهذه الظروف ينزل التشريع المحكم بالقانون الجديد ..المناسب للمرحلة الحالية
وهو فرض القتال على المسلمين إذا قوتلوا
وليس للمسلمين اختيار في قضية دفع المشركين إذا هجموا عليهم.. بل لا بد من الدفاع حتى الموت

ولذلك قال الله تعالى

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)


فلم يعُد القتال مأذونا به فقط.. إنما صار مكتوبا على المسلمين.. أي مفروضا عليهم..

ثم أنزل الله توضيح سبب القتال في هذه المرحلة .. وبعض الأحكام الخاصة بالقتال..

فقال

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين
فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)


فكيف حركت هذه الآيات .. مشاعر المسلمين ؟!

أولا

الناس بصفة عامة تكره الحروب والقتال
فلا يختلف اثنان أن الحروب تأتي بالدمار والخراب وإزهاق الأرواح..
وغير ذلك من أشياء تورث الحزن والكراهية...
ولا يشتاق إلى إراقة الدماء إلا مرضى النفوس..
وكان (صلى الله عليه وسلم) والصحابة من بعده .. يبذلون وسعهم قدر المستطاع لتجنب القتال..
لكن الإسلام علمهم .. أن يحبوا الموت إرضاء لله ..

ثانيا

أن ما تراه بعينك مكروها كثيرا .. قد يجعل الله في باطنة خيرا أكثر ..
وما تراه بعينك محبوبا كثيرا .. قد يجعل الله في باطنه شرا أكثر ..
وهذا الأمر يبدو لأول وهلة غريبا..لذلك هو يحتاج إلى يقين كبير..
وإيمان كامل باختيار رب العالمين..
فلا تنظر إلى التكليف من باب أنه اختيارك .. وانظر إليه من باب أنه اختيار الله ..
ولذلك ختم الله هذه الآية بقوله (وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)

ثالثا

تحدثنا عن طائفتين من المؤمنين ..
الأولى ترى التكليف صعبا والقتال كرها .. ولكنها تفعله لأنه أمر الله .. وهذه درجة إيمانية جيدة..
والثانية .. انقلب عندها الكره إلى حب .. والمشقة إلى متعة .. ما دام في سبيل الله ..
فتشتاق إلى الشهادة في سبيل الله وإن تمزقت أجسادهم ..
لكن .. هناك طائفة ثالثة .. أتاها التكليف وهي في لحظة ضعف إيماني ..
فرأت الكره ولم تر الخير الذي في باطنه.. وهي ليست طائفة منافقة .. ولكن إيمانها ضعيف..

ولقد تردد البعض من الصحابة حينما نزلت هذه الآيات .. وخافوا ..
ووصل خوفهم للدرجة التي تمنوا بها أن يرفع عنهم هذا التكليف .. أو يؤخر ..
والطائفة التي ترددت .. هي ذاتها الطائفة التي كانت تطلب القتال في أيام مكة.. رغم أنه ممنوع..
لكن المرحلة تلك كانت تتطلب الصبر على عدم القتال ..
أما الآن .. فهم محتاجون للصبر على القتال ..
وأيضا .. هؤلاء لم يكونوا من المنافقين أبدا ..

لكن .. ماذا قال القرآن الكريم عن هذه الطائفة ؟!

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً
وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ)


وهذه الخشية التي تسللت إلى قلوبهم ...ليس لضعف يقينهم في أن الله قادر على نصرتهم..
حاشا لله من هذا الاعتقاد.. فهم مؤمنون..
لكن هذه الخشية تسللت.. لأن الدنيا المستقرة قد دخلت في القلوب..
فحرصوا على الحفاظ عليها.. وخافوا من فقدانها..
ونسوا أنهم لن يؤخروا أبدا عن لحظة موتهم.. سواء قاتلوا أم لم يقاتلوا..
وأن نعيم الآخرة لا يقارن أبدا بنعيم الدنيا القليل..

ومن هنا ..جاء العلاج الرباني واضحا ... يعود بهم إلى الأصول التي تربوا عليها في مكة..

(قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً
أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)


ولما ذُكرت هذه الطائفة المؤمنة بهذه المعاني ..عادت إلى الله
وقبلت بأمر القتال في سبيل الله.. وما نكصت على عقبيها أبدا .

رابعا

لو استقرت الطائفة المؤمنة على أمر القتال وفرضيته وأهميته
فلا بد أن تعرف مَن تقاتل.. لئلا يكون السيف في يدها مُسَلَطا على جميع البشر
والقوة إن لم تحكم بقانون ...ستصبح قوة غاشمة..
لذلك حددت الآيات بوضوح ..مَن الذي يجب أن يقاتلهم المسلمون في هذه المرحلة..

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)

فالمسلمون في هذه المرحلة لا يقاتلون إلا من بدأهم بالقتال
وليس هناك ما عرف بعد ذلك بجهاد الطلب.. وهو الجهاد لنشر كلمة الله في الأرض
وقتال من وقف أمام تعليم الناس الإسلام...
فهذه المرحلة ليست مرحلة فتوح..
وإنما هي مرحلة دفاع عن الذات وعن الإسلام..
ولا بد أن يدرك المؤمنون مدى قوتهم فلا يطمعون فيما هو أكبر من حجمهم الحقيقي..
وهذا من فقه الواقع...

وبرغم أن المسلمين لم يبدءوا القتال.. وبرغم أنهم يقاتلون مضطرين..
وفي الموعد الذي سيختاره عدوهم ..
إلا أنهم لا بد أن يوجِّهوا النية كاملة لله ..
مع أن النية قد تكون فطرية في الدفاع عن النفس والأرض والديار والمصالح...
لكن أولا وقبل كل شيء ..

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)

فلا بد أن يكون القتال في سبيل الله...

خامسا

إن شهوة الانتقام عند المظلوم قد تتفاقم ..حتى تخرج عن الإطار المسموح به شرعا
ونحن لا يجب أن نرفع ظلما وقع علينا ..بإيقاع ظلم على آخرين
لذلك يأتي الضابط المهم للقتال في الإسلام
وهو ضابط ثابت مستمر غير منسوخ.. معمول به في كل حروب المسلمين

(وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)

فالله لا يحب المعتدين حتى لو كانوا من المسلمين..
والعدل قانون لا ينصلح حال الأرض إلا به..
والعدل مع الجميع حتى الأعداء المكروهين إلى النفس

(وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)

(وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا)


وصور الاعتداء المنهي عنها كثيرة.. منها الغدر والخيانة..
ومنها تعذيب الأسرى..
ومنها التمثيل بالجثث..
ومنها القتال لحظِّ النفس وليس لله ..
ومنها قتال مَن لا يجب أن يقاتل
ومنها التجاوز في التدمير والتخريب
ومنها إيقاع الظلم بأي إنسان أيا كان..
بل إن منها إيقاع الظلم بالحيوان أو النبات....!

ففي حديث نبوي ..

"انطلقوا باسم الله .. وبالله ..وعلى ملة رسول الله ..
لا تقتلوا شيخا فانيا .. ولا طفلا صغيرا .. ولا امرأة ..
ولا تغُلّوا .. وضُمّوا غنائمكم .. وأصلحوا .. وأحسنوا .. إن الله يحب المحسنين"



وفي حديث آخر .. قال (صلى الله عليه وسلم)..

"اغزوا في سبيل الله .. قاتلوا في سبيل الله ..
اغزوا ولا تغُلّوا .. ولاتغدروا .. ولاتُمثّلوا .. ولاتقتلوا الوليد"


وفي وصية (أبي بكر) لجيش المسلمين المتجه إلى الرومان .. قال..

"لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تُمثِلوا..
ولا تقتلوا طفلاً صغيرا ...ولا شيخًا كبيرا ولا امرأة.. ولا تعقروا نخلا.. ولا تحرقوه..
ولا تقطعوا شجرة مثمرة.. ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة..
وسوف تمرون بأقوامٍ قد فَرَّغوا أنفسهم في الصوامع (أي الرهبان).. فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له"


!!!!!

هذه هي أخلاق الحروب في الإسلام..
ليس فيها قتل لمدنيين أو غير محاربين.. وليس فيها إبادة جماعية ولا تدمير عشوائي..

سادسا

لقد أعلنت هذه الآيات إعلانا صريحا .. يدل على قوة المسلمين وواقعيتهم في مجابهة قوة قريش الكافرة..
فكل أهل قريش مستهدفون الآن .. فقد حان وقت المعاملة بالمثل
وقد يُستهدف المشركون سواء كانوا في مكة أو في المدينة أو في قافلة أو في أي مكان ..

فقد قال الله سبحانه .. (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ)

سابعا

قال تعالى في نفس الآيات..

(وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ)

وهذا تصعيد خطير جدا.. وصريح ..
فالمشركون أخرجوا المسلمين المهاجرين من مكة
والآية تدعو المسلمين أن يُخرجوا الكفار من مكة ...!

ولقد عاشت قريش بعد سماعها لهذه الآيات .. في رعب الانتظار ..

ثامنا

عرّفت الآيات المسلمين .. بفقه جديد أسمه (فقه الموازنات)..

(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)

ففتنة الناس عن دينهم هي أبشع الجرائم بلا منازع
لأن الذي فُتن عن دينه ..أو بدله بعد إيمان..، أو مُنِع من الدخول فيه ابتداء..
هذا قد خسر آخرته تماما.. بينما المقتول قد يكون في أعلى عليين..
ومن ثمّ ..تصبح جريمة الفتنة عن الدين جريمة لا تغتفر .. بل وأعظم من القتل..

تاسعا

حددت الآيات أيضًا بعض التشريعات الخاصة بالقتال في البلد الحرام مكة

(وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ)

فالآيات فيها تهديد خطير لقريش.. فهي تتكلم وكأن القتال في مكة أصبح أمرا واقعا..
وليس مجرد فكرة أو تهديدا عابرا..
ولا شك أن هذا الأمر قد ألقى الرهبة في قلوب الكفار.. كما ثبّت أقدام المؤمنين..
كما أن الآيات في الوقت نفسه ..
تؤكد على أن المسلمين برغم أنهم قاتلوا اضطرارا في الشهر الحرام
إلا أنهم ما زالوا يوقرون الحرمات.. ولم يبدلوا دينهم..
فهم لا يقاتلون في المسجد الحرام إلا إذا قوتلوا فيه..

عاشرا

المسلمون مع كونهم يعلنون الحرب على قريش...
إلا أنهم في الوقت ذاته لا يعلنون هذه الحرب لمجرد شهوة الانتقام أو الانتصار للنفس
بل على العكس ...إذ يعلمنا ربنا أن الغاية في النهاية هو هداية البشر إلى الله..
ومن ثَم فإذا عاد أولئك الكافرون إلى الله .. فالله يقبل توبتهم .. ويتوب عليهم ..
وسيصبحون من المسلمين.. لهم ما لهم وعليهم ما عليهم..
وتُطوى تماما صفحة الماضي.. فلا يحاسبهم عليها الله ..
ولا يذكرها لهم المسلمون الذين ظلموا على أيديهم..
وهذه قمة السمو في الأخلاق.. وقمة الرحمة في التعامل

(فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا ...يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)


فماذا استجد على المسلمين بعد كل ذلك ؟!

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    10.01.14 12:42

آبار بــــدر



الدولة الإسلامية لها من العمر الآن ...سنتان في المدينة..ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقود الدولة..
لكن الوضع داخل المدينة ليس مستقرا أبدا...

وفي يوم ما .. عادت قافلة مكية من الشام إلى مكة .. بقيادة (أبي سفيان بن حرب)
قافلة ككل القوافل التي خرج إليها المسلمون قبل ذلك..
بل أن معظم القوافل .. لم يحدث فيها قتال عدا ما حدث في سرية نخلة ..

لكن هذه القافلة ..كانت تختلف عن بقية القوافل في بعض الأمور المهمة..

(1) هذه القافلة من أكثر قوافل مكة مالا..وضربها يمثِل ضربة اقتصادية هائلة لمكة..
ألف بعير مُوقَرة بالأموال.. لا تقل عن 50 ألف دينار ذهبي...

(2) هذه القافلة ليست بقيادة قائد مغمور من قواد مكة أو تاجر عادي من تجار قريش..
وإنما هي بقيادة (أبي سفيان بن حرب) من سادة قريش ومن سادة بني أمية..
ومن الواضح أن للقافلة عند قريش أهمية بالغة..
بحيث أنه جعلت لها حراسة مشددة وقوية مكونة من 30 أو 40 رجلا ..
في حين لم يكن على حراسة قافلة (نخلة) سوى 4 رجال فقط...

(3) هذه القافلة تمر بجوار المدينة في شهر رمضان..
أي بعد شهر ونصف فقط من أحداث (سرية نخلة)..
وموقف المؤمنين مع هذه القافلة يؤكد صلابتهم ..
وأنهم ليسوا خائفين من آثار (سرية نخلة).. ولا شك أن هذا سيهز كفار مكة..

ولذلك ..
خرج (صلى الله عليه وسلم).. بأكبر عدد من المسلمين إلى هذه اللحظة
فكل السرايا والغزوات السابقة لم يتجاوز عدد المسلمين فيها 200..

لكن .. قرر (صلى الله عليه وسلم) بداية أن يستشير الناس ..
وأعلن الموافقة أبو بكر وعمر وكثير من المهاجرين ..
و ظل (صلى الله عليه وسلم) يطلب الرأي ..

حتى قال (سعد بن عبادة) زعيم الخزرج .. .. إيانا تريد يارسول الله؟
والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها (أي الخيل) ..
ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا"..


وخرج الأنصار بعدد كبير ..
فكان عددهم .. 231 ...
61 من الأوس .. و 170 من الخزرج ..

بينما المهاجرين كانوا .. 83 فقط ..

وتزود (صلى الله عليه وسلم) بسلاح المسافر
وأخذ معه فرسين وسبعين من الإبل..
وقسم جيش المسلمين إلى مهاجرين وأنصار..
وأعطى راية المهاجرين لـ (علي بن أبي طالب)..
وأعطى راية الأنصار لـ (سعد بن معاذ)..
وأعطى الراية العامة للجيش لـ (مصعب بن عمير)..
وجعل على الساقة في مؤخرة الجيش (قيس بن صعصعة)..

وقد حددت المخابرات الإسلامية .. أن القافلة ستمر قريبا جدا من آبار (بدر)..
وبدر على بعد 70 كم جنوب المدينة..
فاتجه (صلى الله عليه وسلم) مباشرة إلى بدر..لكي يقطع الطريق على القافلة...

على الناحية الأخرى ..
كان على رأس القافلة المكية (أبو سفيان بن حرب)..من أذكى وأدهى العرب..
وهو أيضا له مخابراته.. وقد استطاع أن يعرف أن الرسول (صلى الله عليه وسلم)..
خرج من المدينة المنورة قاصدا القافلة...
لكنه لا يعرف إلى أي مكان وصل الرسول (صلى الله عليه وسلم)..

ولكي لايضيع على نفسه الوقت ..
أرسل رسالة سريعة إلى مكة لاستنفار جيش مكة للخروج لإنقاذ القافلة
وكانت الرسالة مع (ضمضم بن عمرو الغفاري)..

وبسرعة كان (ضمضم) في مكة.. ووقف على بعيره.. وشق قميصه..

وبدأ في الصراخ على أهل مكة...يا معشر قريش.. اللطيمةَ اللطيمةَ..
أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمدٌ في أصحابه.. لا أرى أن تدركوها.. الغوثَ الغوثَ..


فقام الناس كلهم مسرعين.. أخذوا الأمر في منتهى الجدية
فهم لم يفيقوا بعد من أزمة (سرية نخلة)..

وبدأت قريش في جمع المقاتلين من كل مكان..وعملوا على إعداد جيش على أعلى مستوى:

1300 مقاتل من قريش.. وما حولها من قبائل العرب..

100 فرس ..

600 درع..

إبل كثيرة لا يعرف عددها بالضبط.. لكنهم كانوا ينحرون للطعام 9 أو 10 جمال كل يوم..!

خرج على قيادة الجيش كل زعماء الكفر تقريبا.. عتبة بن ربيعة.. وشيبة بن ربيعة
والوليد بن عتبة.. وأبو جهل.. وعقبة بن أبي معيط..
ولم يخرج أبو لهب بل أخرج واحدا مكانه...
جعلوا على رأس الجيش أبا جهل.. فرعون هذه الأمة وسيد قريش...

بل حتى إبليس (لعنه الله) تعاون مع هذا الجيش..

فعندما قررت قريش الخروج خافت من غدر(بني بكر) بها..
وكان بينهما خلاف قديم.. فكاد ذلك يقعدها..
فتمثَّل لهم الشيطان في صورة (سُراقة بن مالك بن جعشم المدلجي).. وكان من أشراف بني كنانة ..

فقال لهم.. أنا جارٌ لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه..

فخرجوا جميعا..

لكن كيد الشيطان هذا لا يسمن ولا يُغني من جوع..
إذ إن الله هو مع الفريق الآخر..

(فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)

فكان الشيطان ممن دفع الكافرين للخروج إلى حتفهم في بدر...

وكذلك فعل (أبو جهل) وهو من كبار شياطين الإنس..
فقد ورط زعماء مكة جميعا في الخروج.. ودفعهم أيضا بنفسه إلى حتفهم..
وقصته مع (أُمية بن خلف) عجيبة.. والقصة في صحيح البخاري...

فـ (أمية بن خلف) وهو من عتاة الإجرام.. كان صديقا لـ (سعد بن معاذ) في الجاهلية
وفي أثناء زيارة (سعد بن معاذ) لمكة..

قال سعد لأمية.. إنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول "إنهم قاتلوك"...

فزع أمية بن خلف.. وقال... بمكة؟

قال سعد... لا أدري.

فازداد رعب أمية.. ورجع مسرعا إلى أهله.. وقال لزوجته.. يا أم صفوان.. ألم تَري ما قال لي سعد؟

قالت.. وما قال لك؟

قال.. زعم أن محمدًا أخبرهم أنهم قاتلي..فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري..
والله لا أخرج من مكة..


لذلك .. عندما قرر جيش مكة الخروج ..خشي (أمية) أن يخرج
لأنه يعرف أن كلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صدق..

فجاء إليه (أبا جهل) .. فقال له .. يا أبا صفوان..
إنك متى ما يراك الناس قد تخلفت وأنت سيِد أهل الوادي تخلفوا معك..


في البداية رفض (أمية).. لكن (أبا جهل) أرسل إليه (عقبة بن أبي معيط)..
وعقبة من أكابر مجرمي مكة.. فأحضر مِجمرة لعطر النساء ووضعها بين يدي (أمية)..

وقال له.. إنما أنت من النساء

قال أمية.. قبحك الله!

لكن مع إصرار سيد قريش (أبي جهل) وافق مضطرا..
ومع ذلك دبر خطة لكي تنقذه من القتل..
إذ قرر أن يشتري أجود بعير في مكة لكي يستطيع الهرب عليه..
ورجع البيت يتجهز للخروج..

فقالت له أم صفوان.. يا أبا صفوان.. أوَقَدْ نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟

قال.. لا... ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا..

وفي أثناء الطريق قرر الرجوع أكثر من مرة..لكنه فشل حتى وصل بدر
وكان مصيره الذي أخبر به رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

سبحان الله!

(إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ... وَأَكِيدُ كَيْدًا)

ولقد كان (أبو جهل) يعتقد أن هذا هو أفضل إعداد.. وأنه قد مكر بالمسلمين..

لكن

(وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ)


وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابو محمد



عدد المساهمات : 594
تاريخ التسجيل : 07/12/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    11.01.14 18:43

ما شاء الله اخي الكريم يوسف... دون مجاملة .. شيء رائع يا اخي والله اكثر من رائع.. اسأل الله ان يرزقني ابناءاً ويكبروا فأحكيها لهم تماما كما كتبتها لنا وحكيتها لنا. ما شاء الله شيء من اجمل ما يكون والله. صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    11.01.14 19:35

رزقك الله ما تتمنى أخي الفاضل

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    11.01.14 19:48

الرسول يستشير أصحابه قبل بدر



خرج جيش مكة الذي أعده رأس الكفر (أبو جهل) لعنه الله..
لكن في الطريق وقبل أن يصلوا إلى بدر ..وصلتهم رسالة ثانية من (أبي سفيان بن حرب)..

يقول فيها. إنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ورجالكم وأموالكم.. وقد نجاها الله فارجعوا..!

والقصة أن (أبا سفيان) اكتشف تحركات الجيش المسلم.. وعرف أنه سينتظر في بدر
وبسرعة غير اتجاهه ناحية الغرب.. وسار على ساحل البحر الأحمر وأفلت بالقافلة..
و(أبو سفيان) كان يرى أنه لا داعي للدخول في صدام دون إعداد جيد..

ولقد وجدت هذه الرسالة هوى في قلوب معظم جيش مكة..
كان الكل يريد الرجوع.. لكن (أبا جهل) قام لهم يدفعهم دفعا..

فقال لهم .. والله لا نرجع حتى نرِد بدرا.. فنقيم عليه ثلاثا (كعادة الجيوش المنتصرة)
فننحر الجزور.. ونطعم الطعام.. ونُسقي الخمر.. وتعزف القيان (المطربات)
وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا.. فلا يزالون يهابوننا أبدا..


وبرغم إصرار (أبي جهل) إلا أن مجموعة من المشركين انشقَت عن الصف ..ورفضت إكمال الطريق..
وكان يقود هذه المجموعة (الأخنس بن شريق)..
وأخذ معه (بني زهرة) بالكامل .. وهم 300 رجل..

وأصبح تعداد الجيش المكي 1000 مقاتل..
فأكمل هذا الجيش الطريق حتى نزل قريبا من بدر ...
عند مكان يعرف (بالعدوة القصوى) على حدود وادي بدر...

نعود الآن إلى صفوف الجيش المسلم ..
فلقد نقلت الاستخبارات الإسلامية خبرين في منتهى الأهمية..

(1) هروب القافلة
(2) جيش مكة على مقربة من بدر

وأصبح الوضع الآن من الخطورة بمكان..
فإعداد المسلمين كان قويا جدا بالنسبة لقافلة تجارية..
لكنه ضعيف جدا بالنسبة لجيش نظامي خرج مستعدًّا للقتال..

فماذا نفعل؟!

لا يوجد إلا أحد خيارين..
الرجوع إلى المدينة وتجنب القتال..
أو التقدم إلى بدر والصدام المروع....

وأصبح حتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمام خيارين ..الرجوع أو القتال..
من داخله هو يريد القتال.. فالرجوع له آثار سلبية كبيرة..
الرجوع سيهز صورة المسلمين جدا..
وسيضيع مكاسب سرية نخلة..
وسيشجع الكفار على التمادي في الحرب على المسلمين..
فكلما يرجع المسلم خطوة سيحتلها عدوه..،
ولا يُستبعد مطلقا إذا رجع الجيش المسلم ..أن يستمر الجيش المكي في المسير ويغزو المدينة
وساعتها سيكون الخطر أكبر...

لكن في الوقت نفسه لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قائدا دكتاتورا ..
فالقائد الدكتاتور يعتقد في داخله أن رأيه فقط هو الرأي الصحيح.
ومن ثَم فلا داعي لأن يضيع وقته ووقت شعبه في أي استشارات..
لكن الرسول (صلى الله عليه وسلم)..لم يكن كذلك أبدا..

فعقد (صلى الله عليه وسلم) مجلسا استشاريا كبيرا..
تبادل فيه الرأي ليس فقط مع قادة الجيش ولكن مع عامة الجيش.. فالقضية خطيرة..

فقام (أبو بكر) وأيد الحرب ضد الكافرين ..
ثم قام (عمر بن الخطاب) وأيد الحرب ..
ثم قام (المقداد بن عمرو) .. وقال كلاما .. يسطر بالذهب ..

قال .. يارسول الله .. امض لما أراك الله .. فنحن معك ..
والله لا نقولُ لك كما قالت بني إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون..
ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ..
فوالذي بعثك بالحق .. لو سرتَ بنا إلى بَرك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه..


فسُرّ (صلى الله عليه وسلم) كثيرا بكلام المقداد..

لكن .. بقي (صلى الله عليه وسلم) يطلب الاستشارة ..

وهو يقول .. "أشيروا علي أيها الناس"..

وقد كان (صلى الله عليه وسلم) يكتفي أحيانا كثيرة بمشورة صاحبيه (أبو بكر وعمر)..
لكن الآن الوضع مختلف...

لماذا ؟!

لأنه (صلى الله عليه وسلم) لم يسمع بعد كلام الأنصار ..
فهم قد أعلنوا موافقتهم على الخروج معه إلى القافلة .. لكن ليس إلى الحرب ..

وهذا الطلب المتكرر منه (صلى الله عليه وسلم) للاستشارة ..
لفت نظر (سعد بن معاذ) زعيم الخزرج .. فقال .. لكأنك تريدنا يا رسول الله؟

قال (صلى الله عليه وسلم).. "أجل"..

فقال (سعد) .. ويالها من مقالة .. فقد آمنا بك وصدقانك ..وشهدنا أن ما جئتَ به هو الحق ..
وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة .. فامض يارسول الله لما أردت..
فواالذي بعثك بالحق .. لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته ..لخضناه معك ..
ما تخلف منا رجل واحد..
وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا .. إننا لصُبر في الحرب .. صُدق في اللقاء ..
ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك .. فسر على بركة الله ...


ثم أضاف (سعد) .. لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها أن لاتنصرك إلا في ديارهم..
وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم .. فاضعن حيث شئت.. وصل حبل من شئت .. واقطع حبل من شئت..
وخذ من أموالنا ما شئت .. وأعطنا ما شئت..وما أخذتَ منا كان أحبُ إلينا مما تركت ..
وما أمرتَ فينا من أمر .. فأمرنا تُبع لأمرك ..
فوالله لئن سرتَ حتى تبلغ البرك من غمدان .. لنسيرنّ معك .
والله لئن استعرضتَ بنا هذا البحر فخضتَه.. لخضناه معك..


!!!!!!!!!

سبحان الله .. هؤلاء هم الأنصار.. لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق...

فسر أيما سرور (صلى الله عليه وسلم) .. بقول (سعد بن معاذ) ..

وقال (صلى الله عليه وسلم) للناس في حماسة

"سيروا وأبشروا .. فإن الله تعالى قد وعدني احدى الطائفتين..
ووالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم"


وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    11.01.14 19:55

مواقف مشرّفة قبل بــدر



بدأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصف الصفوف
وكانت هذه أول مرة يحارب فيها العرب في صفوف..
وحاول (صلى الله عليه وسلم).. أن يجعل الصفوف متساوية ومتراصة بنظام ودقة عالية...
وبدأ (صلى الله عليه وسلم) يلقي على جيشه بعض الأوامر العسكرية ..

فقال ... "إذا أكثبوكم (يعني إذا غشوكم) .. فارموهم بالنبل .. واستبقوا نبلكم"

وذلك لكي لا يطلق المسلمون السهام والكفار ما زالوا بعيدين.. فلا تصل إليهم السهام
فأحيانا يكون المقاتل في حالة عصبية.. فيطلق السهام دون تركيز في أيِّ اتجاه..
وهذا يضيع الذخيرة على الجيش...

لكن .. ما هي صفات الجيش الذي يريد النصر في الحرب ؟!

(1) المخابرات الإسلامية
(2) الكتمان
(3) الموقع العسكري المتميز
(4) التوجيهات العسكرية الحكيمة
(5) الصفوف والترتيب
(6) مهارة القتال وقوة الضربات والشجاعة والإقدام والاحترافية الحقيقية في الحرب

مع أن العدة معه (صلى الله عليه وسلم) لم تكن سوى فرسين و70 من الجمال..
وكل منهم معه عدة المسافر لاعدة المقاتل..

(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ
وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ
وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ)


العامل الآخر المهم .. كسبب في انتصار الجيش ..
هو تلاحم القائد مع جيشه ...

فمثلا .. أثناء تسوية الصف ..
وجد (صلى الله عليه وسلم) أحد الصحابة واسمه (سواد) متقدما على غيره في الصف
فجاء إليه (صلى الله عليه وسلم) ..
وكان يمسك بيده قدحا (سهم بدون نصل) ...
فلما وصل (صلى الله عليه وسلم) إلى (سواد) ..
ضربه بالقدح ضربة خفيفة في بطنه ...وقال له "استوِ يا سواد"..

لكن العجيب في الموقف ... هو رد فعل (سواد) ..

فلقد فاجأ الجميع بقوله... يا رسول الله أوجعتني.. فأقدني..!!

أي أن الضربة آلمتني.. وأريد منك القصاص.. ضربة بضربة..!

تصوروا .. يريد أن يضرب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. !

موقف عجيب جدا !
لكن الأعجب ... هو رد فعله (صلى الله عليه وسلم)..

لقد استجاب في منتهى السرعة ..ودون أي جدل لطلب (سواد)..
وليس هذا فقط..
فقد كانت بطن (سواد) عارية.. والضربة جاءت على بطنه مباشرة..
فكشف (صلى الله عليه وسلم) عن بطنه ليضربه سواد ضربة مماثلة .. ودون ثياب..

هل يمكن تخيل الموقف؟

وهل يمكن أن يحدث هذا اليوم .. بين جندي وعقيد .. أو حتى رائد أو نقيب .. ؟!

وهل يمكن أن يحدث هذا اليوم .. مع حاكم الدولة بأكملها ؟!

لقد كشف (صلى الله عليه وسلم) بطنه..

وقال في بساطة.. "استقد" .. أي اضرب واقتص..

لكن (سواد) بمجرد أن رأى بطن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ..اعتنقه .. وقبل بطنه..

فقال له (صلى الله عليه وسلم).. "ما حملك على هذا يا سواد ؟!"..

قال (سواد) .. يا رسول الله، قد حضر ما ترى (أمر الحرب والقتال)..
فأردتُ أن يكون آخر العهد بك .. أن يمس جلدي جلدك...!


يعني هناك احتمال أن أموت في المعركة..
فرجوت أن يكون آخر ما مسست هو جسمك. فدعا له رسول الله .

وللعلم فإن (سواد) لم يمت في بدر ..
لكنه لفت نظرنا إلى صفة أصيلة من صفات الجيش المنصور..
وهي تلاحم القائد مع شعبه.. انصهار القائد تماما في شعبه..

بل أن في الطريق إلى بدر ..

كان (صلى الله عليه وسلم) وهو قائد المسلمين..
يتناوب في الركوب مع (علي بن أبي طالب) .. و (مرثد بن أبي مرثد) ..
وفي رواية .. بين علي وأبي لبابة ..

فقال الصحابيان لرسول الله (صلى الله عليه وسلم).. نحن نمشي عنك.

فقال (صلى الله عليه وسلم).. "ما أنتما بأقوى مني .. ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما"

فكيف تكون حماسة الجندي عندما يجد القائد معه في كل خطوة..
يحيا مشاكله.. يتعب معه.. يفرح معه.. يحزن معه...
لا ترفّع .. لاتكبر .. لا ظلم .. لا كراهية ..

أو كما في الحديث النبوي ..

"من ولاه الله عز وجل شيئا من أمر المسلمين .. فاحتجب دون حاجتهم وخلّتهم وفقرهم..
احتجب الله عنه دون حاجته وخلّته وفقره"


وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    11.01.14 20:45

الجيشين في بدر



صفات الجيش الإسلامي

(1) الإيمان الكامل بالله .. وتوجيه النية كاملة له ..
(2) الإيمان الكامل برسول الله (صلى الله عليه وسلم) واتباعه دون تردد..
(3) اليقين وحسن الظن بالله .. كما في تبشيره (صلى الله عليه وسلم) للجيش بمصارع القوم ..
(4) الحسم وعدم التسويف

هذه هي الصفات الرئيسية للجيش الإسلامي ... إذا أراد أن ينتصر ..
فهم مؤمنون بالله متبعون أوامره ..
مؤمنون برسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. و يتبعون أوامره ..
يتشاورون فيما بينهم .. فإن استقروا على رأي .. حسموا التنفيذ ..
إيمانا بالآية ..

(وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)

كما أن حسن الظن بالله عامل مهم ..
فالجيش المحبط من المستحيل أن ينتصر
والإحباط يأتي من تفاهة المهمة التي يقاتل من أجلها الجيش
والدنيا بكاملها لا تعدل عند الله جناح بعوضة
فالذي يقاتل من أجل الدنيا لا شك أنه سيحبط.. ومن أُحبط لا شك أنه سيُهزم..

الجنود هنا .. كان الله هو غايتهم.. بكل معنى الكلمة..

وكانوا يعلمون .. إن الجيش العلماني لن ينتصر...
والجيش العاصي لن ينتصر...
والجيش الفاسق لن ينتصر...
والجيش الذي يقاتل من أجل القائد لن ينتصر...
والجيش الذي يقاتل من أجل قبيلة أو عصبية لن ينتصر...
والجيش الذي لا يعرف لماذا يقاتل أصلا لن ينتصر...

صفات الجيش المكي

(1) تردد (أمية بن خلف) في الخروج لأنه يخاف الموت..
(2) انسحاب (الأخنس بن شريق) لأنه لايرى سببا وجيها للحرب ..
(3) رفض الجميع للقتال ودفع (أبي جهل) لهم.. لأنهم بلا هدف ولا نية ..
(4) لولا أن الشيطان تمثل لهم في صورة (سراقة) لما خرجوا ..

بل أن (عتبة بن ربيعة) كان رافضا للقتال..
وقف يقول للقوم..يا قوم... أطيعوني في هؤلاء القوم..
فإنكم إن فعلتم (أي قاتلتم) لن يزال ذلك في قلوبكم.. ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه وقاتل أبيه"


أي كيف ستعيشون مع بعضكم البعض.. وكل واحد منكم سيقتل أخا للآخر...
ثم ينصحهم فيقول .. فاجعلوا جنبها برأسي .. وارجعوا..

فسمعه (أبو جهل) .. فغضب وقال .. انتفخ والله سحره حين رأى محمدًا وأصحابه..

(السَّحْر هو الرئة وهذه علامة على الجبن)..

ثم قال (أبو جهل) .. إنما محمد وأصحابه أَكَلَة جزور لو قد التقينا.. أي أنهم لا يتجاوزون المائة..

فقال (عتبة) .. ستعلم من الجبان المفسد لقومه.. أما والله إني لأرى قوما يضربونكم ضربا..
أما ترون رءوسهم كالأفاعي.. وكأن وجوههم السيوف..

هذه هي نفسية من يحاربون الإسلام....
ولقد جاء (حكيم بن حزام) إلى (عتبة) يقول له.. يا أبا الوليد.. هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟

قال (عتبة) .. أفعل ماذا؟

قال (حكيم) ..إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمي (الذي قتل في سرية نخلة) وهو حليفك..
فتحمل بديته.. ويرجع الناس..


قال (عتبة) .. أنت وذاك وأنا أتحمل ديته.. واذهب إلى ابن الحنظلية (يعني أبا جهل)..
فقل له.. هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك (يُذكره بالقرابة من محمد)..


فذهب (حكيم) إلى (أبي جهل) وقال له ذلك..

فرد عليه وقال .. أما وجد رسولا غيرك؟

قال (حكيم).. لا.. ولم أكن لأكون رسولا لغيره..

فرفض (أبو جهل) وأصر على القتال...
ثم ذهب (عمير بن وهب الجمحي) ليقدر أعداد المسلمين..
فعاد إلى قريش وقد قدر العدد بثلاثمائة أو نحو ذلك..
ورغم أن جيش المسلمين ثلث جيش الكفار ..
إلا أن (عمير بن وهب) قال وهو مرعوب..

ولكني قد رأيتُ يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا.. نواضح يثرب تحمل الموت الناقع..
قوم ليس لهم منعة إلا سيوفهم.. والله ما أرى أن يُقتل رجل منهم حتى يَقتل رجلا منكم..
فإذا أصابوا منكم أعدادهم.. فما خير العيش بعد ذلك؟! ...فَرُوا رأيكم..


انظر التردد الذي يعيشه أهل الباطل!

كيف يمكن لأناس كهؤلاء أن يحاربوا؟!

لكن هناك أمر مهم ..
ليس معنى أن الروح العالية التي وجدناها في موقف (أبي بكر وعمر والمقداد وسعد بن معاذ)..
أن كل الجيش كان كذلك.. لا ..
فقد كان هناك مؤمنين خائفين من جيش مكة.. ليس ضعفا في اليقين ..
ولكن لشعورهم بأنهم لم يستعدوا الاستعداد الكافي .. وهذا الشعور قد يضر بالجيش..
كما أن هناك اعدادا من المسلمين بالمدينة ...لو علمت أن هناك جهادا لخرجت.

ولقد نزل الله قوله في هذا الشأن ..

(كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ
يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ)


فالخوف .. شعور خطير ..
وليس معنى الإيمان بالله عدم الخوف .. لأن الخوف شعور فطري ..
لكن المطلوب أن لايؤثر الخوف على إيمانك بالله ..
لايؤثر الخوف على طاعتك لله ..
لايؤثر الخوف على طاعتك لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..

فالفارق واضح بين (بدر) و (أحد) ..
ففي (بدر) .. لم يدفع خوف المؤمنين إلى مخالفة..
وفي (أحد) .. دفع خوفهم لا إلى مخالفة واحدة.. بل إلى عدة مخالفات...

لذلك .. نحن نحتاج أن يكون في الجيش أمثال (أبي بكر وعمر والمقداد وسعد) ..
نحتاج إلى محركات للهمم ..ونحتاج إلى رافعات للقيم ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    11.01.14 20:57

عوامل أخرى مهمة للنصر



عامل الاستخبارات الإسلامية قبل المعركة

اقترب الجيش المكي وعسكر في منطقة العدوة القصوى جنوب وادي بدر
وتقدم الجيش المسلم أيضا من شمال بدر في منطقة العدوة الدنيا..
وأراد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يتيقن من أعداد الكفار وهيئتهم ومكانهم وقادتهم..
فقام بعملية استكشافية هو و(أبو بكر)..
واستطاعا بالفعل أن يعرفوا مكان جيش مكة..
لكنه لم يستطع أن يعرف أعداد القوم وقادتهم..

فأرسل فرقة استكشافية أخرى فيها (علي والزبير وسعد بن أبي وقاص) ..
وقد أمسكت الفرقة باثنين من غلمان للجيش المشرك .. وأحضروهم للرسول (صلى الله عليه وسلم)..

وبدأ (صلى الله عليه وسلم) في استجوابهم .. "أخبراني عن قريش"

قالا.. هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى.

قال(صلى الله عليه وسلم).. "كم القوم؟ "

قالا.. كثير.

قال (صلى الله عليه وسلم).. "ما عدتهم؟"

قالا.. لا ندري.

قال (صلى الله عليه وسلم).. "كم ينحرون كل يوم؟"

قالا: يوما تسعة .. ويوما عشرة ..

قال (صلى الله عليه وسلم).. "القوم فيما بين التسعمائة والألف"

ثم قال (صلى الله عليه وسلم)... "فمن فيهم من أشراف قريش؟"

قالا.. عتبة بن ربيعة.. وشيبة بن ربيعة.. وأبو البختري بن هشام.. وحكيم بن حزام
ونوفل بن خويلد... والحارث بن عامر... وطعيمة بن عدي... والنضر بن الحارث...
وزمعة بن الأسود.. وأبو جهل بن هشام.. وأمية بن خلف.. والوليد بن المغيرة
وعقبة بن أبي معيط... وعمارة بن الوليد..


فأقبل (صلى الله عليه وسلم) على المؤمنين .. وقال .. "هذه مكة .. قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها"..

ثم تُرجمت هذه المعلومات إلى تحركات سريعة..
فأخذ (صلى الله عليه وسلم) جيشه.. واتجه إلى أرض بدر قبل عدوه..
ليختار الأرض التي ستتم عليها الموقعة..
وليضع جيشه في مواقع استراتيجية داخل الأرض.
وقد اختار (صلى الله عليه وسلم) مكانا للنزول فيه في أرض بدر..
واستقر في ذلك المكان .. وكان ذلك ليلة المعركة ..

بعدها ..
جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الصحابي (الحُبَاب بن المنذر الأنصاري)..
وهو من الخبراء العسكريين المعروفين بدقة الرأي وعمق النظرة..
سأل (الحباب) رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سؤالا .. يعبر عن مدى فهمه لفقه الشورى..

قال.. يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل.. أمنزلاً أنزلكه الله.. ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟
أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟


فقال (صلى الله عليه وسلم)... "بل هو الرأي والحرب والمكيدة"

فقال (الحبّاب) .. يا رسول الله.. فإن هذا ليس بمنزل...!

أي هذا ليس مناسبا..
هكذا بوضوح دون خجل ولا مواربة... فالأمر خطير.. والنصيحة مسئولية.

إذن... ما الرأي؟

قال (الحباب).. فانهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم (قريش)..
فننزله ونغوِّر (أي نخرب) ما وراءه من القُلُب (جمع قليب.. أي آبار بدر)
ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء.. ثم نقاتل القوم.. فنشرب ولا يشربون...


فقال (صلى الله عليه وسلم).. "لقد أشرتَ بالرأي"..

وبالفعل غيّر (صلى الله عليه وسلم) مكانه الأول...
ونزل في المكان الذي أشار به (الحباب) .. رضي الله عنه..

ولنا وقفة مهمة مع إيجابية (الحباب) ..
فمن الممكن أن نتخيل أن الصحابي عندما يرى الرسول (صلى الله عليه وسلم) فعل شيئا..
أنه لن يفكر في أن يقول رأيه.. لأنه من المحتمل أن يكون وحيا..
وحتى لو لم يكن وحيا ..فمن الممكن أن يقول.. إنه (صلى الله عليه وسلم) أحكم البشر..
وأن رأيه البشري أحسن من رأيي..
لكن هذا التصور عن الصحابة ليس صحيحا,,.
ولو حدث وكان رأي (الحباب) خطأً..
فإن الرسول (صلى الله عليه وسلم) سيعرفه الصواب.. ويكون قد تعلم شيئا...

هكذا يُرينا مبدأ الشورى كيف يمكن أن نستفيد من طاقات المجتمع..
و كيف يمكن أن نستغل المواهب الهائلة التي وزَّعها ربنا على خلقه ..بحكمة عجيبة..

ولو هناك كبت لآراء الشعب ..ما كان (صلى الله عليه وسلم) قد عرف أين ينزل في بدر..
ومن المؤكد أن هذا سيكون به ضرر..
ليس فقط عليه (صلى الله عليه وسلم).. ولكن على الأمة كلها.

بعد النزول في المكان الذي حدده (الحباب)
قام الصحابة ببناء العريش أو مقر القيادة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
مع أنه (صلى الله عليه وسلم) .. كان يقاتل معهم في بدر ..
كما في رواية الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب ..

"لما حضر البأس يوم بدر اتقينا برسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
وكان من أشد الناس ما كان (أو لم يكن) أحدٌ أقرب إلى المشركين منه"


عامل آخر - نزول السكينة من الله

في ليلة بدر حدث أمران مهمان..
هما النعاس الذي غلب المسلمين في ليلة بدر.. والمطر الذي نزل في نفس الليلة.

أما النعاس فعجيب... سبحان الله!
فالمسلمون على بُعد خطوات من الجيش المكي الكبير
ومع ذلك يصلون إلى حالة من السكينة وهدوء الأعصاب التي تجعلهم ينامون في هدوء...
وعندما يكون الإنسان مشغولا بشيء مهم فإنه لا يعرف النوم ..
حتى لو كان في بيته ... في منتهى الأمان..
فما بالك بإنسان نائم في أرض المعركة ..
ومشغول بمعركة من الممكن أن تكون فيها نهايته؟!

فكيف حدث ذلك ؟!

إنها إرادة الله ..

(إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ)

لقد نام الجميع .. إلا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
فقد ظل طوال الليل يدعو ويناجي ربه...

وعلى الجانب الآخر كان جيش مكة لا يعرف للنوم سبيلا..
قَلِق.. حيران.. فغدا موقعة مرعبة بالنسبة له...
ثم هو غير مقتنع بالحرب أصلا... ولماذا أحارب؟
أ من أجل هُبل واللات والعزى ... أم من أجل أبي جهل.. أم من أجل القافلة؟!
القافلة قد عبر بها أبو سفيان إلى بر الأمان..
فلماذا القتال ومن المحتمل أن أموت...؟!!

نفوس مضطربة خائفة تعيش حالة من الفزع والرعب والخوف..

(وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)

والمطر أيضا في ليلة بدر كان عجيبا..
فمنطقة بدر كلها منطقة صغيرة جدا..
سحابة واحدة صغيرة من الممكن أن تغطي الوادي كله...
ونزل المطر لطيفا خفيفا على المسلمين .. ونزل وابلا شديدا معوقا على الكافرين .. !!

(وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ
وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ)


فشرب المسلمون واغتسلوا وتماسك الرمل في معسكرهم فثبتت أقدامهم
وذهبت عنهم وساوس الشيطان والتي كان بعضها بسبب الجنابة وقلة الماء..
ولم تكن آية التيمم قد نزلت بعد..

أما الكفار فقد كون المطر عندهم مخاضة كبيرة منعت تقدمهم..
وأعاقت حركتهم. ليس لأحدٍ بحرب الله طاقة!

عامل آخر - الرسول يجأر إلى الله بالدعاء

قبل الطريق إلى بدر .. كان (صلى الله عليه وسلم) يقول ..

"اللهم إنهم حفاة فاحملهم .. اللهم إنهم عراة فاكسهم .. اللهم إنهم جياع فاشبعهم"

وفي مصباح بدر ...قال (صلى الله عليه وسلم)..

"اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها .. تُحادّك وتكذب رسولك ..
اللهم فنصرك الذي وعدتني .. اللهم أحنِهم الغداة"


وأثناء القتال كان شديد الابتهال إلى ربه .. فيقول (صلى الله عليه وسلم) ..

"اللهم انجز لي ما وعدتني .. اللهم آت ما وعدتني..
اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام ..لاتُعبد في الأرض"


واستمر في دعائه (صلى الله عليه وسلم) وهو رافع يده حتى سقط رداؤه من على كتفيه..
فأتاه الصديق .. فرفع الرداء من على الأرض..
وألقاه على كتفه (صلى الله عليه وسلم)..
وقال له وهو يمسك كتفيه .. يانبي الله .. كفاك مناشدتك ربك .. فإنه سينجز لك ما وعدك..

فتخيل طول الدعاء ..وطريقة الدعاء ..
التي تجعل (أبا بكر) يشفق على الرسول (صلى الله عليه وسلم)..
ويقول له.. كفى...

الدعاء المستمر لم يكن من الرسول (صلى الله عليه وسلم) فقط
بل كان من الجيش كله
الجيش كله كان شديد الصلة بالله

(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ)

الاستغاثة بالله كانت من الجميع.. وذلك انتصروا ..

كان هذا دعاء الفريق المؤمن...

وأبو جهل دعى الله أيضا..!

فماذا كان يقول .. ؟!

قال .. اللهم أقطعَنا للرحم.. وأتانا بما لا نعرفه.. فأَحِنْه الغداة..
اللهم أيُنا كان أحب إليك وأرضى عندك.. فانصره اليوم


فانظر كيف طمس الله بصيرته .. !

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابو محمد



عدد المساهمات : 594
تاريخ التسجيل : 07/12/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    12.01.14 13:10

جزاك الله خيراً أخي الكريم الشمالي. متابع للموضوع القيم الذي تضع فيه اضافات طيبة نافعة ياليت كل مسلم يقرأها فحقا هناك كم لا حصر له من الدروس في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم والله وكأني شعرت اني اعيش مع الاحداث كأني جزء من الصورة بسبب حلاوة الكتابة والتعبير وعمق الفهم للاحداث. ما شاء الله تبارك الرحمن.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    13.01.14 13:57

غزوة بدر



إنها ساعة الصفر.. الجيشان أمام بعضهما..

قام رجل من المشركين اسمه (الأسود بن عبد الأسد المخزومي)..
وأقسم أن يشرب من حوض المسلمين ..أو ليموتنّ دونه...

انظر كيف يمكن أن يكون حجم الضلال..
كفاح وتضحية واستعداد للموت من أجل قضية فاسدة

(أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا)

وقام الرجل ليبرّ بقسمه.. لكن قابله الأسد (حمزة بن عبد المطلب) وضربه ضربة قطعت ساقه..
ومع ذلك ...كان الرجل مصرا على الوفاء بقسمه.. وزحف على الأرض ليصل إلى ماء بدر
لكن (حمزة) أدركه وقتله قبل أن يصل إلى مراده...

وكانت هذه نقطة مهمة جدا لصالح المسلمين..
فليس المهم مَن هذا الشخص الذي قتل..
لكن المهم أن هذا حدث في أول دقيقة من المعركة..
فهو توفيق من الله .. رفع معنويات المسلمين .. وأحبط معنويات الكافرين ..

وتحرك الغيظ في قلوب زعماء الكفر...
فنهض ثلاثة من الزعماء بأنفسهم يطلبون المبارزة مع ثلاثة من المسلمين..
كانت هذه عادة في الحروب القديمة..

فمن الذي قام من الكفار؟

أمر عجيب...
لقد قام ثلاثة من عائلة واحدة..!
قام (عتبة بن ربيعة) القائد القرشي الكبير
وقام أخوه (شيبة بن ربيعة) القائد القرشي الكبير أيضا..
وقام ابن أخيه (الوليد بن عتبة) ..



مجموعة من أفضل فرسان مكة...
لكن العجيب الذي يلفت النظر ..هو قيام (عتبة بن ربيعة)..

فـ (عتبة) كان من الحكماء المعدودين في قريش
وكان من أصحاب الرأي السديد في أمور كثيرة
وكان يدعو قريشا أن تخلي بين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبين العرب.. ولا يقاتلوه..
وكان يقول إن هذا الرجل ليس بشاعر ولا كاهن ولا ساحر ولا بكاذب..
وكان يرفض فكرة القتال في بدر بعد إفلات القافلة..
وكان إلى آخر لحظة يجادل المشركين في قضية القتال..
لدرجة أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) نظر إليه من بعيد قبل بدء المعركة
وكان (عتبة) يركب جملا أحمر..

فقال (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه

"إن يكن في أحد من القوم خير .. فعند صاحب الجمل الأحمر .. إن يطيعوه يرشدوا"

لكن القوم لم يطيعوه.. وأصروا على القتال..

وللأسف الشديد.. دخل (عتبة) معهم المعركة ولم يرجع (كالأخنس بن شريق)..
بل كان أول من خرج للمبارزة والقتال..

ولما خرج الفرسان الثلاثة يطلبون القتال.. خرج لهم ثلاثة من شباب الأنصار..
أي من سكان المدينة ..

لكن الفرسان المشركين قالوا... لا حاجة لنا بكم.. إنما نريد أبناء عمنا.

أي نريد قتالا قرشيا قرشيا...

فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)...

"قم يا عبيدة بن الحارث .. قم يا حمزة .. قم يا علي"




وانتبهوا لهذا الاختيار.. فـ (عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وهو ابن عمه)
و (الحمزة) عمه .. و (علي) ابن عمه ..

كلهم من الأقربين.. مع أن القتال خطير
لكن القائد وعائلته يعيشون حياة الناس تماما..
ويتعرضون لكل مشاكل الأمة.. وفي أوائل المضحين والمجاهدين..

وبدأت المبارزة .. !

والتقت السيوف.. واحتدم الصراع..

دقائق معدودة .. ثم انتهت الجولة الاولى .. ومرة ثانية لصالح المسلمين ..

الله أكبر... ولله الحمد !

فـ (علي) قتل (شيبة) ..
و (حمزة) قتل (عتبة) ..
وأصيب (عبيدة والوليد) بإصابات بالغة..
فانطلق (علي وحمزة) على (الوليد) فقتلاه ..
وحملا (عبيدة) إلى معسكر المسلمين..

في أول وقود للمعركة...4 قتلى للمشركين..

واشتعلت أرض بدر بالقتال...

هجوم شامل كاسح في كل المواقع...

صيحات المسلمين ترتفع بشعارهم في ذلك اليوم.. أحدٌ أحد ..

صليل السيوف في كل مكان..

والغبار غطَّى كل شيء...

ومع كل الحماسة التي كان المسلمون فيها .. إلا أن التشجيع ما زال مطلوبا ..

فجاء وقت التذكير بالجنة.

رفع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صوته ليُسمِع الجميع

"والذي نفسي بيده .. لايقاتلهم اليوم رجل .. فيُقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر ..
إلا أدخله الله الجنة"


الكلام عجيب...

هذا الكلام لا يمكن أن يفهمه علماني.. ولاكافر أو فاسق..

تصور .. أنه (صلى الله عليه وسلم) يحفزهم على الموت .. !!

فالجنة تأتي بعد الموت .. ولايفصلك عنها سوى الموت ..

والشهيد يدخل الجنة بغير حساب...

فلو جاء الموت صرنا من أهل الجنة...

إذن يا ليت الموت يأتي...

ولو كان هناك إنسان يحب الموت .. فبم ستخيفه ؟!

هل ستقول له .. سأقتلك ؟!

فإذا كان هو ما يريده .. فماذا تفعل ؟!

هو بالأساس .. خائف ألا يموت ..

ولننظر إلى موقف (عمير بن الحمام) في بدر ..
كان يقف بجانب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
والرسول ينادي ويقول .. "قوموا إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض"

فكم مرة سمعنا هذه الكلمات؟

كثيرا ..

كم مرة عملنا لها؟

قليلا...

لكن (عمير) سمع هذه الكلمة .. فقال متعجبا ... عرضها السموات والأرض!!

فالإنسان منا يكافح سنين طوالا لكي يصبح عنده شقة..
أو سيارة.. أو بعض الأموال.. أو بعض السلطات..
وكل هذا لا يمثل واحدا على مليون ..من الأرض.
فكيف بالجنة التي عرضها السموات والأرض؟!

ما شكلها؟!

و (عمير) يتعجب.. عرضها السموات والأرض!

قال (صلى الله عليه وسلم) .. "نعم"..

هكذا في منتهى الإيجاز...

لا شرح ولا تفصيل...

فرد (عمير) .. بلا جدال ولا محاورة .. بخٍ بخٍ .. وهي كلمة للتعجب ..

فقال له (صلى الله عليه وسلم) .. "ما يحملك على قولك بخٍ بخِ"

أي مم تتعجب؟ ...أتشك في هذا الكلام؟

أسرع عمير يقول.. لا والله يا رسول الله... ما قلتها إلا رجاء أن أكون من أهلها..

فقال (صلى الله عليه وسلم) .. "فإنك من أهلها" ..!!

الله أكبر ..!!

تصور .. (عمير) الآن يعلم أنه من أهل الجنة .. وهو ما زال يمشي على الأرض..

بينه وبين الجنة فقط أن يموت...

(عمير) لم يعد قادرا أن يعيش لحظة واحدة على الأرض...

وكان يمسك بيديه بعض تمرات يتقوى بها على القتال...

وبعدها فكَّر... أيُّ تمرٍ هذا الذي أريد أن آكله؟!

وماذا عن ثمار الجنة وطيور الجنة وشراب الجنة ؟!!

فألقى بالتمرات على الأرض..

وقال كلمة عجيبة... لئن أنا حييتُ حتى آكل تمراتي هذه.. إنها لحياة طويلة"

أَكْلُ التمرات حياة طويلة !

هل سأنتظر 3 أو 4 دقائق آكل فيها التمر؟

هذا كثير...

فألقى بنفسه وسط الجموع الكافرة...

استشهد... فدخل الجنة .. يقينا في الجنة ..

موقف آخر لـ (عمير بن أبي وقاص) ..
كان شابا لم يتجاوز 16 من عمره..
في تعريف منظمة الصحة العالمية طفل (الأطفال في تعريفهم أقل من 18 سنة)..
وفي تعريف القيم والأخلاق والمبادئ والعقائد ..من سادة الرجال..

تقدم وهو في هذه السن الصغيرة..
ليجاهد مع المجاهدين في بدر.. لكنه كان خائفا..

من أي شيء كان خائفا؟

هل يخاف أن يموت؟ لا... بل يخاف ألا يموت...
يخاف أن يرده الرسول (صلى الله عليه وسلم) ؛ لأنه ما زال صغيرا..

فأخذ يتوارى بين القوم حتى لا يراه (صلى الله عليه وسلم) فيرده..

رآه أخوه (سعد بن أبي وقاص) .. فقال له..: ما يحملك على هذا؟

قال (عمير) ..أخاف أن يراني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيستصغرني ويردني
وأنا أحب الخروج.. لعل الله أن يرزقني الشهادة..

فرأه (صلى الله عليه وسلم).. فأشفق عليه من القتال.. وردّه..

فبكى (عمير) ..

لكن رق له (صلى الله عليه وسلم) ثم سمح له بالجهاد..

فاستشهد ... ودخل الجنة ..

لقد فهم (عمير) وهو ذو 16 من العمر .. ما يعجز عن فهمه أشياخ وحكماء وعباقرة..

الموقف الآخر .. كان لـ (عوف بن الحارث) ..

لقد سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. لاحظ .. أنه يسأل النبي وهو في المعركة ..

وهل هناك وقت في المعركة للسؤال ؟!

سبحان الله .. من أين يأتي المسلمين بكل هذه السكينة ؟!

قال (عوف) لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. يا رسول الله.. ما يُضحك الرب من عبده؟!

قال (صلى الله عليه وسلم).. "غمسه يده في العدو .. حاسرا"

هنا ..

ألقى (عوف) درعه ..وقاتل حاسرا..

هذا الفعل يلقي الرعب في قلوب العدو

هذا عن إنسان لا يهاب الموت ..بل يطلبه..

قاتل (عوف) وقاتل وقاتل.. واستشهد .. ودخل الجنة ..

موضوع الجنة لم يغب أبدا عن أذهان الصحابة .. ولذلك انتصروا ..

فمن قبل أن يأتي الجيش بدرا ...وهو يبحث عن الجنة..

وفي أرض بدر ..يبحث عن الجنة..

وبعد بدر ...يسأل عن الجنة..

موقف آخر .. لـ (سعد بن خثيمة وأبوه خثيمة) ..
فقبل الخروج إلى بدر .. أراد كلاهما ألخروج .. ولكن عندهما بنات كثيرات ..
ولابد أن يبقى واحد منهما لرعايتهن ..

لكن .. لم يرض أحد بالتنازل .. فقررا إجراء قرعة ..
فخرج سهم الابن (سعد بن خثيمة) ..
فتحسر أبوه .. !!
فقال لابنه برجاء .. يا بني.. آثرني اليوم..

أي دعني أخرج.. أنا أبوك...
لكن (سعد) رد بجواب يفسر قصة الجيش المنصور ..
قال في أدب .. يا أبت... لو كان غير الجنة فعلت..

فهذه فرصة والابن لايريد أن يضيعها ..
وخرج (سعد) وقاتل حتى استشهد ودخل الجنة ..

اللطيف .. أن (خثيمة) أبوه .. خرج في (أحد) واستشهد ودخل الجنة .. أترون الصدق؟
فالشعب كله ..طالبٌ للجنة..

موقف آخر .. لـ (أم حارثة بن سراقة) ..
فهذه الأم .. استشهد ابنها (حارثة) في بدر .. شاب صغير ..
وفي مثل هذا الموقف.. تطيش عقول.. وتضطرب أفئدة.. ويتزلزل رجال ونساء...
لكن (أم حارثة) جاءت تسأل عن شيء محدد..

قالت .. يا رسول الله.. قد عرفتَ منزلة حارثة مني.. فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب..
وإن تكن الأخرى تَرَ ما أصنع...


سبحان الله .. هي مهتمة فقط لمصير ابنها .. أين هو .. في الجنة أم في النار ..
فهذا أهم من فراقه ..

فقال (صلى الله عليه وسلم).. "يا أم حارثة .. إنها جِنان في الجنة .. وإن ابنك اصاب الفردوس الأعلى"

!!!!!!!!!!!!!

فاستراحت (أم حارثة)..
وتقبلت أمر موت ابنها الشاب ببساطة وبصبر وباحتساب..وكأنه لم يحدث ..

هل عرفتم الآن .. لماذا انتصر أهل بدر ؟!

يوم تملأ الجنة علينا حياتنا بهذه الصورة....

يوم تصبح الجنة هدفا واضحا في تفكيرنا...

يوم تصبح الجنة في عقلنا عندما نأخذ قرارا..
أو نعمل عملا..
أو نقول كلمة..
أو نضحك ضحكة..
أو نسافر أو نقعد
أو نحب أو نكره...

يوم تصبح الجنة محركا لكل حياتنا..

ساعتها ..سنرى نصرا ..كنصر بدر..



وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    13.01.14 14:23

جنود الله في غزوة بدر



لقد تحقق النصر يوم بدر بفضل من الله..

(وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)

فالآية أعلاه فيها أسلوب قصر .. يوضح أن النصر لايكون إلا من عند الله ..

ماذا يعني ذلك ؟!

يعني علينا أن نتعلم فلسفة النصر ..
يعني أن النصر لاينزل إلا على عباد الله المؤمنين..
يعني أن النصر قد يأتي من حيث لا يتوقع المؤمنين ..
يعني أن النصر قد يأتي من حيث يكره المؤمنين ..
يعني أن النصر قد يأتي ليثبت أن النصر من عند الله ..

(وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ)

وإذا كان النصر من عند الله ..
فسوف يرسل الله مددا من جنوده .. لهذا النصر ..

(وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ)

(1) الملائكة

لقد نزلت الملائكة تقاتل مع عباد الله المؤمنين.. وثبتت الذين آمنوا..
ففي معركة حنين ..

(ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا
وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ)


وقال عن معركة الأحزاب ..

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا)


وقال عن معركة بدر ..

(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ)


مردفين .. أي متتابعين .. يردف بعضهم بعضا..

(يعني هو ملَك واحد زايد علينا .. فما بالنا بسرب ملائكة؟!! سبحان الكريم)

ويقول الحق في يصف موقعة بدر ..

(إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آَلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ
بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ)


سبحان الله .. 5000 ملك .. وعدد الجيشان في بدر لايتجاوز 2000 !!!

(مسوّمين) .. أي معلّمين بعلامات ..

لكن .. هل تعلمون لماذا أنزل الله هذا العدد الهائل من الملائكة ؟!

كان ذلك لإدخال السرور والفرح على المؤمنين... سبحان الحبيب الرحمن ..

(وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ)

والملائكة .. أحباب الله .. وأحبابنا .. عليهم السلام ..
هم خلق عجيب ..

(لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)


قوة خارقة جبارة....
فقد رفع (جبريل) قرية لوط إلى السماء ..حتى إن أهل السماء قد سمعوا نباح الكلاب
ثم قَلبها على طرف جناحه... (طرف جناحه وليس جناحه) ..!!

والملائكة التي اشتركت في يوم بدر هم مجموعة منتقاة..
مجموعة من أفضل الملائكة..

ففي حديث رواه البخاري ..

"جاء جبريل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) .. فقال: ما تعدّون أهل بدر فيكم؟!
قال (صلى الله عليه وسلم).. من أفضل المسلمين (أو كلمة نحوها) ..
قال جبريل.. وكذلك من شهد بدرا من الملائكة"


!!!!!

وهذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. يصف للصحابة نزول الملائكة في بدر ..

"هذا جبريل آخذٌ برأس فرسه .. عليه أداة الحرب"

فجبريل بنفسه نزل يشارك في الموقعة... !!

هل تتخيلون الموقف ؟!!

جبريل أمين وحي السماء .. أتى وهو يمسك بلجام فرسه
والتراب يتصاعد من حول الفرس..
ومن ورائه 1000من الملائكة ترفع سيوفها وعليها عدة الحرب..
فكيف يخاف المسلمون وهم يرون هذا المدد الكبير من الملائكة؟!

لكنها البشرى .. والتثبيت من عند الله ..

والبعض من الصحابة في بدر .. كانوا يسمعون صوت الملائكة ..
وفي ذلك مواقف كثيرة ..

فقد روى مسلم عن ابن عباس

" بينا رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه
إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم..
إذ نظر إلى المشرك أمامه... فخر مستلقيا..
قال: فنظر إليه فإذا هو قد حُطّم وشُق وجهه كضربة السوط..
فاخضر ذلك أجمع (أي أخضرّ لونه) ..
فجاء الأنصاري فحدث به رسول الله ..
فقال له (صلى الله عليه وسلم) ..صدقت .. ذلك مدد من السماء الثالثة"


!!!!

وكان الصحابة رضوان الله عليهم .. يعرفون ضربات الملائكة يوم بدر..
بأنها تترك أثرا لونه أخضر على جسد الكافرين...

وروى الإمام أحمد عن الصحابي (أبي داود المازني) ..
وكان قد شهد بدرا .. أنه قال .. "إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه..
إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي.. فعرفتُ أنه قد قتله غيري"


!!!!

وعن (علي) .. مما حدث في بدر ..
أنه جاء رجل من الأنصار قصير.. (بالعباس بن عبد المطلب) أسيرا..
(فالعباس عم النبي خرج مستكرها مع المشركين وكان لايزال على دين آبائه)
فقال العباس.. يا رسول الله.. إن هذا والله ما أسرني..
لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق (بين السواد والبياض)..ما أراه في القوم
فقال الأنصاري... أنا أسرته يا رسول الله
فقال (صلى الله عليه وسلم).. "أسكت.. فقد أيدك الله تعالى بملك كريم"


(2) الرعب

كان الرعب أحد جنود الرحمن في يوم بدر...وكان الرعب سببا من أسباب النصر..

فقد قال (صلى الله عليه وسلم)..

"نُصرتُ بالرعب مسيرة شهر"

فقبْل أن يصل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى العدو بمسيرة شهر
يدخل في قلوبهم الرعب..
مع أن الرعب يدخل في قلوب كل الناس..
لكن العجيب أن يدخل في قلب القوي فيخاف من الضعيف..
وأن يدخل الرعب في قلب الكثير فيخاف من القليل..
أو يدخل الرعب في قلب المدجج بالسلاح فيخاف من الأعزل..

كما نرى طفلا صغيرا يحمل حجرا..
ويهدد به جنديا مدججًا بالسلاح.. فيخاف أن يخرج من عربته المصفَحة...!

قال تعالى عن جيش المشركين في بدر ..

(سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)

فقد كان جيش الكافرين ثلاثة أضعاف المسلمين يوم بدر..
لكن الله سبحانه ألقى الرعب في قلوب الكافرين..

(3) الطمأنينة

ألقى الله سبحانه الطمأنينة والأمن على المسلمين ..
الذي يصل إلى حد النعاس ..

فالله الذي أنزل الرعب في قلوب الكافرين.. أنزل الطمأنينة في قلوب المؤمنين...
فناموا ...

(4) المطر

أنزل الله المطر على المؤمنين هينا لطيفا على منطقة ..
وأنزله وابلا شديدا في صورة سيل في منطقة أخرى..
فتطهر المسلمون .. ودخلت الطمأنينة في قلوبهم ..
وأطفا الله بالمطر الغبار .. وتلبدت به الأرض..
وطابت نفوسهم.. وثبتت به الأقدام ..

فالمطر كان رحمة للمسلمين .. وبالا على الكافرين ..

(5) التقليل والتكثير في الأعداد

فالله سبحانه قد جعل المسلمين يرون الكافرين قلة..
وكذلك رأى المشركون المسلمين قلة.. وكان هذا لحكمة يعلمها الله ..
لأن الله يدبر مكيدة للكافرين.. حتى يطمعوا في إنشاب القتال..

(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ
وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)


فقد رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) المشركين قلة في منامه..
وكان هذا لإدخال السرور على قلبه (صلى الله عليه وسلم)...
وقبل القتال ..

(وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ
لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ)


يقول (عبد الله بن مسعود) وهو أحد المشاركين في بدر ...

قلت لرجل إلى جنبي... أتراهم سبعين؟
قال: أظنهم مائة...!


وكان أبو جهل يقول عن عدد المسلمين.. إنما هم أكلة جزور..

أي أن المسلمين لا يتجاوزون المائة أو أقل..

(قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ
وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ)


فكل فريق كان يرى الفريق الآخر أقل مما هو عليه..
وبعد بدء المعركة دخل في روع المشركين أن المسلمين ضعف المشركين..
أي يصل عددهم إلى ألفين.. سبحان الله!

(يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ)

(6) الفُرقة في صف المشركين

لا شك أن فرقة الكافرين تضعف صفهم.. وتشتت شملهم..
وأحيانا يسعى المسلمون لإحداث هذه الفُرقة لتوهين قوة المشركين..
كما حدث فيما فعله (نعيم) في معركة الأحزاب..

وأحيانا تحدث الفرقة دون تدخل المسلمين ..
فيبعث الله جنديا من جنوده لتفريق جموع الكافرين..

وفي بدر ..
حدث نزاع وصراع بين قادة المشركين
وتبادل السباب والاتهامات
وانقسام الصف
وكل منهم يسعى لمصلحةٍ خاصة..

(7) البركة

البركة هي تضخيم النتيجة للفعل البسيط حتى تصبحَ النتيجة هائلة..
وعلى سبيل المثال.. الحجارة التي رماها (صلى الله عليه وسلم) في وجه الكافرين يوم بدر..

وقال.. "شاهت الوجوه"...

فقد أخذ (صلى الله عليه وسلم) ثلاث حصيات
فرمى بحصاة في ميمنة القوم.. وبحصاة في ميسرة القوم.. وبحصاة بين أظهرهم ..
وقال.."شاهت الوجوه"... فانهزموا..

(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى
وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)


إذ ليس في وسع أحد من البشر أن يرمي كفا من الحصى إلى وجوه جيش
فلا يبقى فيهم عين إلا ويصيبها منه شي..
ففعل الرمي هذا لا يؤدي إلى النتيجة الضخمة التي أحدثها..
لكن الله هو من وجّه تلك الحصى وبارك فيها وكثرها حتى أغلقت عيونهم ..

(8) مقتل (أبي جهل) في بدر

في مقتل (أبي جهل) العبرة والعظة..
فهو من أبرع الفرسان العرب
وقائد المشركين في بدر
وكان محاطا بكتيبة من المشركين..
ومع ذلك يلقى مصرعه على يدي غلامين من المسلمين..

ويروي لنا (عبد الرحمن بن عوف) ما حدث ..

" إني لواقف يوم بدر في الصف.. فنظرت عن يميني وعن شمالي.. ، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما .. فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما ، فغمزني أحدهما فقال: يا عم.. أتعرف أبا جهل؟ ، فقلت: نعم.. وما حاجتك إليه؟ ، قال: أُخبرت أنه يسب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لي أيضًا مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس، فقلت: ألا تريان، هذا صاحبكم الذي تسألان عنه. فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبراه، فقال: "أَيكما قتله؟" قال كلٌّ منهما: أنا قتلته. قال: "هل مسحتكما سيفيكما؟" قالا: لا. قال: فنظر النبي (صلى الله عليه وسلم) في السيفين، فقال: "كلاكما قتله". وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، وكان الآخر معاذ بن عفراء"

إنها البركة..

فكيف يقتل غلامين من المسلمين هذا الفارس العنيد الضخم.. ؟

هذا صبي من المسلمين يقسم أن يقتل زعيم جيش الكافرين..
و(أبو جهل) معروف بقوته وعنفه..

ويحكي لنا الصبي الصغير (معاذ بن عمرو بن الجموح) كيف قتل (أبو جهل) ..

فيقول ..سمعتُ القوم (وأبو جهل) في مثل الحرجة .. وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه... فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه... فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطَنَّت قدمه بنصف ساقه... فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطير من تحت مرضخة النوى"

فكيف ضربة من صبي صغير .. تطير ساق رجل عتيد مغوار ؟!!!

وكيف يصل هذا الصبي إلى (أبي جهل) وهو محاط بعدد كبير من المشركين؟

(9) الرؤى والأحلام

الرؤيا يراها المسلمون تبشرهم بنصر الله ..
ويراها المشركون فتحطم معنوياتهم.. وتنزل اليأس والهزيمة في نفوسهم..

فهذه رؤيا رآها (جهيم بن الصلت بن المطلب)
أحد أقارب النبي (صلى الله عليه وسلم) ولكنه لم يؤمن...
إذ رأى قبل بدر .. رؤيا افزعته من منامه ..
فاستيقظ وقال لأصحابه.. هل رأيتم الفارس الذي وقف علي آنفا؟
قالوا.. لا.. إنك مجنون...
قال.. قد وقف علي فارس آنفا.. فقال قُتل (أبو جهل وعتبة وشيبة وزمعة وأبو البختري وأمية بن خلف)..
فعد أشرافا من كفار قريش...

وانتشرت الرؤيا في مكة كلها ..
حتى وصلت إلى (أبي جهل)..
فقال... وهذا أيضا نبي من بني عبد المطلب .. سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا..!

وقد رأت (عاتكة بنت عبد المطلب) عمة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
قبل قدوم (ضمضم بن عمرو الغفاري) رسول قافلة (أبو سفيان) إلى مكة بثلاث ليال..
رؤيا أفزعتها ..
فبعثت إلى أخيها (العباس بن عبد المطلب)...
قالت له.. يا أخي... والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني..
وخشيت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة.. فاكتم علي ما أحدثك...

قال لها.. وما رأيتِ؟
قالت.. رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح..
ثم صرخ بأعلى صوته... ألا انفروا يا آل غُدُر (أهل مكة) لمصارعكم في ثلاث..
فأرى الناس قد اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه..
فبينما هم حوله .. مثَل به بعيره على ظهر الكعبة..
ثم صرخ بمثلها بأعلى صوته.. ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث..
ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها..
ثم أخذ صخرة فأرسلَها..
فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت..
فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلتها منها فلقة..

فقال العباس.. والله إن هذه لرؤيا رأيت.. فاكتميها ولا تذكريها لأحد..

ثم خرج العباس فلقي (الوليد بن عتبة بن ربيعة).. وكان له صديقا..
فذكرها له واستكتمه إياها..
ذكرها الوليد لأبيه عتبة... ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش..

قال العباس.. فغدوت أطوف بالبيت و(أبو جهل بن هشام) في رهط من قريش قعود..
يتحدثون برؤيا عاتكة..


فلما رآني (أبو جهل) قال... يا أبا الفضل.. إذا فرغت من طوافك فأقبل إلي.

قال.. فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم...

فقال لي أبو جهل... يا بني عبد المطلب.. متى حدّثت فيكم هذه النبيّة ؟

قلت: وما ذاك؟

فأراد العباس أن ينكر...

قال أبو جهل.. الرؤيا التي رأت عاتكة؟

قال العباس.. وما رأت؟

قال أبو جهل.. يا بني عبد المطلب.. أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبَّأ نساؤكم؟
قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث.. فإن يكُ ما قالت حقًا فسيكون..
وإن تمضِ الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب..


كانت هذه فرصة (لأبي جهل) أن يشمت في بني عبد المطلب..
لأنه سباق طويل بين بني عبد المطلب وبين بني مخزوم قبيلة أبي جهل..

وقبل أن تمر ثلاثة أيام ..
جاء (ضمضم بن عمرو الغفاري).. وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره
قد جدع بعيره... وشق قميصه .. ويقول الغوث الغوث ..

(10) أبو جهل

هو أعجب جنديٍ من جنود الرحمن..
فهو الذي دفع المشركين للقتال في بدر..
ودفع أئمة الضلال بعد أن نجت قافلة أبي سفيان بن حرب..
فلو تعقل (أبو جهل) لما خرجت قريش إلى بدر..

(11) الشيطان

اجتهد الشيطان كل الاجتهاد حتى يقع القتال فلم يكتفِ بالوسوسة
ولكن جاء في صورة (سُراقة بن مالك) سيد بني كِنانة ليجيرهم من بني بكر..
بل بعدها خرج معهم إلى بدر..وقال لهم.. إني جار لكم...
فلما رأى الملائكة تقاتل في ميدان المعركة ... فر من المكان ..

فرآه أحد المشركين (وهو الحارث بن هشام) .. قال له.. إلى أين يا سراقة؟ ألم تقل لنا أنك جار لنا؟

فقال له إبليس: إني أرى ما لا ترون... إني أخاف الله رب العالمين.

(وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ
فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ
وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ)


فهذا دأب الشيطان .. يعد الناس ويمنيهم ..
ثم يتركهم بعد ذلك في وقت الأزمات
ولو كان الشيطان يعلم الغيب لما خرج يوم بدر... ولكن لا يعلم الغيب إلا الله...

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    16.01.14 0:05

تعامل الرسول مع أسرى بدر



لقد أسر المسلمون في غزوة بدر 70 أسيرا..

فماذا سيفعل المسلمون في هؤلاء الأسرى؟!

فإلى هذه اللحظة لم يكن هناك تشريع يوضح أمر التعامل مع هؤلاء الأسرى
فعقد (صلى الله عليه وسلم) مجلس شورى مع الصحابة ..

قال الحبيب (أبو بكر) .. يا رسول الله.. هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان..
وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية... فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار.. وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا...


ولقد كان يغلب على رأي (أبي بكر) جانب الرحمة..
فهو يرى أنهم بنو العم والعشيرة..
والدولة في حاجة إلى ما سيؤخذ من أموالهم.. وربما سيؤمنون ..
وهذا خير من أن يموتوا على الكفر..

وقد كانت اختياراته رضي الله عنه ..قريبة من اختياراته (صلى الله عليه وسلم)..
نظرا لتقارب طبيعتي الرسول (صلى الله عليه وسلم) و(أبي بكر)..

فكان (صلى الله عليه وسلم) يقول .. " أرحم أمتي بأمتي أبو بكر" ..

ولما أنهى كلامه (أبو بكر) .. التفت (صلى الله عليه وسلم) لصاحبه (عمر) ..

فقال (صلى الله عليه وسلم).. "ما ترى يابن الخطاب؟!"

(ياليتني كنت معكم فأفوز فوزا عظيما)

فقال (عمر) .. والله ما أرى ما رأى أبو بكر..
ولكن أرى أن تمكنني من فلان (وذكر قريبا له) فأضرب عنقه..
وتُمكن (عليا) من (عقيل بن أبي طالب) - أخيه - فيضرب عنقه..
وتُمكن (حمزة) من فلان أخيه فيضرب عنقه
حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين.. وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.


فكان رأيه رضي الله عنه .. شديد الحسم..
وهو يريد أن يُقتل السبعون .. كلٌ يقتل قريبه ..
و(عمر) معروف بقوته في الدين ..
كما يقول فيه (صلى الله عليه وسلم).. "وأشدها - أي الأمة - في أمر الله ..عمر"

فأحدهما يقول.. نأخذ الفدية... والآخر يقول... نقتل الأسرى.

يكمل لنا القصة (عمر) فيقول .. فهوى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلت..
وأخذ منهم الفداء..


فلما كان من الغد... يقول (عمر)..

"فغدوتُ إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) و(أبي بكر) وهما يبكيان
فقلت.. يا رسول الله.. أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك..
فإن وجدتُ بكاءً بكيت.. وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما"..


فقال (صلى الله عليه وسلم)..

"للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء .. فقد عُرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة"

وأشار (صلى الله عليه وسلم) إلى شجرة قريبة ..

وأنزل الله سبحانه ..

(مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ) ..

يثخن .. أي يكثر القتل ..

(تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا)

أي الفدية ..

(وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)

ثم قال..

(لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)

والعذاب العظيم هو ما تحدث عنه النبي (صلى الله عليه وسلم) لـ (عمر)
أنه كان أدنى من الشجرة..
والكتاب الذي سبق ..هو الآيات التي نزلت قبل ذلك ..

(فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ
وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ
وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ)


فأمر الفداء أمر مشروع
لكن الأولى هنا كان أن يثخن في الأرض..

وكان (سعد بن معاذ) يرى مثل رأي (عمر) ..
وقد قال ذلك مبكرا عندما بدأ المسلمون يأسرون المشركين.. وقبل الاستشارة..
وقد نظر النبي (صلى الله عليه وسلم) لـ (سعد) .. فوجده حزينا..

فقال له (صلى الله عليه وسلم).. "والله لكأنك ياسعد تكره ما يفعل القوم"

أي من أسر المسلمين للمشركين..

فقال (سعد) ..أجل... والله يا رسول الله.. كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك..
فكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال..


واستقر رأي المسلمين على استبقاء الأسرى وأخذ الفدية منهم..
وعندما أوحى الله بالآيات لم ينكر عليهم هذا الأمر..
ومع أن الله ذكر أن الأولى كان الإثخان في الأرض.. إلا أنه سبحانه أقر أخذ الفداء..
وبدأ المسلمون في أخذ الفداء..
فمن كان معه مال كان يدفع منه..
وكان ما يُدفع ما بين 1000 إلى 4000 درهم للرجل ..
كل بحسب حالته المادية..

وكان من ضمن الأسرى .. (العباس بن عبد المطلب) .. عم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
وكان قد خرج مُستكرها إلى بدر... وقاتل مع المشركين.. ثم أسره المسلمون ..
وهو رجل غني .. وسوف يدفع فدية ليفتدي نفسه ..

ودار بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا الحوار الرائع..
الذي ينقل درجةً من أرقى الدرجات في قيادة الدول..
فلا يوجد أي نوع من الوساطة أو المحاباة لأحد من الأقارب أو الأهل أو العشيرة...

قال العباس..يا رسول الله قد كنت مسلما..

أي أنه كان يُخفِي إسلامه.. ومن ثم فلا يدفع الفداء..

فقال (صلى الله عليه وسلم)..

"الله أعلم بإسلامك ... فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك.. وأما ظاهرك فقد كان علينا ..
فاقتد لنفسك .. وابنيّ اخوتك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ..وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب ..
وحليفك عتبة بن عمرو"


فقال العباس.. ما ذاك عندي يا رسول الله..

فقال (صلى الله عليه وسلم)... "فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل..
فقلتَ لها ..إن أصبتُ في سفري هذا .. فهذا المال الذي دفنته لبنيّ.. الفضل وعبد الله وقثم"


فقال العباس .. والله يا رسول الله.. إني لأعلم أنك رسول الله..
إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل..
فاحسب لي ما أصبتم مني: عشرين أوقية من مال كان معي..


فقال (صلى الله عليه وسلم).. "ذك شيء اعطانا الله تعالى منك"

ثم أنزل الله في ذلك ..

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)


وهذه الآية نزلت في (العباس) رضي الله عنه ..
وقد قال بعد ذلك .. فأعطانا الله مكان العشرين أوقية في الإسلام ..عشرين عبدا..
كلهم في يده مال يضرب به.. مع ما أرجو من مغفرة الله..


ولقد كان الصحابة يشاهدون ويسمعون هذا الحوار ..
وكيف أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يطبق القانون على الجميع ..

لكن قلوب الأنصار رقيقة .. فأشفقوا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
فهم يعلمون مكانة (العباس) في قلب الرسول (صلى الله عليه وسلم)..
وما فعله معه في بيعة العقبة الثانية ..
فاجتمعوا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. وقرروا أن يعفو عن فدية (العباس) ..

فقالوا .. يا رسول الله.. ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه..

(ابن اختنا) لأن جدة (العباس) من بني النجار من الخزرج.. وهم الأنصار ..
فهم يطلبون منه (صلى الله عليه وسلم) أن يعفي عمه .. ليس لأنه عمه ..
بل لأنه قريبهم ..
لكنه (صلى الله عليه وسلم) رفض ذلك ..
بل أخذ من عمه (العباس) أعلى فدية .. وهي 4000 درهم ..

وحدث موقف آخر لأسير يُدعى (سهيل بن عمرو) ..
وكان (سهيل) من قادة قريش... وممن عرفوا بحسن البيان والخطابة..
وكان يحمس المشركين على قتال الرسول (صلى الله عليه وسلم)..

قال (عمر) حين رآه .. يا رسول الله.. دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا..

والثنية .. هي الأسنان الأمامية ..
لكن رفض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا الأمر..
بل ظهرت نبوءة جديدة له (صلى الله عليه وسلم)..

فقال .. "عسى أن يقوم مقاما لاتذُمّه"

وقد حدث هذا عندما ارتدت العرب.. بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم)..
فقد وقف (سهيل) وخطب في الناس وثبتهم على الإسلام في مكة المكرمة..

وكان مما قال .. إن ذلك (يعني موت النبي) لم يزد الإسلام إلا قوة.. فمن رابنا ضربنا عنقه..!!!

فثبت الناس في مكة على الإسلام.

ومن المواقف الأخرى .. أنه كان بعض الأسرى من الفقراء.. ليس بمقدورهم الفداء .. لكنهم يعرفون القراءة والكتابة ..
فرأى (صلى الله عليه وسلم) أن يعلم كل منهم 10 من غلمان المدينة ..
ومن يفعل ذلك .. يطلق سراحه ..!!

فانظر دقته (صلى الله عليه وسلم) وبعد نظره وعمق فهمه ..

وكان بعض الأسرى .. من الفقراء .. ولايعرفون القراءة والكتابة ..
ومنهم (أبو عزة الجمحي) ..
قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم).. لقد عرفت ما لي من مال.. وإني لذو حاجة وذو عيال.. فامنن علي"..

فمنَّ عليه (صلى الله عليه وسلم)..
لكن أخذ عليه عهدا ألاَّ يظاهر عليه أحدا... فلم يوف (أبو عزة) بعده .. ونال جزاءه بعد ذلك ..

وقد قتل النبي (صلى الله عليه وسلم).. أسيرين .. (عقبة بن معيط) و (النظر بن الحارث) ..
لأنهما كانا من أكابر مجرمي قريش... أو ما نسمِيهم اليوم مجرمي الحرب..

ثم نزل بعد ذلك التشريع الإسلامي في شأن الأسرى..
وهو أن الإمام له الخيار في شأن الأسرى بين أربعة أمور:

1- المنّ بغير فداء
2- الفداء: وقد يكون بمال.. أو بتعليم الغير.. أو بأسير مثله (تبادل أسرى)
3- القتل لمجرمي الحرب.. أو المعاملة بالمثل إذا كان أعداء الأمة يقتلون الأسارى من المسلمين
4- الاسترقاق ..وهو الاحتفاظ بالأسير رقيقا إلى أجلٍ يحدده الإمام حسب ما يرى من حاجة المسلمين

ومن المواقف الأخرى..

كان (أبو العاص بن الربيع) زوج (زينب بنت محمد) بين الأسرى ..
وكانت (زينب) تسكن معه في مكة إذ لم يكن الإسلام قد فرق بينهما بعد ..

وأرادت (زينب) أن تنقذ زوجها من الأسر..
فبعثت له بعض المال مع قلادة لأمها (خديجة) .. فداء له ..

وجيء بالمال والقلادة إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
فلما وقعت عيناه (صلى الله عليه وسلم) على تلك القلادة ..
رق لها رقة شديدة ..

ثم قال يستسمح أصحابه ..

"إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها .. وتردوا عليها مالها .. فافعلوا"

فقالوا .. نعم يارسول الله ..

فلقد أثارت قلادة (خديجة) في نفسه (صلى الله عليه وسلم) الذكريات ..
فكأنما هب إليه من إطار هذه القلادة .. أريجا تنفسته (خديجة)..
فحرك القلب الرحيم... في تلك المرأة التي حار الرسول (صلى الله عليه وسلم) في فضلها ..

بالإضافة إلى كل تلك الأمور .. كان هناك أمرا أهم منها جميعا ..
وهو أنه إذا تم الاحتفاظ بالأسير... فلا بد من إكرامه ولا بد من رعايته رعايةً أخلاقية سامية
تليق بدين الإسلام..

(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)

أي أنه مع حالة الفقر والحاجة الشديدة التي تمر بالمسلمين ..
إلا أنهم مع ذلك يطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ..

وقد غرس النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا الأمر في صحابته ..
منذ اليوم الأول لوجود أسرى معهم..

حين قال .. "استوصوا بالأسارى خيرا"

يقول الأسير (أبو عزيز بن عمير).. وهو أخو (مصعب بن عمير) ..

"كنت في نفر من الأنصار.. فكانوا إذا قدَّموا غداءهم وعشاءهم..
أكلوا التمر وأطعموني البُرَّ لوصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إياهم بنا"


وكان لهذا الأمر الأثر الكبير في نفسية (أبي عزيز)..
الذي ما إن أُطلق ..حتى أعلن إسلامه ...

وحين كان (أبو العاص بن الربيع) زوج (زينب بنت محمد) في الأسر ..
يقول ..

"كنت في رهط من الأنصار.. جزاهم الله خيرا.. كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر..
والخبز معهم قليل والتمر زادهم.. حتى إن الرجل لتقع في يده كسرة فيدفعها إلي"


وكان (الوليد بن الوليد) أخو (خالد بن الوليد) من ضمن الأسرى ..
فكان يقول ..

"وكانوا يحملوننا ويمشون"

أي إذا رأوا منهم جريحا أو مريضا أو متعبا... حملوه رفقا به...

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    16.01.14 0:11

الصحابة وغنائم غزوة بدر



لقد كان لغزوة بدر أثر سلبي على المشركين.. نتيجة لهزيمتهم المنكرة ..
لكن أيضا كان لها أثر سلبي على المؤمنين..
وهذا الأثر السلبي .. أتى بعد الغنائم التي حصل عليها المسلمون في تلك الغزوة .. !

ويصف الصحابي (عبادة بن الصامت) هذا الأمر فيقول..حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا..

فهو يتحدث عن الجيش المنتصر الذي يمتلك صفات عظيمة للغاية
إلا أنه في هذه القضية ساءت فيه الأخلاق...

لكن ... ما قصة هذه الغنائم؟

فبعد انتهاء الجولة الأولى من غزوة بدر
وبداية ظهور ملامح النصر الباهر للمسلمين..
بدأ المشركون في الفرار.. تاركين الغنائم خلفهم...

فقسم المسلمون أنفسهم 3 أقسام..
قسم يحمي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
وقسم يتبع الفارين من المشركين ..
وقسم ثالث بدأ في جمع الغنائم الموجودة على أرض المعركة ..

المشكلة .. أن حكم الله لم يكن قد نزل بعد .. في كيفية توزيع تلك الغنائم .. !

فقال من جمعها .. نحن حويناها وليس لأحد فيها نصيب..

وقال الذين تتبعوا العدو .. لستم أحق بها منا... نحن نحّينا عنها العدو..

وقال الذين حموا رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. خفنا أن يصيب العدو منه غرة.. فاشتغلنا به..

وبدأ نوع من الشقاق والخلاف بين المؤمنين...

وهذا معناه .. أن جيشا يمتلك كل مقومات النصر .. لايعني أن جنوده لن يكونوا دون أخطاء ..
فهم بشر .. وخطأهم وارد ..

لكن ... طبيعة هذه الغنيمة .. هي المال .. أو الدنيا بمفهوم أصح ..

وما من شك أن المسلمين جميعا في المعركة ..كانوا يطلبون الآخرة
ولذلك انتصروا ..

أما الآن .. على أرض بدر .. هناك غنائم ضخمة .. وهم في حاجة شديدة ..

فكيف تعامل القرآن الكريم مع هذه المشكلة ؟!

لقد نزل القرآن الكريم يشرح للمؤمنين كيفية تقسيم الغنائم..
لكن قبل هذا أعطى لهم درسا في غاية الأهمية..

ونزلت سورة الأنفال ..

وفي أول السورة قال ..

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ)

فلقد استنكر الله على المسلمين الذين حققوا هذا الانتصار الباهر في بدر ..
أن يهتموا بأمر الدنيا للدرجة التي ينشأ فيها الخلاف بينهم بسببها ..

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ
قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)


ثم يُعلمِهم الله ما هو الإيمان..بعيدا عن الجهاد والبذل والقتال في سبيل الله
وبعيدا عن أرض بدر وما حدث فيها من أحداث ضخمة ...
فيقول الحق ..

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)


ثم يوضح الله لهم .. فيقول لهم أنكم حين خرجتم .. ما كنتم تريدون بدرا ..!

(كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ
يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)


وفي الآيات نوعٌ من الشدة على المسلمين.. ونوع من اللوم
إذ كيف تفكرون في أمر الدنيا وأنتم تريدون الآخرة .. ؟!!!

ونزلت هذه الآيات على المسلمين بردا وسلاما..
وبمجرد سماعهم لهذه الآيات ثابوا إلى رشدهم.. وعادوا إلى ربهم..
واجتمعت القلوب من جديد.. وقبلوا أمر الله..
وهذا فارق ضخم وكبير ..بين موقعة بدر وموقعة أُحد..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    16.01.14 0:29

آثار ونتائج غزوة بدر



كانت غزوة بدر من أعظم الغزوات في تاريخ المسلمين...
وهي كما سماها رب العالمين (يوم الفرقان)...
وإذا سمى الله غزوة أو يوما بهذا الاسم... فما من شك أنها فصلت بالفعل
وفرّقت بين مرحلتين مهمتين من مراحل الدعوة الإسلامية ...
وكانت من آثار ونتائج هذه الغزوة ..

(1) الميلاد الحقيقي للدولة الإسلامية

هذا هو الأثر الأول والأعظم لهذه الغزوة العظيمة..
الميلاد الحقيقي للأمة الإسلامية والدولة الإسلامية بقيادة الرسول (صلى الله عليه وسلم)
وعلى أكتاف هذا الجيش ... قامت دولة الإسلام..
وقد عرف صحابة النبي (صلى الله عليه وسلم) صفات الأمة المنتصرة وصفات الجيش المنتصر
وعرفوا أنهم إذا خالفوا بعض النقاط .. ستأتي الهزيمة والمصائب..

لذلك .. كانت عظمة (بدر) مقياسا لباقي المعارك ..
وكانت زلة (أحد) مقياسا لباقي المعارك ..

ولفت هذا الانتصار أنظار الناس غير المسلمين ..
وبدأوا يسألون .. من هو محمد (صلى الله عليه وسلم)..
ومن هم أتباعه .. وما هو هذا الدين ؟!..
وقد فتحت هذه الأسئلة قلوب كثيرة للإسلام ..

(2) الأثر الإيجابي على المسلمين في المدينة ممن لم يشهدوا الغزوة

لما وصلت أخبار هذه الغزوة إلى المدينة المنورة..
اختلطت بعض المشاعر في قلوب المؤمنين.. الذين لم يشاركوا فيها ..
فمنهم من فرح لكنه ندم على عدم المشاركة ..

وكان (زيد بن حارثة) مسؤول المدينة آنذاك .. قد علم بالخبر مسبقا ..
إذ أقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في بدر 3 أيام .. وجاء (زيد) زائرا ..
واستقبلت وفود التهنئة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بمنتهى الترحاب والفرح والسرور..
وفي الوقت نفسه جاء الكثير من الأنصار يعتذرون من عدم مشاركتهم في هذه الغزوة ..
مع رغبتهم الأكيدة في الجهاد في سبيل الله..
فهم لم يكونوا يعرفون أن سيكون هناك جهاد ... فالجيش قد خرج لمحاصرة القافلة التجارية ..

وكان من هؤلاء الأنصار .. (أسيد بن حضير)
جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال...يا رسول الله... الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك..
والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوا..
ولكن ظننت أنها عيرٌ... ولو ظننت أنه عدو ما تخلّفت..


فقال له (صلى الله عليه وسلم).. "صدقت" ..

(3) آثار غزوة بدر على المشركين

لقد فجع المشركين بخسارتهم في بدر .. وكانت ضربة قاصمة لقريش ..
فهي أمنع أمنع قبيلة في العرب ..وأعز قبيلة
وصاحبة التاريخ المجيد..
وتحظى باحترام كل القبائل العربية..
لكن الآن .. اهتزت مكانها ..
فقد قُتل 70 من صناديدها ..
وأسر 70 آخرون ..

وتخيل كيف وصل هذا الخبر إلى أسماع أهل مكة .. !

يقول (الحسيمان بن عبد الله الخزاعي) ... والذي جاء سريعا ليخبرهم ..

فقالوا له .. ما وراءك ؟!

قال.. قُتل عتبة بن ربيعة.. وشيبة بن ربيعة.. وأبو الحكم بن هشام.. وأمية بن خلفه .....

وبقي يذكر لهم أسماء الزعماء ..

فسمعه (صفوان ابن أمية بن خلف) .. فقال .. والله إن يعقل هذا ... فاسألوه عني؟!

أي أن هذا الرجل لايعقل ما يقول ..

فقالوا للـ (الحسيمان) .. ما فعل صفوان بن أمية؟ ..

فقال.. ها هو ذا جالسا في الحِجْر.. قد والله رايت أباه وأخاه حين قُتلا .. !

ووقع الخبر كالصاعقة على أهل قريش.. ولم يصدقوا الرجل ..
وانتظروا رسولا آخر يخبرهم بالخبر اليقين ..
فلا يُعقل أن يُقتل كل هؤلاء ... وفي يوم واحد..

ثم جاء (أبو سفيان) .. فأول من رآه (أبو لهب) .. وهو لم يخرج في بدر ..
فقال له .. هلم إلي .. فعندك لعمري الخبر ..

فجلس إليه والناس قيام عليهما .. يترقبون ..

فقال أبو سفيان...ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا.. يقتلوننا كيف شاءوا.. ويأسروننا كيف شاءوا..

ثم قال كلمة عجيبة ..

"وايم الله مع ذلك ما لمتُ الناس...، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق (بيضاء) بين السماء والأرض
والله ما تُليق شيئا (ما تترك أمامها شيئا) .. ولايقوم لها شيء .."


و (أبو سفيان) يصرح بهذه الكلمات أمام المشركين.. وهم يسمعون ولا يصدقون ولا يؤمنون..

وكان ممن حضر هذا الموقف .. مسلم يعيش في مكة ويخفي إسلامه ..
اسمه (أبو رافع) وهو غلام (العباس بن عبط المطلب) .. وقد أسر سيده في بدر ..

فلما سمع (أبو رافع) كلام (أبو سفيان) .. قال .. تلك والله الملائكة ..

فرفع (أبو لهب) يده فضرب وجهي ضربة شديدة..
ثم احتمله فضرب به الأرض .. وكان (أبو رافع) رجلا ضعيفا ..
فقامت أم الفضل (زوج العباس) .. وكانت تكتم إسلامها.. إلى عمود من عمد الحجرة
فأخذته فضربت به (أبو لهب) ضربةً فلقت في رأسه شجة منكرة ..
ثم قالت له .. تستضعفه أن غاب عنه سيده .. !
فقام مولِيا ذليلا ..

لكن (أبو لهب) ما عاش بعدها إلا 7 ليال .. حتى رماه الله بالعَدَسة فقتلته..
فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا ما يدفنانه حتى أنتن في بيته..
وكانت قريش تتقي العدسة وعدواها كما يتقي الناس الطاعون..

حتى قال لهما رجل من قريش.. ويحكما ألا تستحيان .. أن أباكما قد أنتن في بيته لا تغيبانه..

قالا... إنا نخشى هذه القرحة..

فقال لهما .. انطلقا.. فأنا معكما..

فما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يمسونه
ثم احتملوه فدفنوه بأعلى مكة إلى جدار.. وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه..

وهذه النهاية لأبي لهب كانت بعد سبع ليال فقط من غزوة بدر..
ففَقَد المشركون قائدًا آخر من كبار قوادهم ... فكانت نهايته منتهى الخزي والعار ..
وهو كبير بني هاشم ..
بعد أن كان من المفترض أن تكون هناك جنازة مهيبة لهذا الرجل ..
لكن العرب لم يأت منهم أحد .. خوفا من مرضه الذي ابتلاه الله به ..

والنتيجة التي لبستها قريش كالثوب الأجرب ..
أن (بدر) قد خلقت أزمة سياسية لقريش .. وفقدت بذلك مكانتها بين العرب ..
وأن (بدر) قد خلقت أزمة اجتماعية .. فما من بيت بقريش إلا وأصيب منه 1 أو 2 ..
وأن (بدر) قد خلقت أزمة اقتصادية .. لأن قريش كانت تعتمد في تجارتها على المرور بطريق يثرب

(4) أثر غزوة بدر على الأعراب حول المدينة

كانت حياة الأعراب تقوم أساسا على السلب والنهب.. فهم لصوص وقطاع طرق ..
وكان قيام دعوة أخلاقية داخل المدينة المنورة في دولة قوية مثل دولة الإسلام ..
يهدد حياتهم وسلوكهم غير القويم ..

فكيف يتخلص الأعراب من هذا المأزق ؟!

بدأوا يفكرون في محاولة لجمع أنفسهم للقيام بغزو المدينة المنورة...!!

فجمعت بنو سُليم الأعداد وأعدّت نفسها لتغزو المدينة..
فعلم (صلى الله عليه وسلم) بذلك .. فجمع صحابته وانطلق إلى بني سليم ..
وبمجرد أن رأوه .. فروا إلى الجبال وتركوا كل شيء ورائهم ..
فرجع (صلى الله عليه وسلم) بمجموعة كبيرة من الغنائم .. ما يقرب 500 بعير ..
تم تقسيمها على جيش المدينة المنورة ..
وكان هذا بعد 7 أيام فقط على بدر .. !

(5) أثر بدر على طائفة المنافقين

قبل بدر ..كان تقسيم الطوائف السكانية داخل المدينة المنورة.. مسلمين ومشركين ويهود
لكن بعد (بدر) تغير الوضع كثيرا ..
وتغيرت شريحة المسلمين .. فهم أما مسلمين باقتناع .. وأما منافقين .. !

وهؤلاء دائما يظهرون .. حينما تقوى شوكة المسلمين ..
فكثرتهم علامة صحية على قوة دولة الإسلام..
وكان على رأس هذه الطائفة .. (ابن سلول) ..

إذ أنه بعد (بدر) .. دخلت مجموعة كبيرة من الأوس والخزرج ممن لم يسلموا قبلا .. في الإسلام..
لكن دخولهم ذاك .. كان نفاقا وخوفا من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..

(6) أثر بدر في السيطرة العسكرية للمسلمين على الجزيرة

بعد (بدر) .. سيطر المسلمون سيطرة كاملة على شمال مكة المكرمة والطريق إلى الشام
فقطعوا عن قريش عصب التجارة الشامية ..

فاجتمعت قريش وقال (صفوان ابن أمية) .. وهو قائد الحملة التجارية الآن ..

"إن محمدا وصحبه عوَّروا علينا متجرنا.. فما ندري كيف نفعل بأصحابه..
وهم لا يبرحون الساحل (ساحل البحر الأحمر)؟!
وأهل الساحل قد وادعهم... ودخل عامَّتهم معهم..
فما ندري أين نسلك؟
وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رءوس أموالنا.. فلم يكن لها من بقاء..
وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف.. وإلى الحبشة في الشتاء"


فقام (الأسود بن عبد المطلب) وقال له .. فنكّب (اترك) عن الساحل وخذ طريق العراق..

المشكلة أن طريق العراق طويل جدا .. ولم تكن قريش تعرف هذا الطريق ..
وستحتاج إلى دليل ماهر .. ووجدوا ضالتهم في الدليل (فرات بن حيان) من بني بكر بن وائل ..

وخرجت قافلة قريش (بقيادة صفوان بن أمية).. منطلقة في الطريق الجديد..
وعلى الفور نقلت المخابرات الإسلامية أخبار هذه القافلة..
فجهز رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سرية بقيادة (زيد بن حارثة) ..
وكان عددهم 100 راكب ..
وانطلقوا مسرعين لاعتراض طريق هذه القافلة .. فأمسكوا بهم ..
وفر (صفوان بن أمية) ومن معه .. وبقي الدليل (فرات) ..
وأخذ المسلمون القافلة جميعها بما حوت .. وتم أسر الدليل ..
فكانت غنيمة كبيرة جدا من الأواني والفضة .. قدرت قيمتها بـ 100 ألف دينار ..
تم تقسيمها على أفراد السرية .. بعد أن أخذ (صلى الله عليه وسلم) منها الخمس ..
أما المفاجأة .. فقد أسلم الدليل (فرات بن حيان) .. !

فكانت ضربة أخرى لقريش .. ومأساة جديدة .. بعد (بدر) ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    17.01.14 11:53

قريش تفكر في قتل رسول الله



بعد الهزيمة المُرة التي نالتها قريش من المسلمين في بدر ..
بدأ تفكير قريش في غزو المدينة المنورة...
ومحاولة قتل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..

(1) محاولة عمير بن وهب الجمحي وإسلامه

كان الابن (وهب بن عمير بن وهب) أسيرا لدى المسلمين..
وكان أبوه (عمير) يريد أن يفك ابنه من الأسر..
لكن قلب (عمير) مليء بحقد كبير على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

فماذا يفعل ؟!

جلس (عمير) مع (صفوان ابن أمية) في حجر الكعبة .. يتذاكران أمر بدر ..
وكان أبو صفوان وأخوه قد قتلا في بدر ..

فقال (صفوان) ..والله إن في العيش بعدهم خير..

أي لا خير في العيش بعد أن قتل هؤلاء..

فقال له عمير .. صدقت والله.. أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء..
وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي.. لركبتُ إلى محمد حتى أقتله..
فإني لي قبلهم علة .. ابني أسير في أيديهم..


قال (صفوان).. علي دينك... وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا..

قال (عمير).. فاكتم عني شأني وشأنك..

قال (صفوان) .. أفعل ..

وجهز (عمير) سيفه جيدا ووضعه في السم مدة ..
ثم أخذه وانطلق إلى المدينة المنورة .. ووصل إليها ثم مر على أصحابه (صلى الله عليه وسلم)..
وهم يتحدثون في أمر بدر ..
وكان من بينهم (عمر بن الخطاب)..
فلما رآه (عمر) وكان صاحب فراسة شديدة .. "هذا الكلب عدو الله عمير.. ما جاء إلا لشرٍ"..
ثم دخل (عمر) سريعا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
فقال .. يارسول الله .. هذا عدو الله عمير بن وهب .. قد جاء متوشحا سيفه..

فقال (صلى الله عليه وسلم).. "فأدخله علي"..

فوضع (عمر) سيف (عمير) على رقبته .. وأدخله مكتوفا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
ولم يكتف (عمر) بذلك ..
بل قال لرجال من الأنصار... ادخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاجلسوا عنده
واحذروا عليه من هذا الخبيث... فإنه غير مأمون"...


ولما دخل به (عمر) على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بهذه الهيئة

قال له (صلى الله عليه وسلم) ببساطة شديدة .. "أرسله يا عمر .. ادنُ يا عمير"..

فاقترب (عمير) منه (صلى الله عليه وسلم)..
ثم قال للنبي .. أنعموا صباحا ..

فقال له (صلى الله عليه وسلم) .. "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير..
بالسلام تحية أهل الجنة .. "

ثم قال له (صلى الله عليه وسلم).. "ما جاء بك يا عمير؟!"

قال .. جئتُ لهذا الأسير الذي في أيديكم فاحسنوا إليه..

فقال (صلى الله عليه وسلم).. "فما بال السيف في عنقك ؟"

قال .. قبحها الله من سيوف .. وهل أغنت عنا شيئا ؟!..

فقال (صلى الله عليه وسلم) .. "أصدقني ..ما الذي جئت له؟!"

قال .. ما جئتُ إلا لذاك ..

فقال (صلى الله عليه وسلم) .. "بل قعدتَ أنت وصفوان بن أمية في الحجر.. فذكرتما أصحاب القليب من قريش.. ثم قلتَ: لولا دين علي وعيال عندي لخرجتُ حتى أقتل محمدا .. فتحمّل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك على أن تقتلني.. والله حائل بينك وبين ذلك"

قال (عمير) .. أشهد أنك رسول الله..
قد كنا يا رسول الله نكذِّبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي
وهذا أمرٌ لم يحضره إلا أنا وصفوان..
فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله... فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق..


وسبحان الله!

فـ (عمير) إنما جاء لقتل النبي (صلى الله عليه وسلم) .. فأصبح من كبار الصحابة ..

بعدها .. قال (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه .. "فقهوا أخاكم في دينه وعلموه القرآن .. واطلقوا اسيره"

ففعلوا ..

وكان (صفوان) في ذلك الوقت .. يلف في شوارع مكة ..
وهو يقول .. "أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام.. تنسيكم وقعة بدر"...

كما كان (صفوان) يسأل عن صاحبه الركبان..حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه
فحلف أن لا يكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا...
وظل كذلك بالفعل حتى فتح مكة...

الغريب في قضية إسلام (عمير بن وهب) ..
أنه ما أن أسلم .. وليس عنده من العلم إلا القليل ...
حتى قال قولا عجيبا ..

قال .. يارسول الله .. إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله..
شديد الأذى لمن كان على دين الله
وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة..فأدعوهم إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام
لعل الله يهديهم ..
وإلا آذيتهم في دينهم كما كنتُ أوذي أصحابك في دينهم..

فأذن له رسول الله (صلى الله عليه وسلم)... فلحق بمكة.
ومع أن كل ما تعلمه (عمير) ما هو إلا مجموعة قليلة جدا من الآيات والأحكام
إلا أنه كان يمتلك إيجابية عظيمة للغاية...
فرجع إلى مكة المكرمة وبدأ يدعو إلى الله ...
وكان من عائلة قوية (بني جمح) واستطاعوا حمايته... وكان سيد قومه ..
وظل يدعو إلى الله حتى فتح مكة...
وبعد فتح مكة كان له دور كبير في إسلام صديقه القديم (صفوان بن أمية) ..
ودخوله في حظيرة الإسلام..

(2) محاولة أبي سفيان بن حرب قتل الرسول

كانت هذه أيضا إحدى المحاولات الخطيرة لقريش لقتل رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
وقد قام بها (أبو سفيان) زعيم مكة بعد أن فَقَدت مكة كل زعمائها السابقين..
وكان (أبو سفيان) قد أخذ قرارا بعد بدر .. ألا يمس رأسه ماء من جنابة .. حتى يغزو محمدا...
فاستشار قريش بعدم التصرف في أموال القافلة التي نجت..
وجعلها تمويلا لغزو المدينة بعد ذلك..

وإلى أن يتم تجهيز هذا الجيش
حاول (أبو سفيان) عمل محاولة قرصنة لصوصية للمدينة المنورة..
لتحقيق بعض المكاسب ورفع هِمَّة القرشيين
وأن تعود لقريش بعض هيبتها المفقودة في الجزيرة العربية...

فجمع 200 فارس .. وذهب إلى المدينة المنورة ليبر يمينه ..
وبالفعل وصل إلى المدينة المنورة.. لكنه خشي من دخولها نهارا.. فدخل في الظلام
واستطاع أن يقتل رجلين من الأنصار.. وأخذ بعض الماشية..
وانطلق في طريقه إلى مكة راجعا.. فكانت محاولة طفولية وصبيانية..
فبرغم أنه معه 200 فارس .. لكنه لم يواجه المسلمين في قتال .. ولم يقتل منهم إلا 2 ..

ثم علم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما فعل (أبو سفيان)..
فجمع أصحابه (صلى الله عليه وسلم) وخرج سريعا يتتبع أثره ..
ولقد استطاع (أبو سفيان) الهروب سريعا .. وكان معهم أحمال ثقيلة من السويق ..
فألقوا هذا الطعام ليتخففوا من أحمالهم ...
وجمع المسلمون هذا السويق وأخذوه بعد ذلك كغذاء في المدينة المنورة...
وعُرِفت هذه الغزوة بغزوة السويق...
وكانت في ذي الحجة 2هـ... أي بعد بدر بشهرين فقط ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    17.01.14 11:56

استعدادات قريش لغزوة أحد



كان موقف قريش بعد هزيمتهم في غزوة بدر سيئا للغاية
فهي في أزمة اقتصادية كبيرة حيث قُطعت طرق تجارتها مع الشام..
وأزمة سياسية ضخمة حيث أُهينت كرامتها وضاعت هيبتها في الجزيرة العربية ...
إضافة إلى وجود أزمة اجتماعية بقتل 70 من أشرافها..
فكلٌ يريد أن يأخذ الثأر لأبيه أو أخيه أو عمه أو خاله أو كذا من أقاربه..
ثم إن لديهم أزمة دينية.. لأن الله سبحانه أخبر أن الصراع مستمر بين أهل الكفر وأهل الإيمان
ما دام أهل الإيمان على إيمانهم..

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ
وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ)


فهذا أحد الأهداف الواضحة عندهم
ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) مستمر بنشر الإسلام في المدينة المنورة وما حولها
وهذا بلا شك... يرفع من درجة الفوران والغليان في داخل مكة...

وقلنا من قبل .. أن قريش استخدمت أموال القافلة التي نجت بقيادة (أبو سفيان)
لتمويل الجيش المكي من جديد ..

فتم تهيئة 3000 مقاتل ..
وأخرجوا كل زعمائهم على رأس هذا الجيش.. وكان القائد له (أبو سفيان بن حرب) ..
وأكبر المساعدين له في هذه المعركة هم.. صفوان بن أمية.. وعكرمة بن أبي جهل.. وخالد بن الوليد..

أما قوة السلاح .. فقد تم تجهيز 3000 بعير.. وهو رقم كبير جدا ..
و 200 فرس .. و700 درع ..
وخرج مع الجيش 15 امرأة من نساء قريش..
تتقدمهم سيدة مكة الأولى في ذلك الوقت (هند بنت عتبة) زوجة (أبي سفيان)..
ومعها زوجات القادة العظام الكبار في جيش مكة ..

ثم أشعلت قريش حربا إعلامية ضخمة تحفز الناس على حرب المسلمين..
وقاد هذه الحرب الإعلامية (أبو عزة الجمحي)..
وهو الأسير الذي أطلقه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منّا بغير فداء ..
وأخذ عليه عهدا ألا يشارك مع المشركين ولا يحفِز أحدًا على حرب المسلمين..
وها هو الآن يخالف العهد...

ومع أن هذا الجيش بهذه القوة وبهذا الإعداد الجيد..
إلا أنه كان من المفترض أن تكون هذه الموقعة أسهل على المسلمين من موقعة بدر..
وذلك لعدة أسباب..

(1) فَقَدت قريش معظم قادتها في بدر.. فهذا الجيش يخلو من أسماء ضخمة في تاريخ مكة..
وليس في هذا الجيش.. الوليد بن المغيرة.. أو أبو جهل.. أو عقبة بن أبي معيط..
أو النضر بن الحارث.. أو أميّة بن خلف... وأضرابهم ممن قُتل في بدر...

(2) كان المسلمون يعلمون بأمر هذه الحرب وعلى استعداد لها
فقد وصل الخبر من مكة إلى المدينة المنورة مباشرة..
ولدى المسلمين من الوقت ما يستطيعون فيه أن يجهزوا أنفسهم لهذه الحرب جيدا
ثم يخرجون ومعهم عُدة المحارب وليس المسافر كما كانوا في بدر..

(3) مكان المعركة سيكون إما في المدينة المنورة أو قريبا منها..
ومعنى ذلك أن على المشركين (وهم 3000) أن يسيروا مسافة 500 كم في الصحراء ..
وهي مسافة كبيرة جدا عليهم وتعتبر شاقة ..
أما بالنسبة للمسلمين فإن خرجوا من المدينة ..فسوف يخرجون إلى مكان قريب..
في مسافة لاتتجاوز 20 كم على الأكثر ..
وهذا سيجعل الجيش الإسلامي متوافر النشاط وغير منهك في السير ..

(4) الحالة المعنوية لكلا الفريقين مختلفة تماما ..
فالجيش الإسلامي في حالة معنوية مرتفعة للغاية...
بينما الحالة المعنوية لكفار قريش في الحضيض .. بسبب ما حصل في بدر ..
وبسبب ما حصل في سرية زيد بن حارثة ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    17.01.14 12:07

استعدادات المسلمين لغزوة أحد



وصلت أنباء الاستعدادات القرشية للمدينة المنورة
فكان أول ما فعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع أصحابه .. الشورى
وانبثق عنها عدة أمور:

(1) تأمين المدينة المنورة...
فكانت هناك فرقة لحماية رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. فهو بلا شك مستهدف
وربما تحدث أي جريمة اغتيال.. وهذا سيؤثر حتما على المدينة المنورة..
وكان على رأس هذه الفرقة التي تحمي الرسول (صلى الله عليه وسلم) كبار الأوس والخزرج..
منهم (سعد بن معاذ.. و سعد بن عبادة.. و أسيد بن حضير)..
وكانت هذه فرقة من أقوى الفرق الإسلامية
وبدأت مهمتها بإحاطة بيت الرسول (صلى الله عليه وسلم) والمسجد النبوي
والسير معه (صلى الله عليه وسلم) في كل وقت وفي كل مكان..

(2) عمل فرق لحماية مداخل المدينة المنورة.. حتى لا يباغت المسلمون ليلا أو نهارا..

(3) عمل دوريات مراقبة حول المدينة المنورة.. لاستطلاع مكان وخطوات وتحركات جيش المشركين..

(4) كان الجميع في المدينة المنورة (مهاجرين وأنصار) لا يتحركون إلا بالسلاح
وفي أثناء الصلاة أيضا يكون معهم سلاحهم
وهذا الأمر يوضح صفة في غاية الأهمية من صفات الجيش المنتصر..
وهي الإعداد الجيد.. و مخابرات قوية ومتمكنة أتت بالأخبار.. وحماية قوية للقائد..
وحماية قوية للمدينة ...واستعداد كامل للقتال..

وهنا ...
بدأ المسلمون في التفكير في الأمر ..

ماذا يصنعون ؟!

هل يخرجون لملاقاة الجيش القادم خارج المدينة المنورة.. أم ينتظرون قدومه إليهم؟

هل يحددون أرض المعركة أم يتركون ذلك لعدوهم؟

وقبل أن يحددوا موقفهم من هذا الأمر ..
قصَ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليهم رؤيا..
وقال لهم (صلى الله عليه وسلم)..

"إني قد رأيتُ والله خيرا .. رأيتُ بقرا تُذبح.. ورأيتُ في ذباب سيفي ثلما..
ورايتُ أني أدخلتُ يدي في درع حصينة"


فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) رأى 3 أشياء..

(1) رأى (صلى الله عليه وسلم) بقرا يُذبح.. وأوّل ذلك أن نفرا من أصحابه يُقتلون..
(2) رأى أن في سيفه كسرا.. فأوَّل ذلك بأن رجلا من أهل بيته يُصاب..
(3) رأى أنه أدخل يده في درع حصينة.. وأوَّل ذلك بالمدينة المنورة.. أي أنه سيقاتل داخلها..

وهو (صلى الله عليه وسلم) عندما قصَ للمسلمين هذه الرؤيا ..
لم يقصها على أنها قرار يجب عليهم أن يأخذوا به
لكنه (صلى الله عليه وسلم)عرضها عليهم في صورة رأي يستأنسون به
ولأنه لو كان وحيا ما جاز له (صلى الله عليه وسلم) أن يستشيرهم فيه..
كما أنه (صلى الله عليه وسلم) يشير من بعيد إلى أنه يفضّل أن يقاتل في داخل المدينة المنورة..
وقد صرَح (صلى الله عليه وسلم) بعد ذلك بهذا الرأي ..

فقال.. "يقاتل المسلمون على أفواه الأزقة .. والنساء من فوق البيوت"

أي أنهم لو ظلوا في المدينة المنورة ....فسيضطر جيش مكة إلى دخول المدينة
وستكون الحرب حرب شوارع
وهذه الحرب سوف تكون صعبة جدا على الجيش المهاجم...

لكن المشكلة أن معظم المسلمين في المدينة الذين لم يشاركوا في بدر ..
كانوا في شوق إلى قتال المشركين خارج المدينة المنورة..

حتى قال قائلهم.. يارسول الله .. كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله.. فقد ساقه إلينا وقرب المسير
اخرج إلى أعدائنا لا يرون أنا جَبُنَّا عنهم..


وكان من أشد المتحمسين للخروج (حمزة بن عبد المطلب)..
وقد قال (حمزة) كلمة عجيبة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم).. :

قال .. والذي أنزل عليك الكتاب... لا أطعم طعاما حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة..

وكان معظم الناس على هذا الرأي...
ولم يكن على رأي الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلا القليل من الصحابة ...

الغريب .. أنه كان ممن وافق رأيه (صلى الله عليه وسلم) ..
هو زعيم المنافقين (عبد الله بن أُبي بن سلول) .. وبالطبع لم يكن رأيه عن اقتناع..
لكن ليسهل عليه الفرار في داخل المدينة ..

المهم .. أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) نزل في نهاية الأمر على الشورى ..
حتى وإن كان مخالفا لرأيه...
وإن كان يتأوَّل في رؤياه أن نفرا من أصحابه سوف يقتلون..
وأن واحدا من أهل بيته سيُصاب..
وأنه من الأفضل أن يقاتل داخل المدينة..
لكنه (صلى الله عليه وسلم) لما رأى أن ذلك ليس وحيا من الله ..
تنازل (صلى الله عليه وسلم) عن رأيه لصالح رأي الأغلبية..
وقرر (صلى الله عليه وسلم) الخروج من المدينة ... لقتال المشركين..


فما الذي حدث بعدها ؟!

لقد صلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم الجمعة بالناس ..
ووعظهم وأمرهم بالاجتهاد والجد
وبشرهم بالنصر إن هم صبروا... وإن هم ساروا على نهج الله ونهج نبيه (صلى الله عليه وسلم)...
وقد فرح الناس بالخروج وتجهزوا بنشاط..

وبعد أن صلى (صلى الله عليه وسلم) العصر في ذلك اليوم الجمعة 6 من شوال
حشد أهل العوالي وأهل المدينة المنورة
وجمع أصحابه أجمعين..

وبدأ هو (صلى الله عليه وسلم) شخصيا يستعد للخروج للقتال..
فأخذ (صلى الله عليه وسلم) معه (أبا بكر وعمر) ودخل بيته ليجهزاه بعدَة الحرب..
ولبس العدة الكاملة للحرب... فلبس درعين.. وحمل سيفه..
وقبل أن يخرج (صلى الله عليه وسلم) من بيته ..
اجتمع الأنصار مع المهاجرين..
وقال لهم (سعد بن معاذ وأسيد بن حضير)..

"استكرهتم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على الخروج .. فردوا الأمر إليه"

إذن، فعموم الصحابة يشعرون أن الأمر على غير رأي الرسول (صلى الله عليه وسلم)..
ويعلمون أن رأيه (صلى الله عليه وسلم) هو الأحكم والأعلم والأنسب لأنه رسول الله..
فقرروا أن يردوا إليه الأمر مرة ثانية..

فلما خرج (صلى الله عليه وسلم) وهو يرتدي عدة الحرب

قالوا له...يا رسول الله، ما كان لنا أن نخالفك.. فاصنع ما شئت.. إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل..

لكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد أخذ القرار
واستعد للخروج فعلا ..

فقال لهم كلمة جميلة .. "ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته (درع الحرب) أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه"

وهذا الأمر يوضح لنا أهمية الحسم وعدم التردد
وهي صفة مهمة من صفات الجيش المنتصر...

وكان (صلى الله عليه وسلم) قد حفَز الجيش بالجنة في خطبة الجمعة..
وكذلك عندما خرج بعد صلاة العصر..
ثم عندما سمع الناس بعد ذلك نداء الجهاد في سبيل الله ...خرج الجميع للجهاد
حتى خرج (حنظلة بن عامر) .. وكان حديث عهد بعرس...
لكنه خرج مباشرة دون تردد..

وبدأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يُعد العدة ويصف الصفوف..
فجهز (صلى الله عليه وسلم) 2000 مقاتل ..
وجعل على كتيبة المهاجرين (مصعب بن عمير)..
وعلى كتيبة الأوس (أسيد بن حضير)
وعلى كتيبة الخزرج (الحباب بن المنذر)
وجهز الجيش بـ 200 درع ..
ولم يكن مع المسلمين في هذه الموقعة .. أي خيول .. نظرا لما كانوا عليه من الفقر ..!

وكان أن أراد أحد مشركي المدينة المنورة .. المساهمة في هذا الجيش ..

فرده (صلى الله عليه وسلم) وقال ... "لا أستعين بمشرك" ..

بل جاءته كتيبة كاملة حسنة التسليح ... للاشتراك معه في أحد ..
فسأل عنها (صلى الله عليه وسلم).. فقالوا له .. هذه كتيبة من اليهود من حلفاء الخزرج ..

فقال (صلى الله عليه وسلم) .. "هل أسلموا؟"

قال المسلمون .. لا..

فردهم (صلى الله عليه وسلم) وقال.. "قولوا لهم فليرجعوا .. فإنّا لانستعين بالمشركين على المشركين"

كما أجاز (صلى الله عليه وسلم) مشاركة الشباب اليافع في أحد ..
وهم الغلمان في عمر 11-15 سنة ..

ثم .. حصل بعد ذلك أمر غريب ..

إذ خرج الجيش الإسلامي وتوجه في طريق أُحد...
وذلك لأنه يعرف أن جيش المشركين يعسكر بالقرب منها ..
وحاول الرسول (صلى الله عليه وسلم) التكتم قدر استطاعته أثناء السير..
فسار (صلى الله عليه وسلم) من وسط المزارع التي تقع حول المدينة ..
حتى لا يُكتشف أمره من قِبل الجيش المشرك..

ثم وصل (صلى الله عليه وسلم) إلى منطقة أُحُد.. ومن بعيد رأى جيش المشركين.

لكن ...
بينما هم على مسافة قريبة من أُحُد ...حدث أمر هائل في الجيش المسلم...
فقد كان (ابن سلول) مقاتلا ضمن جيش المسلمين ..
فخرج فجأة في حركة تمرد على المسلمين
وأبدى أنه غير موافق على القتال في هذه المعركة..
متعللا بأنه لم يكن من الموافقين على رأي الخروج من المدينة..
ثم قرر الرجوع .. بل لقد رجع معه 300 مقاتل مسلم .. !!
أي ما يقابل ثلث الجيش ..

وناشد الصحابي (عبد الله بن حرام) هؤلاء المنافقين وهم ينصرفون من أرض المعركة..

فقال لهم .. تعالوا قاتلوا في سبيل الله ...أو ادفعوا..

فقالوا... لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع...!!

وحاول (عبد الله بن حرام) معهم كثيرا لكنه لم يفلح ..

فقال لهم .. أبعدكم الله أعداء الله .. فسيُغني الله عنكم نبيه ..

ونزل بعدها قوله تعالى ..

(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ...
وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا
قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ ...
هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ..
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ...وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ)


وقد يتصور أحد أن هذه خسارة للجيش المسلم.. لكن على العكس ..

فقد قال الله سبحانه يصف حال المنافقين

(لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ
وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ
وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)


فوجود المنافقين في الصف المسلم خطر كبير..
ليس فقط لأنهم سوف يدلون بآراء فاسدة للجيش المسلم..
لكن الأخطر أنهم قد يثيرون بعض الشبهات بين المسلمين ..
التي تجعل بعض المؤمنين الصادقين يترددون في أمر القتال..

فلقد أثرت كلمات هذا الفرج المنافق في طائفتين من المسلمين ..
طائفة بني حارثة من الأوس... وطائفة بني سلمة من الخزرج..
فهاتان الطائفتان فكرت كل منهما جديا في أمر الرجوع..
لولا أن الله ثبّتهم بصدق إيمانهم..
وقد وقف معهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) والصحابة معه ..
وأقنعوهم بالبقاء في أرض المعركة

حتى قال الله عنهم ..

(إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    20.01.14 0:40

وصول الجيشين إلى أحد



دخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أرض أُحُد
وبدأ (صلى الله عليه وسلم) ينظر إلى أرض المعركة نظرة عسكرية ثاقبة
ويختار لمعسكره المكان المناسب..
فاختار (صلى الله عليه وسلم) مكانا في منتهى العبقرية
وهو مكان يكون فيه جبل أُحُد حاميا لظهر المسلمين ..
وخصوصا ميمنة الجيش ..
وسيكون فيه المسلمين في مكان مرتفع نسبيا.. والجيش المكي في مكان منخفض..
وهذا يعطي قوة أكثر على القتال...

ثم اكتشف (صلى الله عليه وسلم) في أرض المعركة جبلا صغيرا..
عُرف بعد ذلك في التاريخ ... بـ "جبل الرماة"..

وكان هذا الجبل على شمال الجيش الإسلامي.. وهو ثغرة ضد المسلمين إذا التف المشركون حوله..
وقد تكون هناك مشكلة ..
فمن أجل أن يؤمِّن النبي (صلى الله عليه وسلم) هذه النقطة الحساسة والخطيرة في أرض القتال
انتخب (صلى الله عليه وسلم) من أصحابه 50 من الرماة المهرة..
و وضعهم على هذا الجبل
وأمرهم أن يصدوا عنه هجمات الفرسان المشركين..
وكان على رأس هؤلاء الفرسان (عبد الله بن جبير الأوسي البدري)..
وهو من أعظم الصحابة وأمهر الرماة..

ثم ..
ذكر الرسول (صلى الله عليه وسلم) له ..وللفرقة التي معه ...بعض الأوامر.

أولا .. خاطب النبي (صلى الله عليه وسلم) قائدهم (عبد الله بن جبير) .. أمام الجميع ..

قال له .. "انضح عنا الخيل بالنُبل"

وهذه الجملة وحدها كانت تكفي.. فالمهمة في غاية الوضوح..
وهي منع جيش المشركين من الالتفاف حول الجيش الإسلامي..
فلم تكن مهمة هؤلاء المسلمين النزول إلى الجبهات .. ولكن المنع عن طريق الرمي فقط ..

ثم لم يكتف (صلى الله عليه وسلم) بذلك ..بل قال له .. "لايأتون من خلفنا" ..

وهذا تأكيد وتوضيح للأمر السابق...

ثم قال له (صلى الله عليه وسلم)..كلاما عجيبا .. "إن كانت لنا أو علينا .. فاثبت مكانك" .. !!!

فكأنه (صلى الله عليه وسلم) يرى ما سوف يحدث بالفعل على أرض المعركة..
وينبّه الناس مرة بعد مرة..

ثم قال (صلى الله عليه وسلم) .. "لا نؤتينّ من قِبَلك" ..

فانظر كيف يُحرك (صلى الله عليه وسلم) في (عبد الله) مشاعر عظيمة ..
ويحمله مسئوليات جسيمة..
فكأن خسارة المسلمين أو نجاحهم معتمدة على هذا القائد ومجموعته ..

ثم ألتفت (صلى الله عليه وسلم) إلى الرماة .. فقال لهم كلاما أعجب ..

قال .. "إن رأيتمونا تخطفنا الطير .. فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم" .. !!!

وأكمل ... "وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطئناهم .. فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم"

أي في حال النصر الساحق أو في حال هزيمة المسلمين .. لا تبرحوا أماكنكم ..

وبعد كل هذا التأكيد ..
فإذا حدثت مخالفة... فلا شك أنها ستكون مخالفة متعمدة..
وإذا حدثت مخالفة متعمدة لأمره (صلى الله عليه وسلم).. فلا تتوقع نصرا على الإطلاق..

بعدها ...
نزل (صلى الله عليه وسلم) إلى جيشه ..
وبدأ يحفز الناس على الجهاد في سبيل الله.. ويذكرهم بالجنة...

فماذا فعل (صلى الله عليه وسلم) ؟!

أخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سيفا من السيوف ...ورفعه بين الصحابة..

وقال... "من يأخذ هذا السيف بحقه؟"

فقام إليه رجال ومنهم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام... وعمر بن الخطاب وغيرهم..
حتى قام إليه (أبو دجانة سِمَاك بن خَرَشَة الأنصاري)... رضي الله عنه..

فقال الحبيب (أبو دجانة) .. ما حقه يارسول الله ؟!

قال (صلى الله عليه وسلم) ... "أن تضرب به وجوه العدو حتى ينحني" ..!

فقال (أبو دجانة) بمنتهى القوة .. "أنا آخذ بحقه يارسول الله"

فأعطاه النبي (صلى الله عليه وسلم) السيف..
وما إن أخذه ..وأمسك به ...حتى أخرج من جيبه عصابة حمراء وربط بها رأسه..

فلما رأوه الأنصار قالوا ..لقد ربط أبو دجانة عصابة الموت..

فهذه العصابة الحمراء كان (أبو دجانة) يضعها على رأسه عندما يطلب الموت..
ثم بدأ يمشي متبخترا بين صفوف المسلمين والمشركين..

فرآه (صلى الله عليه وسلم) فقال .. "هذه مشية يكرهها الله ورسوله إلا في هذا الموطن" ..

وعلى الجانب الآخر وفي جيش المشركين..
بدأ (أبو سفيان) يرتب جيشه وينظمه..
فوضع (خالد بن الوليد) على الميمنة..
و(عكرمة بن أبي جهل) على الميسرة..
و(صفوان بن أمية) على المشاة..
و(عبد الله بن ربيعة) على رماة النبل.. وأعطى اللواء لبني عبد الدار..

وكما نعرف أن بني عبد الدار كانوا دائما حملة اللواء..
سواء قبل الإسلام أو بعد ظهوره..
ففي بدر كانوا يحملون اللواء.. وها هم في أُحُد يحملونه..

لكن أبا سفيان يريد أن يستثير كل ما عند القوم من حميّة وبأس وقوة..

فقال لهم... يا بني عبد الدار.. قد وُلِّيتم لواءنا يوم بدر.. فأصابنا ما قد رأيتم..
وإنما يُؤتى الناس من قِبل راياتهم... إذا زالت زالوا..
فإما أن تكْفُونا لواءنا.. وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه...


وأثار هذا الكلام من (أبي سفيان) حميَة وغضب بني عبد الدار...

فقالوا...نحن نُسلم إليك لواءنا..!..ستعلم غدًا إذا التقينا كيف نصنع..

وقد صدقوا في كلمتهم.. وأبيدوا بالفعل على بكرة أبيهم وهم حول اللواء..
كما سيتبين في أحداث الغزوة...

ثم وقفت (هند بنت عتبة) ومن معها من النساء ..
يشجعن الجيش المشرك على القتال وينشدن الأشعار في ذلك...

بعدها .. حاول (أبي سفيان) تشتيت الجيش المسلم..

فراسل الأنصار قائلاً لهم... خلوا بيننا وبين بني عمنا وننصرف عنكم.. لا حاجة لنا إلى قتالكم..

لكن هيهات لهذه الكلمات أن تجد لها موقعا في قلوب الأنصار ..
وهم من أعظم الناس إيمانا..
فرد عليه الأنصار ردا عنيفا.. وأسمعوه ما يكره..

واقتربت ساعة الصفر...

و دنا الجيشان بعضهما من بعض...

فقامت قريش بمحاولة أخرى لتفتيت الجيش المسلم..
وخرج (أبو عامر الفاسق) .. وكان يسمى الراهب.. وقد تحدثنا عنه من قبل ..
فهو من سكان المدينة ..
ثم نادى على قومه الأوس .. يا معشر الأوس.. أنا أبو عامر"...

وكان ابنه (حنظلة بن أبي عامر) في صف المسلمين..
وشتان بين الابن وأبيه..

فقالوا له...لا أنعم الله بك عينا يا فاسق..

فقال..لقد أصاب قومي بعدي شر..

ففشلت محاولة قريش هذه ...

وستبدأ بعد قليل .. معركة من أشرس المعارك في تاريخ المسلمين ..
ولقد كانت بدايتها .. شديدة الشبه ببدر ..
لولا أن بعضا من المسلمين هداهم الله .. قد ركنوا للدنيا ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    20.01.14 1:02

غزوة أحد بداية القتال ونصر المسلمين



بدأ القتال في معركة أحد ..
وكان يوم السبت الموافق السابع من شوال ...بعد غزوة بدر بعام تقريبا..

وكان القتال في منتهى القوة والشراسة..

وأول ما بدء للقتال ...كان حول راية الكفار..
وكان يحملها من بني عبد الدار (طلحة بن أبي طلحة العبدري)..
وهو من أكبر وأعظم وأقوى فرسان قريش ... كان يلقب بكبش الكتيبة ..
وخرج هائجا يركض على جمل..
فأحجم عنه المسلمون لما رأوا هيئته وقوة بأسه..
لكن تقدم عليه الصحابي (الزبير بن العوام) الذي لم يكتف بقتاله فقط ..
بل قفز فوق جمل (طلحة) وجذبه إلى الأرض وبرك فوقه وقتله..

فلما رأى (صلى الله عليه وسلم) ما فعل (الزبير) ..

قال .. "ألا أن لكل نبي حواريا .. وحواريّ الزبير بن العوام"

ثم اشتد القتال بين الفريقين ..

وتقدم من قريش (عثمان بن أبي طلحة) أخو (طلحة) الذي مات للتو..
فخرج له (حمزة) .. فقتله ..
ثم خرج أخو (طلحة) الثالث .. فقتله (سعد بن أبي وقاص) ..
ثم خرج أخوهم الرابع (مسافع) ..
ثم أخوهم (كلاب بن طلحة)..
ثم أخوهم (الجلاس بن طلحة)..
فقتلوا جميعهم وهم أخوة من بيت واحد .. من بني عبد الدار حملة الراية ..

ثم خرج رجل آخر من بني عبد الدار .. (أرطأة بن شرحبيل) .. فقتله (علي) ..

ثم خرج آخر منهم هو (شريح بن قارظ) .. فتله غلام أنصاري اسمه (قزمان)..

ثم خرج رجل آخر منهم هو (عمرو بن عبد مناف) .. فقلته الغلام (قزمان)..

ثم خرج (ابن شرحبيل بن هاشم) .. فقلته الغلام (قزمان)..

وقُتل يومئذ 10 من بني عبد الدار..
كلما قتل واحدا منهم تسلم الراية آخر ..

ثم خرج مولى لبني عبد الدار .. اسمه (صواب) من الحبشة.. وهو يحمل الراية ..
وقاتل قتالا أشد من السابقين جميعا ...
حتى قطعت يده الأولى.. ثم الثانية.. ثم قطعت رأسه وهو يحمل الراية
حتى سقط ..
وبسقوط هذا الغلام الـ 11 .. سقطت الراية المشركة ولم ترفع بعد ذلك.
واحتدم القتال بين الفريقين ...

وكان شعار المسلمين في هذا اليوم .. "أمِت أمِت"

وكانت بداية قوية بالنسبة للمسلمين ..
فقد سقط 11 قتيلا من المشركين مقابل لا شيء من المسلمين ..
وانهارت معنويات الكفار..
وارتفعت معنويات المسلمين إلى أعلى درجة.. فقاتلوا قتال الأشاوس..

وجاء (أبو دجانة) .. الذي أخذ السيف من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)...
وبدا يقتل كثيرا من المشركين ..

وكان (الزبير بن العوام) يجد في نفسه ..
لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) أعطى السيف لأبي دجانة ولم يعطه له ..

فقال (الزبير) في نفسه .. أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت إليه فسألته السيف قبل أبي دجانة..
فأعطاه له وتركني ... والله لأنظرن ما يصنع ..


فاتبع (الزبير) .. (أبو دجانة) .. فرآه يقول ..

أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل
أن لا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول


يقول (الزبير بن العوام)... فجعل لا يلقى أحد من المشركين إلا قتله...

وكان في المشركين رجل يقتل كل جريح مسلم..

يقول الزبير... فدعوت الله أن يجمع بينه وبين أبي دجانة...

مع أن الزبير من كبار الفارسين

فاجتمع (أبو دجانة) مع ذاك الكافر فضرب ضربتين ..
فضرب المشرك أبا دجانة.. فاتقاه بدرعه ... ثم ضربه (أبو دجانة) فقتله ..

ثم اخترق (أبو دجانة) صفوف المشركين حتى وصل إلى صفوف النساء
ثم رأى إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا .. فلما حمل عليه السيف ولى صارخا فإذا هو امرأة ..
وإذا هي (هند بنت عتبة) ..

فيقول (أبو دجانة) .. فأكرمت سيف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن أضرب به امرأة.

أما (حمزة بن عبد المطلب) ..
فقد قاتل قتالا شديدا ... ولم يقف في وجهه أحد من المشركين ..
لكن وقف في ظهره (وحشي بن حرب) أحد الغلمان من الجيش المكي..

ويحكي (وحشي بن حرب) قصته فيقول...

كنت غلاما لجبير بن مطعم.. وكان عمه عدي قد أصيب يوم بدر..
فلما أجمعت قريش المسير إلى أحد ..
قال لي جبير: إنك إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق..
قال فخرجت مع الناس وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قلما أخطئ بها شيئا..
فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره
حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس هدا ما يقوم له شيء
فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في ثنته (أي في أحشائه) ..
و ذهب لينوء نحوي فغُلب... فكان يريد قتلي..
فتركته حتى مات...
فأخذت حربتي فذهبت إلى العسكر فقعدت فيه ..
ولم يكن لي بغيره حاجة وإنما قتلته لأعتق.. فلما قدمت مكة عتقت.


وحلت الكارثة على جيش المسلمين بقتل (حمزة أسد الله وأسد رسوله) .. صلى الله عليه وسلم ..

ومع قتل (حمزة) وبرغم الخسارة الفادحة التي خسرها المسلمون..
ظل المسلمون مسيطرون على الموقف تماما ..

المشكلة كانت في جيش المشركين ..
فلقد كانت لـ (خالد بن الوليد) نظرة عسكرية ثاقبة ...
لقد رأى الثغرة التي يمكن له من خلالها أن يخترق جيش المسلمين ..
فحاول الالتفاف بفرقة كانت معه من فرسان المشركين حول جبل الرماة ..
إلا أنه فوجئ بسيل من السهام من فوق الجبل .. فرد فرقته إلى مكانها .. وفشل في مسعاه..

ولقد كرر (خالد) تلك المحاولة مرات عديدة ..
فيأتيه سيل السهام .. فيترد بفرقته مرة أخرى .. ويفشل ..

وبدأت الهزيمة تدب في جيش المشركين ...
كانوا 3000 مشرك يقابلون 700 مسلم .. لكن بقوة 30 الف مسلم ..

وبدأ المشركين يفكرون جديا في الهرب ..
وبدأوا يتراجعون إلى الوراء شيئا فشيئا ...
ثم فروا باتجاه مكة تاركين النساء وراءهم ... ثم هرب النساء ..

حتى يقول (الزبير بن العوام) .. لقد رأيت خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ..
ما دون أخذهن قليل ولا كثير...


فكان نصرا للجيش المسلم لا يقل روعة عن نصر بدر..

حتى قال عنه الله سبحانه ..

(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ)

وتحسونهم ..أي تستأصلونهم.
فالمسلمون إلى هذه اللحظة .. ملتزمين بأوامر النبي (صلى الله عليه وسلم)..
فهم منتصرون ..

لكن للأسف .. لم تكن هذه نهاية المعركة ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3100
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    20.01.14 1:27

مصيبة المسلمين يوم أحُد



بعد هروب المشركين إلى مكة ..
ألقوا وراءهم كل شيء.. الأمتعة والأثقال والأحمال...

لكن ..
عندما رأى رماة المسلمين من فوق الجبل .. تلك الدنيا المتناثرة .. هرعوا إليها ...
فكانت مخالفة صريحة واضحة لأوامر النبي (صلى الله عليه وسلم) ..

فصاح بهم قائدهم (عبد الله بن جبير) .. أَنَسيتم ما أمركم به رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟!..

فقالوا... الغنيمة الغنيمة ...!

فكانت هنا مخالفتان .. لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ...ولقائدهم ..

وتخلى 40 رجلا من الرماة عن مواقعهم .. ونزلوا ليجمعوا الغنائم ..

ولقد لفت هذا الموقف نظر القائد العسكري (خالد بن الوليد)..
فلما رآى ما فعلوا ..
التفَّ هو بجيش المشركين حول الجبل ....

ولقد حاول قائد الرماة (عبد الله بن جبير) ومن تبقى معه ..
أن يبعدوا (خالدا) وفرقته .. لكن (عبد الله) فشل في ذلك ..
بل صعد إلى الرماة مجموعة من الكافرين .. وأبادوهم ..
واستشهد أولئك الرماة ومعهم قائدهم (عبد الله) ..

والتف (خالد) حول الجيش المسلمين .. وصاح صيحة سمعها المشركون الهاربون ..
فعادوا للقتال..
وحوصر المسلمون بين (خالد) من خلفهم و المشركين من أمامهم ..

وأسرعت امرأة من المشركين واسمها (عمرة بنت علقمة)..
ورفعت لواء المشركين الساقط على الأرض ..
فاهتاج المشركون... وتحمسوا للقتال حماسا كبيرا ...
وهم يحملون بين نفوسهم ذكريات بدر... وهزيمتهم في بداية أحد ..
فضغطوا على المسلمين كثيرا ..

الموقف الآخر ..
أن النبي (صلى الله عليه وسلم) ...كان ينظم الصفوف في مؤخرة الجيش..
حينما التف عليهم (خالد) ..
فكانت أول فرقة قابلها (خالد).. هي الفرقة التي فيها النبي (صلى الله عليه وسلم)..
ولم يكن أمامه (صلى الله عليه وسلم) إلا خياران ..

(1) إما أن يهرب بالفرقة التي معه إلى أي مكان في أرض المعركة.. ليقاوم من جديد..

(2) أو أن ينادي على الجيش ليجتمع من جديد..ويستعيدوا الموقف ..
المشكلة .. أن مناداته (صلى الله عليه وسلم) قد تلفت انظار المشركين القريبين إليه ..
ولو سمعوه (صلى الله عليه وسلم) ... لأحاطوا به وقتلوه...

مع ذلك ..
اختار (صلى الله عليه وسلم) الحل الثاني .. بشجاعته المعهودة ..

بل نادى بأعلى صوته ..."إلي عباد الله .. إلي عباد الله .. أنا رسول الله"

وبدأ النبي (صلى الله عليه وسلم) يرفع صوته ليسمع المسلمون..
الذين كانوا في حالة اضطراب شديدة... بينما المشركون في حالة نشاط عجيب..
فالموقف مأساوي للغاية ..

وسمع (خالد) صوت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
فقام بمحاصرة فرقة النبي ..

وقاتلت الفرقة التي مع النبي (صلى الله عليه وسلم) قتالا شديدا...

وكان (صلى الله عليه وسلم) يشجعهم .. ويقول ..

"من يردهم عنا وله الجنة؟!"

وفي رواية ..

"من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة"

فتقدم أحد الأنصار وقاتل قتالا شديدا حتى قُتل شهيدا...
تقدم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس ثم السادس ..وقُتلوا جميعا ..
حتى وصل الأمر إلى سابعهم وهو (عمارة بن يزيد بن السكن)..
فقاتل قتالا شديدا حتى أصيب... وسقط على الأرض..
ثم اقترب (عمارة) من النبي.. حتى وضع وجهه على قدم النبي (صلى الله عليه وسلم)..
فاستشهد ووجهه ملتصق بقدم الحبيب (صلى الله عليه وسلم)..

فتأثر (صلى الله عليه وسلم) وقال .. "ما أنصفنا أصحابنا"

فأثار هذا الموقف (طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص)... فقاما فقاتلا أكثر من الأول ..

وماذا يفعل (طلحة وسعد) في مواجهة كتيبة من المشركين ...!!

ثم تقدم (عتبة بن أبي وقاص) أخو سعد من جيش المشركين ..
وقذف وجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالحجارة ..
فتفجرت الدماء من وجهه (صلى الله عليه وسلم)...

وجاء مشرك يدعى (عبد الله بن شهاب الزهري) ..
وشجّ رأس النبي (صلى الله عليه وسلم) .. شجّة منكرة في رأسه ..

ثم جاء إليه رجل اسمه (عبد الله بن قمئة).. وضرب النبي (صلى الله عليه وسلم) في كتفه ضربة ..
ظل يشتكي منها شهرا كاملا...
ثم ضرب النبي (صلى الله عليه وسلم) في وجهه ..
فدخلت حلقتان من المِغْفَر التي كان يلبسها النبي (صلى الله عليه وسلم) في وجنته..

والرجل يقول .. خذها وأنا ابن قمئة ..

فقال له (صلى الله عليه وسلم).. "أقمأك الله"

أي أهلكك الله..
وقد وقع هذا الرجل من فوق جبل وقُتل بعد ذلك...
لقد كان موقفا متأزما...

وكان (صلى الله عليه وسلم) يقول .. "كيف يفلح قوم شجّوا رأس نبيهم؟!"

فأنزل الله قوله تعالى

(لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ)

وفي هذا الوقت ..
قام (سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله) بعمل ..
لا يستطيع أن يقوم به إلا جيش كامل..
فقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) محاصرا بفرقة من المشركين..
ومع ذلك قام سيدنا (سعد) برمي المشركين بسهامه...
فكان (صلى الله عليه وسلم) معجبا بأداء (سعد)..

وقال له... "ارم سعد .. فداك أبي وأمي" ..

فـ (سعد) الوحيد الذي جمع له النبي (صلى الله عليه وسلم) أبويه..
وكان يفتخر بها بعد ذلك..

وحارب (طلحة) حربا ضروسا في هذا اليوم...
وكان يقاتل حول النبي من جميع الاتجاهات ..
حتى وصلت الجروح في جسده لحوالي 39 جرحا .. ومع ذلك بقي يقاتل ..!

وجاء سهم من بعيد كاد يصيب النبي (صلى الله عليه وسلم)..
فوضع يده أمام السهم ...فوقع السهم في يده..
وأنقذ الرسول (صلى الله عليه وسلم) .. وشُلِّت يد (طلحة) من ذلك السهم...

وبعد هذا القتال الشرس حول النبي (صلى الله عليه وسلم)...
وصل بعض الصحابة إلي رسول الله ..
وكانوا قد رأوه محاصرا...

وكان أول العائدين حبيبنا (أبو بكر) ..
فرأى رجلا يقاتل حول النبي (صلى الله عليه وسلم) ..

فقال (أبو بكر) .. كن طلحة .. فداك أبي وأمي ..

ثم وجده (طلحة) كما توقع ..
لأنه كان يعلم أن (طلحةَ) فارسٌ مغوار...وليس من غيره يستطيع أن يقاتل ذلك القتال.

ثم وصل (عمر) .. و(أبو عبيدة بن الجراح) ..
و وجد (أبو بكر) أن حلقات المِغْفَر في وجه النبي (صلى الله عليه وسلم)..فذهب لينزعها..

فقال له (أبو عبيدة)... نشدتك بالله يا أبا بكر... نشدتك بالله يا أبا بكر ..إلا تركتني..

وبدأ يجذب (أبو عبيدة) حلقات المغفر بأسنانه من وجه النبي (صلى الله عليه وسلم).. بخفة شديدة..
لئلا يؤذي النبي (صلى الله عليه وسلم)...
وبخروج حلقة المغفر الأولى ..سقطت سِن من أسنان (أبي عبيدة بن الجراح)..

فتوجه (أبو بكر) إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) لينزع الحلقة الأخرى..

فقال له (أبو عبيدة)... نشدتك بالله يا أبا بكر إلا تركتني..

ولما جذب (أبو عبيدة) الحلقة الثانية ..سقطت سن أخرى من أسنانه..

ثم رأى النبي (صلى الله عليه وسلم).. أن (طلحة) يقاتل رغم كثرة الجراح التي ألمت به..

فقال (صلى الله عليه وسلم).. "دونكم أخاكم .. فقد أوجب"

وسقط سيدنا (طلحة) متعبا ... من الإصابات الكثيرة التي ألمت به...

وبدأ الصحابة في الدفاع عن النبي (صلى الله عليه وسلم)..
وجاءت مجموعة أخرى ... تعينهم ..
أبو دجانة .. ومالك بن سنان (والد أبو سعيد الخدري).. وحاطب بن أبي بلتعة..
وجاءت (أم عمارة) إحدى النساء تقاتل حول الرسول (صلى الله عليه وسلم)..

وكان (أبو طلحة الأنصاري) يضع نفسه أمام الرسول (صلى الله عليه وسلم)
ليحميه من سهام المشركين..
وكان (صلى الله عليه وسلم) إذا أراد أن يرمي بسهم ..أشرف فوق رأس (أبي طلحة)..

فكان يقول له...بأبي أنت وأمي.. لا تشرف يا رسول الله..
فيصيبك سهم من سهام القوم...نحري دون نحرك...


وكانت (أم عمارة) تقاتل عن يمين النبي (صلى الله عليه وسلم) وعن شماله..

فقال (صلى الله عليه وسلم) .. "ما نظرتُ يميني ولا يساري ولا أمامي ولا خلفي ..
إلا وجدتُ أم عمارة تقاتل عني بسيفها"..


فكان (صلى الله عليه وسلم) ينظر إليها مبتسما ومعجبا بقتالها ..
وهي الضعيفة التي لم تكلف بالقتال بالسيف في هذه المعركة ..التي فر منها بعض الرجال..

فلما شاهدته قالت .. يا رسول الله.. ادع الله أن نكون معك في الجنة

فقال .. "أنتم معي في الجنة"

وكانت تقاتل هي وزوجها وابنها حول النبي (صلى الله عليه وسلم)..

وجاء الصحابي (حاطب بن أبي بلتعة) .. وقتل (عتبة بن أبي وقاص)..
الذي كان يرضخ وجه النبي (صلى الله عليه وسلم) بالحجارة...

وقاتل (عبد الرحمن بن عوف) قتالا شديدا حتى تحطمت أسنانه..
وأصيب إصابة بالغة في جسده.. كانت سببا في إصابته بالعرج الدائم بعد ذلك...

أما (أبو دجانة) فلقد فعل فعلا غريبا..
فقد وقع الرسول (صلى الله عليه وسلم)..في حفرة من الحفر . التي حفرها المشركون ككمين للمسلمين..
ورأى السهام تأتي إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) من كل مكان..
فألقى (أبو دجانة) بنفسه على النبي (صلى الله عليه وسلم)..
وسد الحفرة بجسده ..ليتلقى السهام في ظهره...!

ثم تقدم (مصعب بن عمير) .. وهو يحمل راية المهاجرين..
وقاتل حول النبي (صلى الله عليه وسلم)... قتالاً شديدًا..
فقطعت يمينه... فحمل الراية بشماله... فقطعت شماله..
فبرك على الراية وهو قابض عليها بعضديه.. وجاء المشركون من خلفه وقتلوه..

فسقط على الأرض وهو يقول... (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)

ولما قتل (مصعب).. وكان شديد الشبه بالنبي (صلى الله عليه وسلم)...
ظن المشركون أنهم قتلوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)...

فقال (ابن قمئة) .. وهو قاتل (مصعب) .. قتلتُ محمدا ..

وانتشر الخبر في أرض المعركة بكاملها عند الجيشين ..
وكانت مأساة على المسلمين... فمقتله (صلى الله عليه وسلم) أمر لايتخيلوه..
وهم لا يستطيعون أن يعيشوا بدونه (صلى الله عليه وسلم)..

ثم كيف ينقطع الوحي ولم تتم الرسالة بعدُ؟ ..

وحصل للمسلمين إحباط شديد ..
لدرجة أن البعض منهم لم يعد يعرف كيف يتصرف .. ؟!
ولم يعد حتى يرفع سيفه ليدافع عن نفسه ..
مع أن القتال ليس من أجل المسلمين .. ولا من أجل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ...
بل هو قتال في سبيل الله .. فلماذا القعود والاحباط ؟!!

لكن أحد الصحابة كان قويا .. وهو (ثابت بن الدحداح) ..
فصرخ في المسلمين رغم يقينه من مقتل نبيه (صلى الله عليه وسلم) ..

قال ... إن كان محمد قد قُتل.. فإن الله حي لا يموت..

ثم قاتل الحبيب (ثابت) حتى استشهد ...

وصرخ بالمسلمين صحابي آخر .. هو (أنس بن النظر) ..
لما رآى بعض أصحابه جلوس من هول الصدمة ..

فنادى بهم ... ماذا تنتظرون؟..

قالوا .. قُتل النبي (صلى الله عليه وسلم) ...

فقال لهم .. قوموا فموتوا على ما مات عليه ..

ثم قال .. اللهم إني أعتذرُ إليك مما صنع هؤلاء (يعني المسلمين)
وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء (يعني المشركين لما قتلوا النبي كما أشيع)

فلقيه (سعد بن معاذ) .. فقال له (سعد) .. أين يا أبا عمر ؟!...

فقال (أنس) .. واها لريح الجنة يا سعد.. إني أجدها دون أُحُد..

فتقدم (أنس) وقاتل المشركين قتالا ضاريا حتى قُتل شهيدا ..
وقد طُعن أكثر من 80 طعنة في جسده..فما عرفته إلا أخته من علامة في بنانه...

واستمرت إشاعة مقتل النبي (صلى الله عليه وسلم) في أرض المعركة ..
إلى أن اكتشف الصحابي (كعب بن مالك).. أن النبي حي ولم يُقتل ..

فنادى في المسلمين... يا معشر المسلمين أبشروا.. هذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

فأشار إليه (صلى الله عليه وسلم) كي يصمت .. لئلا يعرف موضعه المشركون..
لكن سمعه 30 من المسلمين .. فأحاطوا بالنبي الذي قادهم في انسحاب منظم باتجاه جبل أحد ..

وهو يقول لهم ... "إلي عباد الله"..

مع ذلك ..
كانت هناك مجموعة من المسلمين .. لم تقعد عن القتال في أرض المعركة..
حينما سمعت اشاعة مقتله (صلى الله عليه وسلم) ..
بل فعلت ما هو أشد من ذلك وأنكر ...
فلقد قررت تلك المجموعة الفرار من أرض المعركة ..
والفرار من الزحف كبيرة من الكبائر ..

فمنهم من فر وهو يصعد إلى الجبل..
ومنهم من فر إلى المدينة المنورة حتى وصل إليها فعلا ..
وكان (صلى الله عليه وسلم) ينادي عليهم ... فيسمعون ولايلبون النداء ...

وقد أنزل الله تعالى فيهم ..

(إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ)

ولقد استطاع النبي (صلى الله عليه وسلم) ..الانسحاب إلى الجبل .. هو ومن معه من المسلمين ..

فرآه المشرك (أبي بن خلف) .. فجاء من بعيد وهو يقول ... لانجوتُ إن نجا ..

قال أحد المسلمين... أ يعطف عليه أحد منا فيقتله ؟!..

فقال (صلى الله عليه وسلم) .. "دعوه "

ولما دنا من النبي (صلى الله عليه وسلم) ..
تناول النبي حربة وضربه ضربة .. خدشته خدشا بسيطا ..
فصرخ المشرك وصُرع على الأرض...
وقام وظل يجري وهو يقول .. قتلني والله محمد ...

فتعجب المشركون منه وقالوا .. ذهب والله فؤادك .. والله إن بك من بأس..

أي مالك تولول فهو خدش بسيط ..

فقال لهم .. إنه قد قال لي بمكة .. أنا أقتلك .. فوالله لو بصق علي لقتلني..!!

وكانت هذه الكلمات تعبر عن اقتناع المشركين جميعا ..
بأن كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) حق... وأن ما بُعث به الصدق..
وأنهم كانوا يكذِّبون من أجل مصالحهم وأهوائهم.

وكما تنبأ النبي (صلى الله عليه وسلم)... وكما أخبر قبل ذلك بالوحي..
فلقد مات (أبي بن خلف) حينما كان جيش المشركين يعود إلى مكة في الطريق ..
بسبب ذلك الخدش البسيط الذي أصابه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..

ثم .. بدأ (صلى الله عليه وسلم) الصعود إلى جبل أُحُد..
وكان النبي قد أصيب بإصابات كثيرة حالت بينه وبين الصعود الشاق ..
فاعترضته صخرة كبيرة لم يستطع تسلقها..
فجاء الصحابي (طلحة بن عبيد الله) رغم الاصابات التي في جسده ..
وجلس ليصعد النبي (صلى الله عليه وسلم) على ظهره..

فقال (صلى الله عليه وسلم)... "أوجب طلحة" ..

أي قد فعل ما يجب أن يفعل..
فكان (طلحة بن عبيد الله) من العشرة المبشرين بالجنة ..

وكان إذا ذكر (يوم أحد) أمام (أبي بكر) يقول .. هذا اليوم كان كله لطلحة...

وبدأ النبي (صلى الله عليه وسلم) يصعد الجبل هو ومن معه..
فرآه (خالد بن الوليد) و (أبو سفيان) .. فقدما ليمنعا المسلمين من الصعود ..

فقال (صلى الله عليه وسلم)... "اللهم إنه لاينبغي لهم أن يعلونا"

وانتدب (صلى الله عليه وسلم) فرقة ممن معه ..على رأسهم (عمر بن الخطاب).. لرد المشركين..
فقاتلوا قتالا شديدا ونجحوا في صدهم ...
واستطاع (صلى الله عليه وسلم) أن يصعد بمن معه في داخل الجبل .. ويختفون..

أما المشركون ..
فلقد التفتوا إلى جثث المسلمين الملقاة على أرض أُحُد.. وكانوا 70 شهيدا ..
ومثَّلوا بجثثهم ...
وبدأت النساء في تقطيع آذان المسلمين وأنوفهم..
وصنعوا منها خلاخيل وقلائد ليلبسوها...!
وذهبت (هند بنت عتبة) زوجة أبي سفيان ... إلى (حمزة) عم النبي (صلى الله عليه وسلم)..
وشقت بطنه وأخرجت قطعة من كبده... وحاولت أن تأكلها ولم تستطع فلفظتها من فمها..
وهذه الفعلة تعبر عن مدى الغل والحقد الذي كان في قلوب المشركين..
فقد كانت (هند) في غير وعيها .. إذ قتل لها 4 من أقاربها ..
أبوها عتبة .. وعمها شيبة .. وأخوها الوليد .. وابنها حنظلة ..
وكان (حمزة) هو قاتل الوليد وشيبة ..

وبعد صعوده (صلى الله عليه وسلم)...بقيت الدماء تنسال من راسه ..
وحاول الصحابة أن يمنعوا سيلانها ... وصبوا الماء على رأسه الشريف ..
فكان لايزيدها إلا نزيفا ..
وكانت (فاطمة) بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) معهم ..
فأتت بحصير وأحرقتها ...ودفعتها في رأس النبي (صلى الله عليه وسلم) ..حتى توقف النزيف.

ولقد كان المسلمون يقاتلون من الصباح إلى الظهيرة..فجاء وقت صلاة الظهر..
فجُمع المسلمون للصلاة ..
ولم يستطع (صلى الله عليه وسلم) أن يقف من شدة الإصابات..
فصلى قاعدا ...وصلى المسلمون قعودا بقعوده (صلى الله عليه وسلم) ..

وإلى هذه المرحلة ...
كان المشركون يعتقدون أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد قُتل..

أما المسلمين .. فكانوا مشردين ..
بعضهم مع النبي (صلى الله عليه وسلم) ..
وبعضهم فر إلى الجبل من المعركة ..
وبعضهم فر ووصل إلى المدينة ..
وشهدائهم ما زالوا في أرض القتال ...

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 5 من اصل 18انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6 ... 11 ... 18  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عباد الرحمن الإسلامي الاجتماعي :: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ :: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ-
انتقل الى: