منتدى عباد الرحمن الإسلامي الاجتماعي

لتوعية المسلمين بشؤون دينهم ودنياهم ونبذ التحزب والتمذهب والطائفية ولإنشاء مجتمع متوحد على ملة أبينا إبراهيم وسنة سيدنا محمد (عليهم الصلاة والسلام)
 
الرئيسيةاليوميةالتسجيلدخول
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا * فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا * أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
الموسوعة الحديثية http://www.dorar.net/enc/hadith
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ http://tanzil.net
إِنَّ هُدَى اللَّـهِ هُوَ الْهُدَىٰ
قال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع (الا أخبركم بالمؤمن: من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده ، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)
شاطر | 
 

 الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3 ... 9 ... 18  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    27.12.13 23:35

بسم الله الرحمن الرحيم




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته




لكثرة .. ما فينا .. من اختلافات ..




ولكثرة .. ما حولنا .. من اجتهادات ..




ولكثرة .. ما زوى إلينا .. من علوم .. ومآثر .. وارتباطات ..




ولكثرة .. القيل .. والقال .. والأحوال .. والسؤال ..




ولكثرة الأحزاب والملل .. والفروقات .. والنحل ..




ولكثرة النظر .. بلا بصر ..




ولكثرة الهجرة والسفر .. بلا تدبر أو عِبر ..




ولكثرة ألواننا .. دون وحدة قلوبنا ..




ولكثرة تفرق الشيوخ .. والحكام .. والعلماء .. والإعلام ..




هداني الله .. لأحكي لكم قصة ..




للأسف .. البعض ممن هم في أعمار الأربعينات .. والثلاثينات ..




لايعرفون منها ... إلا فلم الرسالة .. !




والباقي .. لايعرفون منها .. إلا حوار حِراء .. ونصر بدر ..!




سأحكي لكم قصته .. بطريقة مغايرة .. سيعينني عليها الرحمن إن شاء ...




قصة الحبيب .. الأول .. والأخير ..




وقد ينبري سؤال ..




لماذا تقص علينا قصته ؟!




لأننا .. ولله الأمر .. أصبحنا يا أحباب .. نفكر تفكير النجوم .. ونسينا تفكير القمر ..




تمسكنا بهداية النجوم .. ونسينا هداية القمر ..




نسينا أنه في داخل هذا القمر .. هناك رجل مختلف .. عن باقي البشر ..




لكن ..




هل هذا كل شيء .. ؟




لا ..




سنضع خلاصة .. بعد كل حدث ..




نستنبط منها .. ونتناقش سوية .. بكل ودٍ واحترامٍ وأدب ..




لماذا فعل هذا الرجل الحبيب .. ذلك ؟




كي نتعلم .. بكل بساطة .. ودون مراجع .. لماذا علينا أن نفعل ذلك ...




لأننا إن لم نفعل .. مثل فِعله .. فلا خير في الحياة إن تركنا فِعله ...




أتمنى منكم .. جميعا دون استثناء .. مرافقته ..




عسى أن يرحمنا الله جميعا ... برحمته ..




اللهم آمـــين ....







(موضوع قديم هداني الله إليه بفضله)


عدل سابقا من قبل يوسف عمر في 28.12.13 0:14 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    27.12.13 23:36

كان يا ما كان ..




في سالف العصر والأوان ..




جَد ّ .. طيب .. كريم .. عفيف .. شهم .. ذو مروءة ..




سنبتدأ به الحكاية ..




فما وراء هذا الجَدّ .. لا يهمنا من العِبر ..




قدر ما بيننا وبينه من الفعل والأثر ..




هذا الجد الطيب ..




اسمه .. عبد المطلب ..




كان مسؤولا .. عن السقاية والرفادة .. في مكة المكرمة ..




وأقامها للناس ..




ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم ..




فشرف في قومه شرفا ...لم يبلغه أحد من آبائه..




فأحبه قومه ..وعظم أمره فيهم..




وفي يوم من الأيام ..




كان الجد الطيب .. عبد المطلب .. نائم في الحجر ..




فرآى رؤيا .. فيها رجل ..




قال له (احفر طيبة)




قال (وما طيبة ؟)




ثم اختفى الرجل .. وانتهى المنام ..




فلما كان الغد .. رجع عبد المطلب إلى مضجعه.. فنام فيه ..




فرآى رؤيا .. فيها رجل ..




فقال له (احفر برة)




قال (وما برة ؟)




ثم اختفى الرجل .. وانتهى المنام ..




فلما كان الغد .. رجع عبد المطلب إلى مضجعه.. فنام فيه




فرأى رؤيا .. فيها رجل ..




فقال له (احفر المضنونة)




فقال (وما المضنونة ؟)




ثم اختفى الرجل .. وانتهى المنام ..




فلما كان الغد .. رجع عبد المطلب إلى مضجعه . ونام فيه ..




فرأى رؤيا فيها رجل ..




قال له (احفر زمزم)




قال (وما زمزم ؟)




قال ( لا تنزف أبدا ولا تذم ، تسقي الحجيج الأعظم ، وهي بين الفرث والدم
عند نقرة الغراب الأعصم ، عند قرية النمل)




صلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    27.12.13 23:40

فلما عرف عبد المطلب .. من شأن تلك البئر ..




ودُل على موضعها ..




وعرف أنها صدق ..




أخذ معوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب ..




ولم يكن لديه .. غير ولده الحارث ..




وبدأ الحفر ..








فلما بدا لعبد المطلب الطي ... كبّر ..!




فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته ...




فقاموا إليه فقالوا ..




يا عبد المطلب ... إنها بئر أبينا إسماعيل ..
وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها ..




فقال (ما أنا بفاعل .. إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم .. وأعطيته من بينكم)




قالوا له ..




فأنصفنا ... فإنّا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها ..




قال ( فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه)




قالوا .. كاهنة بني سعد هذيم




قال : نعم ..




وكانت الكاهنة .. بأشراف الشام ...








فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه ... من بني عبد مناف ...




وركب من كل قبيلة من قريش... نفر




والأرض إذ ذاك مفاوز ...




فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام ..




نفذ ماء عبد المطلب وأصحابه ...




فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة ..




فاستسقوا من معهم من قبائل قريش .. فمنعوا عنهم الماء ..




وقالوا لهم.. إنا بمفازة ، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم ..




فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم ..وما يتخوف على نفسه وأصحابه...




قال : ماذا ترون ؟




قالوا : ما رأينا إلا تبع لرأيك ، فمرنا بما شئت




قال : فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة

فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه

حتى يكون آخركم رجلا واحدا

فضيعة رجل واحد ... أيسر من ضيعة ركب جميعا




قالوا : نعم ما أمرت به ...




فقام كل واحد منهم فحفر حفرته ..




ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا ..




وفجأة ..




قال عبد المطلب لأصحابه ..




والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت ..

لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا .. لعجزٌ ..

فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ..




وطلب منهم الارتحال .. ففعلوا ..




حتى إذا فرغوا ومن معهم من قبائل قريش ..




ينظرون إليهم ما هم فاعلون..




تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها ..




فلما تحركت به ..




انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب ..








فكبّر عبد المطلب ..!!




وكبّر أصحابه ...




ثم نزل فشرب وشرب أصحابه .. واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم ..








ثم دعا القبائل من قريش ..




فقال : هلم إلى الماء ، فقد سقانا الله ، فاشربوا واستقوا ..




فجاءوا فشربوا واستقوا ..




ثم قالوا :




قد والله قضي لك علينا يا عبد المطلب .. والله لا نخاصمك في زمزم أبدا
إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة .. لهو الذي سقاك زمزم
فارجع إلى سقايتك راشدا ...




فرجع ...




ورجعوا معه ..




ولم يصلوا إلى الكاهنة ..




وخلوا بين عبد المطلب .. وبين زمزم ..




وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    27.12.13 23:41

بعد ذلك ..




اشتهرت زمزم على الآبار التي كانت قبلها يسقي عليها الحاج ...




وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام ..




ولفضلها على ما سواها من المياه ...




ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ...








وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها ...وعلى سائر العرب




فقالوا فيها أشعارا ..




كان منها ..




وساقي الحجيج ثم للخير هاشم - وعبد مناف ذلك السيد الفهري
طوى زمزم عند المقام فأصبحت - سقايته فخرا على كل ذي فخر




وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    27.12.13 23:42

كان عبد المطلب بن هاشم... فيما يزعمون والله أعلم ..

قد نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم ..

وقال..

لئن ولد له عشرة نفر .. ثم بلغوا معه الرشد ..
لينحرن أحدهم لله عند الكعبة ..


فلما أضحى عنده عشرة أولاد ..

أخبرهم بنذره ..

ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك ..

فأطاعوه ..

قالوا : كيف نصنع ؟

قال : ليأخذ كل رجل منكم قدحا.. ثم يكتب فيه اسمه .. ثم ائتوني ..

ففعلوا ثم أتوه ..

فدخل بهم على الصنم (هبل) في جوف الكعبة ..

وكان عند هبل قداح سبعة..



كل قدح منها فيه .. كتاب .. أو ورقة ..

وكانت قريش إذا اختلفت في العقل من يحمله منهم ..

ضربوا بالقداح السبعة ..

فإن خرج العقل ... فعلى من خرج حمله ..

وكانوا يضعون قدحا لكل شيء ..

واحد للقبائل ..

وآخر للمياه ..

وآخر للخيار نعم .. أو .. لا ..

وإذا أرادوا أن يختنوا غلاما .. أو ينكحوا منكحا ... أو يدفنوا ميتا

أو شكلوا في نسب أحدهم ..

ذهبوا به إلى هبل ... ومعهم 100 درهم وجزور ..

فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها ..

ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ..

ثم قالوا : يا إلهنا ... هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا .. فأخرج الحق فيه

وهكذا ..

حتى ينتهون في أمورهم ... إلى ذلك مما خرجت به القداح .
نعود إلى قصتنا ..

قال عبد المطلب لصاحب القداح : اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه ..

فأعطاه كل رجل منهم ... قدحه الذي فيه اسمه ..

وكان عبد الله بن عبد المطلب (أبو النبي الكريم ) أصغر الأولاد ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    27.12.13 23:46

كان لعبد المطلب .. كما قلنا .. عشرة أولاد ..



الحارث .. الزبير .. حجل .. ضرار .. المقوم ..
أبو لهب .. العباس .. حمزة .. أبو طالب .. عبد الله


وكان عبد الله .. أحب الأبناء إلى أبيه ..

اجتمعوا عند الكعبة ..

وبدأ صاحب الأقداح .. يضرب فيها ..



فأنشد عبد المطلب يقول ..

اللهم لايخرج عليه القدح - إني أخاف أن يكون قدَح
إن كان صاحبي للذبح - إني أراه اليوم خير قدْح
حتى يكون صاحبي للمنح - يغني عني اليوم كل سرْح


فخرج القدح .. على عبد الله .. !



فأخذ عبد المطلب ولده بيده ..

وأخذ الشفرة ..

ثم أقبل به إلى الصنمين .. أساف ونائلة ..
حيث ينحر القوم ذبائحهم ..

فقامت إليه قريش .. تنادي ..

"ماذا تريد ياعبد المطلب؟"

فقال .. أذبحه .. !

ثم أنشأ يقول ..

عاهدتُ ربي وأنا موف عهده - أيام حفر وبني وحده
والله لا أحمد شيئا حمده - كيف أعاديه وأنا عبده
إني أخاف إن أخّرتُ وعده - أن أضل إن تركتُ عهده
أوجع قلبي عند حفري ردّه - والله ربي لا أعيش بعده

فرقّ قلب قريش له .. فقالوا ..

والله لاتذبحه أبدا .. ونحن أحياء .. حتى نعذر فيه ..
لئن فعلت هذا .. لايزال رجل يأتي بابنه تحتي فيذبحه ..
فما بقاء الناس على ذلك ..!

ثم اقترحت عليه قريش .. أن يذهب إلى عرافة في الحجاز ..
يقال لها .. نجاح .. لها تابع من الجن .. وليسألها ..



فوافق طلبهم ...

وانطلقوا .. حتى قدموا المدينة .. فسمعوا أنها في خيبر ..

فارتحلوا .. حتى وصلوها ..

وقص عليها عبد المطلب شأنه وشأن ابنه .. والنذر القديم ..

فقالت لهم .. ارجعوا عني اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله ..

فخرجوا من عندها ..

وقام عبد المطلب يدعو الله قائلا ..

يارب لاتحقق حذري - واصرف عنه شر هذا القدر ِ
فإني أرجو لما قد أذر ِ - لأن يكون سيدا للبشر ِ


ثم ذهبوا إليها في اليوم التالي .. فسألوها ..

قالت.. نعم .. قد جاءني الخبر .. فكم الفدية فيكم؟

قالوا.. عشرة من الإبل ..

وكانت كذلك..

فقالت ..

ارجعوا إلى بلادكم فقدموا صاحبكم وقدموا عشرا من الإبل
ثم اضربوا عليها بالقداح ..
فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا الإبل
حتى يرضى ربكم
فإذا خرجت القداح على الإبل
فقد رضي ربكم ..
فانحروها عنه ..
ونُجّي صاحبكم ..

فخرجوا حتى قدموا مكة ..

فلما أجمعوا لذلك الأمر ..

قربوا عبد الله .. وعشرا من الإبل ..

ثم ضربوا القدح .. فخرج السهم على عبد الله ..

فزادوا الإبل عشرة .. واصبحت عشرين ..

ثم ضربوا القدح فخرج السهم على عبد الله .. فزادوا عشرة من الإبل..
وظلوا على ذلك الفعل .. حتى بلغ عدد الإبل تسعين ..
والسهم يخرج على عبد الله ..

ثم زادوا عشرة .. وضربوا القدح .. فخرج السهم على الإبل ..

فقالت قريش .. قد رضي ربك وخلّص لك ابنك ..

فذكروا أن عبد المطلب قال .. لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات ..

فضربوا على الإبل وعلى عبد الله .. ثلاث مرات ..

وهي تخرج على الإبل ..

فنجّى الرحمن ... عبد الله ..

وتُركت الإبل في الميدان.. لايُصد عنها أحد ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    27.12.13 23:56

بنو زهرة

كانت هناك 3 قبائل رئيسية ولها شأن في مكة ..

بنو زهرة بن قصي
بنو عبد مناف بن قصي
بنو عبد الدار بن قصي


وكان أكبرهم .. عبد الدار ..

وحينما كبر قصي ورق عظمه ..
عز عليه ألا يبلغ ابنه البكر عبد الدار ..
مابلغه ابنه عبد مناف من شرف ورفعة ..

فقال له ..

"أما والله يا بني لألحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليه
لايدخل رجل منهم الكعبة حتى تفتحها أنت له
ولايعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك
ولايشرب أحد بمكة إلا من سقايتك
ولايأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك
ولايُقطع امر من أمورها إلا في دارك"


فتفرقت قريش بعد ذلك..

منهم من ذهب مع بني عبد مناف .. بسبب مكانتهم
ومنهم من لحق ببني عبد الدار .. بسبب مكانتهم ..

وعقد كل فريق على أمرهم حلفا مؤكدا ..
على أن لايتخاذلوا ولايسلم بعضهم بعضا ..

فأخرجت نساء بني عبد مناف جفنة مملؤة طيبا
فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة ..
ثم غمس القوم أيديهم فيها .. فتعاقدوا وتعاهدوا ..
ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم ..

فسموا بالمطيّبين ...

كما تعاهد بنو عبد الدار وحلفائهم عند الكعبة على مثل ذلك ..
وسموا بالأحلاف ..

وانضم بنو زهرة لبني عبد مناف في ذاك الحلف ..

كما كان بنو زهرة .. مع بني عبد مناف .. إخوة متجاورين لاينفصلون ..
وبيوتهم متجاورة كذلك ..
فحين جزأت قريش الكعبة ..
كان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة ..
وكان ما بين الركن الأسود واليماني لبني مخزوم ومن أنضم إليهم ..
وكان ظهر الكعبة لبني جُمح وسهم ..
وكان شِق الحجر لبني عبد الدار ..

وكان بنو زهرة ممن سبقوا إلى تلبية النداء حين تداعت قريش إلى حلف الفضول ..
قبل المبعث بنحو عشرين سنة ..

وكان أكرم حلف وأشرفه ..

وذلك أن رجلا من زبيد قدم إلى مكة ببضاعة فاشتراها منه العاصي بن وائل
وكان ذا قدر بمكة وشرف .. فحبس عن الزبيدي حقه ..

فاستعدى عليه الأحلاف ..
عبد الدار .. ومخزم .. وجمح .. وسهم .. وعدي بن كعب..
فأبوا أن يعينوه على العاصي وانتهروه ..

فلما رأى الزبيدي الشر ..
أوفى على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس ..
وقريش في أنديتهم حول الكعبة ..

فصاح بأعلى صوته ..



يا آل فهر لمظلوم بضاعته - ببطن مكة نائي الدار والنفر ِ
ومحرم اشعث لم يقض عمرته - يا للرجال وبين الحِجر والحجر ِ
إن الحرام لمن تمّت كرامته - ولاحرام َ لثوب الفاجر الغدُر

فقام على أثر ذلك .. الزبير بن عبد المطلب .. وصاح ..

ما لهذا مَترك .. !

فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم بن مرة .. في دار عبد الله بن جدعان ..
وهو ابن عم السيدة عائشة رضي الله عنها ..

فصنع لهم طعاما ..

وتعاقدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس ..
إلا أقاموا معه .. وكانوا على من ظلمه حتى ترد له مظلمته..


وأنصفوا الزبيدي .. من العاصي ..

فمن هذه الأسرة القريشية الكريمة .. أسرة زهرة ..
التي عرفت من قديم .. بصلة الود لبني عبد مناف ..

من هذه الأسرة ..

كانت آمنة بن وهب بن عبد مناف بن زهرة ..

وأخرج البخاري في صحيحه ، عن أبي هريرة قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا ، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه .

وأخرج البيهقي في " دلائل النبوة " ، عن أنس
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما ، فأخرجت من بين أبوي ، فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية ، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي ، فأنا خيركم نفسا وخيركم أبا .

وأخرج أبو نعيم في " دلائل النبوة " من طرق ، عن ابن عباس قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا
لا تنشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما .


وأخرج مسلم ، والترمذي وصححه ، عن واثلة بن الأسقع قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة
واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم
واصطفاني من بني هاشم .


وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    27.12.13 23:58

فتاة زهرة.. (آمنة)



تفتّح صباها في أعز بيئة وأطيب منبت
فاجتمع لها من أصالة النسب ورفعة الحسب
ما تزهو به في ذاك المجتمع المكي المعتز بكرم الأصول ومجد الأعراق..

كانت (آمنة) زهرة قريش اليانعة .. وبنت سيد بني زهرة نسبا وشرفا ..
وقد ظلت في خدرها محجبة عن العيون .. مصونة من الابتذال ..
حتى ما يكاد الرواة يتبينون ملامحها ..

لكن يعرف المؤرخون .. أنها حينما خطبت لعبد الله ابن عبد المطلب ..
كانت يومئذ أفضل فتاة في قريش نسبا وموضعا .. كما يقول ابن هشام في سيرته ج1\156

كان شذى (آمنة) العطر .. ينبعث من دور بني زهرة ..
فينتشر في أرجاء مكة ويثير أكرم الآمال في نفوس شبانها ..
الذين زهدوا في كثيرات سواها ..

وقد عرفت آمنة في طفولتها وحداثتها ..
ابن العم .. عبد الله بن عب المطلب ..
بين من عرفت من أبناء الأسر القريشية ..

إذ كان البيت الهاشمي أقرب هذه الأسر جميعا إلى آل زهرة..
جمعتهما أواصر ود قديم لم تنفصم عراه ..
منذ عهد الشقيقين .. قصي وزهرة .. ولدي كلاب بن مرة ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    27.12.13 23:59

فتى هاشم ... (عبد الله)



لم يكن (عبد الله) بين الذين تقدموا لخطبة (زهرة قريش)
مع انه الجدير بأن يحظى بيدها دونهم جميعا ..
فما كان فيهم من يدانيه شرفا ورفعة وفتوة ..

فهو ابن عبد المطلب بن هاشم
وفيه العمود والشرف
ولم يبق لهاشم عقب إلا منه..

ولم يكن غريبا ألا يبادر (عبد الله) إلى خطبة (آمنة)
مع المعروف من نذر أبيه .. لينحرنّ أحد بنيه عند الكعبة ..

ويقول (بودلي) في كتابه الرسول ...

"كان عبد الله قد اشتهر بالوسامة
فكان أجمل الشباب وأكثرهم سحرا وذيوع صيت في مكة
ويقال أنه لما خطب آمنة بنت وهب
تحطمت قلوب كثيرات من سيدات مكة"


وبعد أن نجّى الرحمن .. عبد الله من الذبح ..

توافدت الأخبار في مكة .. بفداء الشاب الكريم من الموت..

فسمعت (آمنة) ضجة عالية تقترب من بيت سيد زهرة ..

إذن.. فقد نجا فتى هاشم ..!

ما أوسع رحمتك يا رب .. !

وهمت (آمنة) بأن تسعى للباب ..

تسأل أبيها القادم .. كيف كانت النجاة ...

لكنها فوجئت .. بأبيها نفسه .. يقف بباب الدار ..

مُرحّبا بالوافدين الكرام ..!!

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    28.12.13 0:02

العرس



فيم كان مقدم الضيوف يا ترى ؟!!

لم يطل بآمنة الوقت .. لتعرف الخبر السعيد ..
فلقد أقبلت عليها أمها (برة) بعد قليل ..
متهللة الوجه .. مشرقة الأسارير ..
لتحدثها عن (عبد الله) .. كيف افتدي من النحر ...

وبينما كانت الأم الكريمة .. تقص على ابنتها تلك الأخبار ...
راحت تراقب أسارير ابنتها (آمنة) في لهفة ..

لكن الفتاة ...
أفلحت في أن تخفي رغبتها .. في معرفة بقية الحديث ..
وراء قناع من المداراة ..
بعد أن دلها قلبها .. على أن أمها ما جاءت تقص عليها قصة الفداء ..
إلا تمهيدا لشأن آخر ..

وفجأة ..

يأتي الأب .. (وهب) ..

ليقول لابنته في رقة وحنو ..

"إن شيخ بني هاشم قد جاء يطلبك ِ زوجة لفتاه عبد الله"

ثم عاد لضيوفه ..

!!!!

تاركا (آمنة) في شبه ذهول ..
مالبثت أن أفاقت منه على صوت قلبها .. يخفق عاليا ..
حتى ليكاد يبلغ مسمع أمها الجالسة إلى جوارها ..

أ حقا آثرتها السماء بفتى هاشم زوجا ؟!

ثم توافدن سيدات بني زهرة .. الواحدة تلو الأخرى ..
مهنئات مباركات ..

وأحطن بالعروس .. يتحدثن عما ترامى إليهن من تعرض نساءٍ من قريش .. لعبد الله..
ووقوفهن في طريقه بين الحرم .. وبين دار (وهب)..
يعرضن أنفسهن عليه عرضا صريحا ..

وسمعت (آمنة) من حديثهن ذلك عجبا .. !

سمعت أن بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية
استوقفت (عبد الله) قريبا من الكعبة ..

فقالت له .. أين تذهب يا عبد الله ؟!

قال في إيجاز ... مع أبي ..

قالت.. لك مثل الإبل التي نُحرت عنك اليوم ..
إن قبلتَ أن أهب لك نفسي الساعة !

فرد عليها معتذرا في تلطف .. أنا مع أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه.. !

وقيل إن (فاطمة بنت مرة) ... وكانت من أجمل النساء وأعفهن
كما ذكر الطبري وابن الأثير .. كاهنة من خثعم ..
دعته إلى نكاحها فنظر إليها وقال ..

أما الحرام فالممات دونه
والحِلُّ .. لا حل فاستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه


وقيل .. أن ليلى العدوية عرضت نفسها عليه يومئذ..
فلم يستجب لها ..

ولانكاد نشك في أن (آمنة) سمعت كثيرا .. وهي على وشك الزفاف ..
عن تطلع غيرها من القرشيات إلى فتاها المرموق ..
وأنها تلقت التهنئة الحارة بزواجها من الشاب الهاشمي
الذي ملأ الاسماع بقصة فداءه ..
كما ملأ الأعين بسحر فتوته ونضارة حيويته ..

فأطالت التفكير في فتاها الذي لم يكد يُفتدى من الذبح
حتى هرع إليها خاطبا ..
زاهدا في كل أنثى سواها ..
غير ملقٍ أذنية إلى ما سمع من دواعي الإغراء .. !

فبدأت تتأمل ..

هل فكر فيها عبد الله ؟!

هل عانى وهو صامت ينتظر ؟!

ولقد كانت قصة الفداء .. أمرا يهز قلوب أهل مكة ..
تعلقا بالشاب الذي مسّت الشفرة منحره وهو صابر مستسلم لأمر الله ..
راضٍ بقدره ..
حتى إذا لم يبق بينه وبين الموت إلا قيد شعرة ..
أنقذه الله بأغلى فدية عرفها العرب .. !



ولقد أضيئت المشاعل في شتى أرجاء البلد الحرام الآمن ..
وحفلت دار الندوة بوجوه قريش وساداتها ..
وسهرت مسامر البلدة المقدسة .. تسترجع قصة الذبيح الأول .. إسماعيل عليه السلام..
حين مضى به أبوه إبراهيم .. عليه السلام .. لكي يذبحه طاعة وتعبدا ..
فافتداه الله بكبش .. بعد أن كان من الموت قاب قوسين أو أدنى ..

لكن المفتدى هذه المرة .. هو حفيد أصيل من ذرية إسماعيل ..
التي انتشرت في الأرض وتوارثت مجد الجدود ...

واستغرقت الأفراح ثلاثة أيام بلياليها ..
كان (عبد الله) اثناءها يقيم مع عروسه في دار أبيها على عادة القوم ..

حتى إذا أشرق اليوم الرابع ..
سبقها إلى داره ليهيئها لاستقبال الوافدة العزيزة ..

وتم زف العروس ...

ولم يكن البيت كبيرا ضخم البناء ..
لكنه إذا قيس ببيوت مكة يومئذ ..
عُدّ رحبا مريحا لعروسين يبدآن حياتهما المشتركة ..

إذ كان كما وصفوه .. ذو درج حجري ..
يوصل إلى باب يفتح من الشمال ..
ويدخل منه إلى فناء يبلغ طوله نحو 12 مترا في عرض 6 أمتار ..
وفي جداره الأيمن باب .. يدخل منه إلى قبة ..
وفي وسطها مقصورة من الخشب .. أعدت لتكون مخدع للعروس ..

وترك (عبد الله) عروسه في مخدعها مع رفيقاتها .. من سيدات آل زهرة
ثم خرج إلى رحبة الدار الواسعة .. حيث الضيوف الكرام ..
الذين صحبوا العروس إلى بيتها ..

ومضى القوم .. يباركون العتبة الجديدة التي انتقلت إليها ..
زهرة قريش ..

ويدعون للزوجين الكريمين ..

أعز من عرفت الحجاز .. حسبا ..

وأعرقهم نسبا ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    28.12.13 0:08

البشرى



عاد الضيوف إلى منازلهم ..

وهجع الكون .. وسكنت الدنيا ..

وكان (عبد الله) يحدث (آمنة) .. عما رأى في رحلته إلى كاهنة الحجاز..

ثم سألته (آمنة) .. هلا حدثتني ياعبد الله عن أولئك النسوة ..
اللاتي شغلنك في أيامك هذه ؟

فقال .. ما شغلني عنك قط يا آمنة .. ولكنه الذي سمعت ِ من تعرضهن لي ..
وانصرافي عنهن إليك وحدك ِ .. على أن للقصة بقية لمّا تسمعي بها ..
حدثت في يومنا هذا .. إذ كنت ُ عائدا من بيت أبيكِ لكي أهيء داري لاستقبالكِ ..
وشغلتُ بهذا يومي كله .. فلم أكد أحدث أحدا بما كان .. !

فسألته .. أ خاطبات جديدات ؟!

قال.. كلا يا آمنة .. بل زاهدات منصرفات عنه ..
كأنه لم يكن هو نفسه الذي تعلقن به منذ أيام .. !

فأومأت له أن يمضي بقصته .

فقال ..

أجل يا ابنة وهب ..
زاهدات في فتاك ِ كأنه أبدل خلقا جديدا ..
مررتُ بهن اليوم في طريقي بين دار أبيك ودارنا هذه ..
فأشحن عني بوجوههن معرضات .. !
إلى حد ٍ أثار عجبي وفضولي لمعرفة سر هذا الإنقلاب..!

فسألت ُ إحداهن .. وهي بنت نوفل ..

مالك ِ لاتعرضين علي اليوم .. ما كنت ِ تعرضين علي بالأمس ؟!

قالت .. فارقك َ النور ُ الذي كان معك بالأمس .. فليس لي بك اليوم حاجة !!!

واكمل عبد الله القصة ...

وكذلك أعرضتْ عني (فاطمة بنت مر) .. فقالت ..

"قد كان ذلك مرة .. فاليوم لا ..
وإني والله ما أنا بصاحبة ريبة .. ولكني رأيت ُ في وجهك نورا
فأردتُ أن يكون لي .. فأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد ..
فما صنعتَ بعدي ؟"


فقلت لها .. زوجني أبي آمنة بنت وهب ..

فانشدت ..

لله ما زُهرية ٌ سلبتْ - منكَ الذي استلبتَ وما تدري !

ثم قالت في تحسر ..

ولما قضت منه أمينة ما قضت - نبا بصري عنه وكلَّ لساني

واكمل عبد الله ..

وسألت ُ ليلى العدوية .. ما صدك ِ عني ؟

فأجابت ..

"مررتَ بي وبين العين3 عندك... غرة بيضاء ..
فدعوتك فأبيتَ علي
ودخلت على آمنة فذهبتْ بها"


وراح العروسان .. يفكران في ذلك الموقف الغريب
الذي وقفته نسوة قريش .. من (عبد الله) ..!

لكن .. استدركت (آمنة) أمرا .. فسألته .. هلا أعدت علي ما قالته بنت نوفل ؟!

فقال .. ولماذا تسألين عن بنت نوفل دون سواها؟

قالت .. ستعرف بعد .. فهلا أعدت لي ما قالت؟

قال .. سألتها مالك ِ لاتعرضين علي اليوم ما كنت ِ عرضتِ علي بالأمس؟
فأجابت .. فارقك النور الذي كان معك .. فليس لي بك اليوم حاجة ..

فسكتت (آمنة) لتفكر .. ثم قالت ..

والله يا ابن العم .. إني لأرى لهذا الأمر ما بعده
فهذه المرأة أخت (ورقة بن نوفل)
وهو كما تعلم وأعلم .. قد تنصّر وأتبع الكتب
وبشّر بأن سيكون في هذه الأمة .. نبي !


ثم استطردت .. تقول بعد صمت قصير ..

تراني نسيت أن فاطمة بنت مر ..
قرأت الكتب كذلك وهي بعد كاهنة خثعم ..


وسكت العروسان .. وهما يفكران بما يمكن أن يحدث ..
ثم ناما .. واستيقظت (آمنة) عند الصباح ..
تحدث فتاها برؤيا عجيبة ..



إذ رأت كأن شعاعا من النور ينبثق من كيانها اللطيف
فيضيء الدنيا من حولها ..
حتى لكأنها ترى به قصور بصرى من أرض الشام ..

وسمعت هاتفا يهتف بها ...

إنك ِ قد حَمِلتِ بسيّد هذه الأمة

ولقد بقي (عبد الله) مع عروسه أياما .. لم يحدد لنا التاريخ عددها ..
ولكنها عند جمهرة المؤرخين لم تتجاوز عشرة أيام ..
إذ كان عليه أن يلحق القافلة التجارية المسافرة إلى الشام .. مع قريش ...

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    28.12.13 0:18



حانت ساعة الفِراق ...

فودع (عبد الله) زوجته الحبيبه ....حين أذن المؤذن برحيل القافلة ..
فتشبثت به (آمنة) .. وقد ساورها هاجس .. من قلق وتوجس ..

فيربت الزوج الحنو على يدها .. ويقول ..

لاتحزني .. إن هي بضعة أسابيع .. ثم اعود إليك ِ

قالت في يأس ... لكن ليالي سفرك طويلة ياعبد الله ...

فقال ..

يا آمنة .. أ فنسيت ِ حديث بنت نوفل .. وفاطمة بنت مر .. ورؤيا الأمس القريب ..
اشغلي نفسكٍ بالرؤى المؤنسة ... وبتلك المبشرات .. حتى أعود ..


وإذ بلغ (عبد الله) الباب ..
انفلت مسرعا قبل أن تخونه شجاعته وتغلبه عواطفه



على حين بقيت (آمنة) واقفة بباب مخدعها الموحش..
وقد وضعت يداها على قلبها .. تترقب عودته .. حتى من قبل ذهابه ..

وأدركتها بعد ساعة .. جاريتها (بركة أم أيمن)
فقادتها برفق إلى فراشها ..
ثم جلست إلى جانبها ترعاها .. مشفقة عليها مما تلاقي ..

ومرت أيام وليال ..



و (آمنة) في فراشها لا تبرحه ..
تجتر أشجانها وترسل قلبها في أثر الحبيب الراحل ..

وقد حاول أهلها .. كما حاول (عبد المطلب) .. أن يصرفوها عن وحدتها ..
حرصا على صحتها ..
لكنها آثرت العزلة على الأنس بالأهل والصواحب ..
بل لعلها كرهت أن يفسد أحد عليها هذه العزلة ..
لما كانت تجده في مسامرة طيف الغائب .. من شجن ٍ وشجوّ ..

ومضى شهر ... لا جديد فيه ..

سوى أن (آمنة) شعرت بالبادرة الأولى للحمل ..
وكان شعورها به رقيقا لطيفا ... ليس كباقي النساء ..

فقد روى الحافظ ابن سيد الناس من طريق الواقدي بسنده
إلى وهب بن زمعة عن عمته .. قالت ..

كنا نسمع أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما حملت به أمه ..
كانت تقول ..

"ما شعرتُ بأني حامل به
ولا وجدتُ له ثقلةً كما تجد النساء
إلا أني أنكرت رفع حيضتي على أنها كانت ربما ترفعني وتعود
فأتاني آت وأنا بين النوم واليقظة ..
فقال .. هل شعرت ِ أنكِ حملتِ ؟
فكأني أقول .. ما أدري ..
فقال: إنك حملت ِ بسيد هذه الأمة ونبيها ..
وذلك يوم الاثنين .. فكان ذلك مما يقّن عندي الحمل "


وعن الزهري .. قال ..
قالت آمنة ..

"لقد علقت ُ به فما وجدت مشقة حتى وضعتُه"

وكانت (آمنة) تود لو طارت بالبشرى إلى (عبد الله) ..
واستعادت شيئا من إشراقها ..

وقد هون عليها مرارة الفراق .. أن أكثر أيامه قد تصرمت
وأن كل يوم يدنيها من اللقاء المنتظر
ويزيدها يقينا من الحادث السعيد .. الذي ترجو أن تلقى به زوجها ..
في اللحظة التي يؤوب فيها .. !

وجاء الشهر الثاني ....!

ثم مضت قطعة منه ..

وآن للقافلة أن تعود ..

فتهيأت الحبيبة الغالية .. للقاء الوشيك ..

وراحت تعد ما بقي من أيام وليال ..

وتتمثل زوجها وقد عاد إليها متلهفا .. يحدثها عن رحلته ..

فهل تراها تستطيع أن تصبر ... فلا تفاجئه ببشرى الحمل ؟!

أم هل تراها قادرة على أن تكتم عنه .. ماتراه من رؤى وبشريات ؟!

بهذا شغلت (آمنة) نفسها .. في الفترة التي سبقت عودة القافلة ..

ثم لما لاحت طلائعها ..
خفق قلبها ووقفت في ساحة الدار ..
تنتظر أن يفتح بين آونة وأخرى ..
وتشرق منه طلعة الحبيب ..

وطال الانتظار ..

حتى ساورتها شكوك مبهمة وخوف طاريء
فتنبهت فجأة إلى غيبة جاريتها (بركة)
وكانت قد ذهبت منذ شاع خبر قدوم المسافرين ..
كي تعجل بالبشرى .. إلى سيدتها ..

ثم سمعت (آمنة) .. ضجيج لقاء جيرانها .. بمسافريهم في الرحلة ..



فأين عبد الله ؟

ما الذي أخّره ؟!

هل هو في الكعبة يطوف ؟!

أو لعل أباه الشيخ آت في صحبته .. فانتظر أبيه على مهل ؟!

أو لعلّ ... ولعلّ ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    28.12.13 0:20

رسول إلى يثرب




سمعت (آمنة) خطوات .. تدنو من الدار ..
فتعلقت عيناها بالباب وهي لاتكاد تتماسك من انفعال ..
حتى إذا فتح الباب بعد لحظة ... طالت كانها دهر ..
خذلتها قدماها ..
فوقفت حيث هي .. واجمة خائفة ...!

لم يكن (عبد الله) هو القادم ..

وإنما جاء (عبد المطلب) الشيخ .. في صحبة أبيها ..
ونفر من أهلها المقربون ..
وقد غشيت وجوههم غاشية من القلق ..

وكانت "بركة أم أيمن" تمشي في أثرهم متخاذلة مُطرقة ..
تحاول أن تخفي دمعة ً .. أفلتت من مقلتيها ..

قال (وهب) .. والد (آمنة) .. متحاشيا النظر إلى وجه ابنته ..

"بعضَ الشجاعة يا آمنة ... فما في الأمر ما يدعو إلى مثل ذلك الجزع ..
لقد عادت القافلة وكنا في انتظارها بالحرم .. فلما افتقدنا (عبد الله)..
أخبرنا رفاقه أن وعكة طارئة ألمّت به وهو في طريقه إلينا ..
وعما قريب يبرأ ويعود سالما إليك ِ .. وإلى مكة وقريش .. "


وانحلت عقدة .. ربطت لسان (عبد المطلب) .. فعقّب قائلا ..

"هو ذاك يا آمنة .. وعكة بسيطة ولا شيء أكثر ..
وقد قال الرفاق .. خلّفناه بيثرب عند أخواله ..
فبعثتُ إليه أخاه الحارث .. كي يكون معه .. ويصحبه في طريقه إلينا ..
فثوبي إلى صبرك ِ .. وأدعي له ... "


قالت في ضعف ... أفعل يا عم ..!

وانصرفت من فورها إلى الابتهال والدعاء
فلم تكد تشعر بالقوم حولها
حتى غادروا إلى الكعبة خاشعين ضارعين ...

وأتم الشهر الثاني دورته ..
و (آمنة) على حالها تجاهد ما استطاعت أن تذود عن قلبها اليأس ..
وتلوذ بالدعاء ..
لعل الله يرد عليها ذاك الغائب الذي أفتُدي بالأمس .. أغلى فداء ...!



وكانت تعاودها .. في لحظات نومها القصيرة .. رؤيا مُلحّة ..
عن جنين ٍ عظيم تحمله ..
وتسمع الهاتف يبشرها بأمجد بنوّة ..
فإذا عادت إلى يقظتها .. شق عليها ألا تجد (عبد الله) بجانبها
تُفضي إليه بالذي ترى وتسمع ُ ...

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
أبو العز



عدد المساهمات : 17
تاريخ التسجيل : 22/12/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    28.12.13 2:03

ما شاء الله طرحك أكثر من رائع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    28.12.13 2:42

بارك الله في مروركم أخي الكريم (ابو العز)
هذا الموضوع من أحب المواضيع إلى قلبي
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله

سيقوم الأخ الكريم (الشمالي) بإعانتي في نقله بسبب انشغالي
فجزاه الله كل خير ورفعة اللهم آمين

السلام عليكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3102
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    28.12.13 4:34

كم اشتاق للرسول صلى الله عليه وسلم كلما تخيلته وانا أقرأ عن سيرته

سبحان من القى محبته في القلوب


جزاك الله خيرا على الموضوع الجميل


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3102
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    28.12.13 9:11

الغائب الذي لم يأت



بعد فترة ..

عاد (الحارث بن عبد المطلب) ... وحده !!!

عاد .. لينعى أخاه الشاب .. عبد الله .. إلى أبيه الشيخ ..
وزوجه العروس ..
وبني هاشم والقرشيين جميعا ....!!

لقد اختطف الموت (عبد الله) وهو بين أخواله بين بني النجار ..
أثر رحيل القافلة التي تخلف عنها ..

ودُفن هناك .. على أرجح الأقوال ..
ولم يُقبل فيه هذه المرة .. أي فداء ...!!!

ووجمت (آمنة) للخبر.. وقست عيناها فما تسعفانها ببكاء ..
وأعفاها ذهولها من الانهيار والتصدع ..
فلبثت أياما لاتكاد تصدق النعي ..
حتى إذا تيقنت من الكارثة .. فاضت عبراتها ..

وحزن عليه (عبد المطلب) وإخوته وأخواته .. حزنا شديدا ..

ولبست مكة كلها .. ثوب الحداد على فتاها الذي غالته المنون ..

رحل (عبد الله) .. بعمر .. ثمانية عشر عاما فقط .. !

وترملت العروس الشابة .. وما يزال في يديها .. خضاب العرس .. !



وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3102
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    28.12.13 9:23

الخوف



انفضّ المأتم ..

لكن القوم لم يفرغوا .. من صاحبه الثاوي في لحده ..
بعيدا عن يثرب ..

كانوا في حيرة من أمره ..

ما دام الله قد كتب عليه الموت هكذا سريعا ..
ففيم كان الفداء .. ؟!!

ومن كان يظن .. حين نُحرت له الإبل المائة بالحرم ..
وتُركت لايُصد عنها إنسان ولا سبع ..
أن المنايا واقفة بالمرصاد للذبيح المفتدى .. على قيد خطوات معدودات ..؟!!!

وفي مثل هذا ..

كانت تفكر الغالية (آمنة) ..
وهي في وحدتها تجتر أحزانها ..
وتكابد الذي تجد من لوعة المَصاب .. حتى خيف عليها ..

فتتابع أهلها يحاولون أن يعزوها ..
وهي تأبى أن تقبل .. في (عبد الله) .. عزاء .. !

وناشدوها الصبر الجميل ..
فأنكرت على نفسها الصبر ..
ووجدت فيه غدرا .. بالحبيب الذي رحل ..

وأوجس (آل هاشم وزهرة) في نفوسهم خيفة ..
أن تشتد وطأة الحزن على (آمنة) فتذهب بها ..

ولبثت (مكة) شهرا .. وبعض شهر ..
وهي ترقب في قلق .. إلى أين تنتهي الأحزان بالأرملة العروس ...

حتى كانت ليلة من ليال شوال ..
أحاط فيها العوّاد بفراش (آمنة) .. وهي في غمرة أحزانها ..
لاتفتأ تسائل كل وافد ووافدة من أهلها ..

فيم كان فداءه إذن .. مادام الله قد كتب عليه الموت العاجل ؟!

وفيم كان العرس الحافل .. ويد القدر تحفر له لحده في يثرب ؟!

على أنها ... ما لبثت أن أُلهمت في نجواها ..

"كأني عرفتُ سر الذي كان ..
إن عبد الله لم يُفتد من الذبح عبثا .. !
لقد أمهله الله ريثما يودعني هذا الجنين ..
الذي أحسست به اللحظة يتقلب في أحشائي ..
والذي من أجله يجب أن يعيش.."


ومن تلك اللحظة الحاسمة .. أنزل الله سكينته على (آمنة) ..
فطوت أحزانها في أعماقها ..
وبدأت تفكر في ابنها الذي يحيا بها .. ويحييها ..

وبعد أن انقضت أشهر الحمل .. وحانت وقت الولادة ..
تسامعت بيوتات مكة بالنبأ السعيد ..
فتوافدت عقائل قريش على دار عبد الله .. يهنئن آمنة ..
ويصغين إلى ما كان من بشريات المولد المبارك ..

وكانت بلاد العرب آنذاك .. تموج بأقوال مرهصة بنبيّ منتظر .
قد تقارب زمانه ...
يتحدث بها الأحبار من يهود .. والرهبان من النصارى .. والكهان من العرب ..!

ولعل العرب لم يلقوا بالا أول الأمر .. إلى هذا الذي ذاع وانتشر..
غير أننا نطمئن إلى أن (آمنة) ..
قد ألقت كل بالها إلى تلك المبشرات ..
فما نسيت قط أن زوجها هو الذي أستأثر من دون شبان قريش ورجالها .. بمجد الفداء ..
الذي لم يحدث منذ افتدى إسماعيل .. عليه السلام ..

وقد بقي في مسمعها .. صدى قوي مما ذكرته أخت ورقة بن نوفل ..
وفاطمة بنت مر .. وكاهنة من خثعم ..
عن النور الذي انتقل من (عبد الله) إثر زواجه ..
والغرة التي ذهبت بها (بنت وهب) ..
فلم تدع لغيرها من النساء في (عبد الله) مأربا ..

ثم هي قبل هذا كله ..
سيدة من صميم البيئة الرفيعة الحاكمة في مكة ..
ومن شأن نساء هذه البيئة .. أن يرنون إلى بعيد ..
وأن يرجون للأجنة في بطونهن مجدا .. لم يسبق إليه أحد ...!

وفي يوم من الأيام ..
جاءها (عبد المطلب) .. يطلب إليها أن تتهيأ للخروج من مكة مع قريش..
حيث رأى لهم أن يتحرزوا في شعف الجبال والشعاب
تخوفا من الجيش .. الذي جاء به (إبرهة الحبشي) من اليمن ..

وكانت (آمنة) .. قد سمعت بقدوم (إبرهة) هذا في جيش عرمرم
لكنها لم تقدّر أن الأمر قد بلغ من الخطر حدا ..
يدفع قريشا إلى الخروج من بلدهم الأمين ...
فسألت (آمنة) ... عبد المطلب ...

"علمتُ يا عم أن قريشا وكنانة وهذيلا ومن بالحرم من سائر الناس
قد أجمعوا على قتال الطاغية..
فما الذي جدّ في الموقف.. حتى يتركوا الكعبة لايقاتلون عنها؟"


أجاب ..

"عرفوا ألا طاقة لهم بإبرهة .. فكرهوا معركة غير متكافئة ..
تذوب فيها قريش أمام العدو .. ثم تؤوب بعار الهزيمة"


وسكتت (آمنة) برهة ..
ثم تذكرت ما سمعت عن لقاء ٍ كان ..
بين شيخ مكة وطاغية الأحباش ..

فعادت تسأل عما تم في هذ ذاك اللقاء ..

فأجابها (عبد المطلب) ..

"أجل كان بيننا لقاء
سعى إليه إبرهة ولم أسع إليه..
ذلك أنه حين بلغ مشارف مكة ..
بعث (حناطة الحميري) وقال له ..
اسأل عن سيد أهل هذا البلد وشريفها
ثم قل له إن الملك يقول لك.. إني لم آت لحربكم ..
إنما جئتُ لهدم هذا البيت ..
فإن لم تعرضوا دونه بحرب .. فلا حاجة لي بدمائكم ..
فإن هو لم يُرِد حربي .. فائتني به"


ثم أكمل الشيخ ..

"وجاءني حناطة .. فابلغني برسالة إبرهة .. وقلتُ له ..
والله ما نريد حربه .. وما لنا بذلك من طاقة ..
هذا بيت الله الحرام .. وبيت خليله إبراهيم عليه السلام..
فإن يمنعه فهو بيته وحرمه ..
وإن يُخلِ بينه وبين إبرهة .. فوالله ما عندنا دفعٌ عنه"
قال حناطة ..

"فانطلق معي .. فإنه قد أمرني أن آتيه بك"
ففعلتُ .. ومعي بعض أبنائي ..
وهناك .. مضى بي إلى إبرهة أحد رجاله ..

فقال له ...

"أيها الملك .. هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك
وهو صاحب عير مكة
وهو يُطعم الناس في السهل .. والوحوش في رؤوس الجبال"

فأكرمني إبرهة .. أن أجلس دونه ..
وكأنما كره في الوقت نفسه .. أن تراه الحبشة معي على سرير ملكه ..
فنزل عن سريره ..
وجلس على بساطه .. وأجلسني إلى جانبه ..

ثم قال لترجمانه ..

"قل له .. ما حاجتك ؟"

فقلتُ.. حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي..

فبدا على الملك كأنما صغرتُ عنده .. وخيبتُ ظنه فيّ..

فقال لترجمانه في جفوة ..

"قل له .. قد كنتَ أعجبتني حين رأيتك .. ثم قد زهدتُ فيك حين كلمتني ..
أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك .. وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك لاتكلمني فيه؟

فقلت على الفور ..

"إني أنا رب الإبل .. وإن للبيت ربٌ يحميه .."

فقال إبرهة متفاخرا .." ما كان ليمتنع مني ..!"

أجبته .. "أنت وذاك" ..

وكان معي سيد هذيل ..
فعرض على إبرهة ثلث أموال تهامة .. على أن يرجع ولايهدم البيت ..
فأبى متكبرا .. وأكتفى بأن أمر برد إبلي إليّ ..

وانصرفنا .. فحدثتُ قريشا بالخبر .. وأمرتهم بالخروج من مكة ..
ثم قمتُ وأخذتُ بحلقة باب الكعبة ..
وقام معي نفر من قريش .. يدعون الله ..
ويستنصرونه على إبرهة وجنده ..

وقلتُ ..

إلاهُمّ (اللهم) إن العبد يمنع رحله فامنع حلالك
جروا وجموع بلادهم .. والفيلَ .. كي يسبوا عيالك
إن كنتَ تاركهم وكعبتنا .. فأمرٌ ما بدا لك ؟
يارب .. لا أرجو لهم سواكا
يارب .. فامنع منهم حِماكا
إن عدو البيتِ من عاداكا
امنعهمو أن يخربوا فناكا ..


فرددت آمنة من بعده ... يارب .. لاأرجو لهم سواكا ..

وودعها الشيخ وخرج ..
على أن يبعث إليها في غد .. من يصحبها في خروجها ..
لتلحق بالجمع الراحل ..

وبقيت آمنة.. مختلية بنفسها .. تفكر في الجنين الغالي ..
الذي قاربت أن تضعه ..
فعز عليها أن تلده بعيدا عن البلد الحرام ..
وفي غير دار أبيه عبد الله ...

وكان هذا الخاطر يقلق مضجعها .. ويسهر ليلتها ..
لكنها أوت إلى فراشها .. وما يتخلى عنها إيمانها ..
بأن الله مانع بيته ..
ومتى كان للطاغين والجبابرة على البلد الحرام .. سبيل ؟!

نامت (آمنة) مطمئنة .. حتى انبلج الصبح ..
وهي تتمنى ألا تبرح مكانها من جوار الحرم ..
إلى أن يقضي الله أمره ..

وارتفعت شمس الضحى .. دون أن يأتي من قومها أحد ..!!

ثم مضى النهار إلا أقله .. وهي في عجب .. !

لِمَ لم يبعث عبد المطلب رسوله إليها؟

وفيم هذا الصمت المريب الذي يخيم على أحياء مكة..
كأنما قد أمسك كل حي فيها أنفاسه؟!

ثم تناهى إليها من بعيد .. من أقصى الجنوب..
ضجيج مبهم مختلط ..
لاتكاد تميزه .. أ هتافٌ هو ودعاء .. أم صراخ وعويل ؟!

إلا أن وراء ذلك كله أمرا ..
وأقامت السيدة (آمنة) تترقب ..
حتى إذا آذنت الشمس بمغي ..
جاءتها الرسل من قومها تسعى .. لا لتطلب إليها الخروج إلى شغف الجبال..
ولكن لتبشرها بالنجاة ..

فقالوا لها ..
إن (أبرهة) كان قد تهيأ لدخول البلد الحرام ..
وهيأ فيله وعبّى جيشه مجمعا لهدم البيت العتيق ..
ثم الانصراف لى اليمن ..
فلما وجهوا الفيل من معسكره في ظاهر البلدة من ناحية الجنوب..
برك .. وأبى أن يتحرك ..
فضربوه في رأسه بآلة من حديد ..
ثم أدخلوا محاجن لهم في أسفل بطنه ..
وهو بارك لايقوم ..
فوجهوه راجعا إلى اليمن .. فقام يهرول ..
ووجهوه نحو الشام .. ففعل مثل ذلك ..
ووجهوه إلى المشرق .. فتهيأ للانطلاق ..
ولما عادوا يوجهونه نحومكة .. برك .. !

ثم كان أن سلط الله نقمته على أصحاب الفيل
فانتشر فيهم فجأة وباء مهلك ..
رمتهم بجراثيمه طير أبابيل .. فجعلتهم كعصف مأكول ..
وجُنّوا من خوف ورعب ..



فولوا مدبرين يبتدرون الطريق الذي جاءوا ..
ويسألون عن (نفيل بن حبيب الخثعمي)..
وكان قد خرج مع قومه لقتالهم حين مروا بأرض خثعم ..
فلما أسره أبرهة ..
افتدى نفسه بأن يكون دليل الحبشان بأرض العرب ..

فما كان نفيل يسمع صياحهم وضراعتهم ..
حتى رد عليهم بأعلى صوته ..

أين المفر والإله الطالبُ ؟
والأشرم المغلوب ليس الغالبُ !

ونُسب إليه قول ..

وكل القومِ يسأل عن نفيلٍ
كأن عليّ للحبشانِ ديْنا !

فخرجوا يتساقطون بكل طريق
ويهلكون بكل مهلك على كل منهل ..
وأبرهة معهم ينتثر جسمه وتسقط أنامله أنملة أنملة ..

ولم تكن أرض ارب قد شهدت الحصبة والجدري..
قبل ذاك العام المشهود ...

وأقبلت قريش على كعبتها المقدسة تطيف بها حامدة شاكرة
وتجاوبت أرجاء البلد الأمين بدعوات المصلين .. وأناشيد الشعراء ..

وبلغت الأصداء مسمع الحبيبة (آمنة)..
فقامت تصلي وقد أشرق وجهها بنور اليقين والإيمان..
وأحست بغبطة غامرة أن استجاب الله لدعائها ..
فلم يكتب لولدها (ابن عبد الله) الولادة بعيدا عن البلد الحرام ..


وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3102
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    29.12.13 0:45

الوليد



لم تكُ إلا فترة قصيرة المدى بعد يوم الفيل
حتى ذاعت بشرى المولد ..
حدد قوم هذه الفترة بخمسين يوما .. وهو الأكثر والأشهر ..

وكانت الرؤى قد عاودت (آمنة).. في صدر ليلة مقمرة من ليالي ربيع ..
وسمعت من يهتف بها من جديد .. أنها توشك أن تضع سيد هذه الأمة ..
ويأمرها أن تقول حين تضعه ..

"أعيذه بالواحد من شر كل حاسد"

ثم تسميه .... "محمدا" ..

وجاءها المخاض في أوان السحر من ليلة الاثنين
وهي وحيدة في منزلها ليس معها أحد سوى جاريتها ..
فأحست ما يشبه الخوف ..
لكنها ما لبثت أن شعرت بنور يغمر دنياها ..

ثم بدا لها كأن جمعا من النساء يحطن بمضجعها ويحنون عليها ..
فحسبتهن من بنات هاشم ..
وعجبت كيف علمن بأمرها وما أخبرت به من أحد
غير أنها أدركت على الفور .. أن هؤلاء اللواتي حسبتهن من نساء البيت الهاشمي ..
لسن سوى أطياف سارية ..
وخيل إليها أن من بينهن ..
"مريم ابنة عمران .. وآسية امرأة فرعون .. وهاجر أم إسماعيل" !

ولقد زايلها كل ما كانت تحسه من خوف..
فتجلدت للحظة الحاسمة ..
وما كاد نور الفجر ينبثق .. حتى كانت قد وضعت وليدها ..
كما تضع كل أنثى من البشر ..

وتقول (أم عثمان بن أبي العاص)..

"فما من شيء أنظر إليه من البيت إلا نوّر ..
وإني لأنظر إلى النجوم تدنو مني
حتى إني لأقول .. لتقعنّ عليّ"


وحسبنا أنه ..

ولد الهدى فالكائناتُ ضياءُ - وفم الزمان تبسّمٌ وثناءُ
الروحُ والملأ الملائكُ حولهُ - للدين والدنيا به بشراءُ
والعرش يزهو والحظيرة تزدهي - والمنتهى والدرةُ العصماءُ


وتوارت الأطياف النورانية السارية
حين لم تعد (آمنة) وحدها ..
كان ولدها إلى جانبها يملأ الدنيا حولها نورا وأنسا وجمالا..
ومضت ترنو إلى طلعته البهية وكيانه اللطيف المشرق ..
وتذكر به الحبيب الذي أودعها إياه .. ثم رحل ..

ولما انبلج الصبح ..
كان أول ما فعلته الوالدة .. أن أرسلت إلى (عبد المطلب)..
تبشره بمولد حفيده ..
فأقبل مسرعا ..
وانحنى في حنو على الوليد .. يملأ منه نظره ..
وقد ألقى كل سمعه إلى (آمنة)..
وهي تحدثه عما رأت وسمعت حين الوضع ...

ثم حمل حفيده العزيز بين ذراعيه في رفق ..
وانطلق خارجا حتى أتى الكعبة ..
فقام يدعو الله ويشكر له أن وهبه ولدا .. من ابنه الفقيد الغالي ..

وكان يردد ..

الحمد لله الذي أعطاني
هذا الغلام الطيب الأردانِ
قد ساد في المهدِ على الغلمانِ
أعيذه بالبيت ذي الأركانِ
حتى أراه بالغ البنيانِ
أعيذه من شر ذي شنآنِ
من حاسد مضطرب العنانِ


ثم رده إلى أمه
وعاد لينحر الذبائح
ويطعم أهل الحرم وسباع الطير ووحش الفلاة ..
وكانت مكة حين ذاعت فيها بشرى المولد ..
ما زالت تحتفل بما أتاح الله لها من نصر على أصحاب الفيل ..
فرأى القوم في مولد "محمد" ..آية تذكر بأخرى ..
يوم اختير أبوه للنحر .. ثم افتدي بالإبل المائة ..

وبلغ من غبطة البيت الهاشمي بالمولود العزيز ..
أن (ثوبية الأسلمية) جارية عمه (عبد العزى بن عبد المطلب)
الملقب .. بـ أبي لهب ..
لم تكد توافي سيدها ببشرى المولد .. حتى اعتقها .. !
ولو قد كشف له الحجاب عن الغد المغيب ..
لروعته رؤية دوره في الحرب الدامية..
التي قدر لقريش أن تصلاها بعد أربعين عاما ..
عندما جاءها الهاشمي اليتيم .. برسالة الإسلام ..

ونختم هذه المداخلة بقصة ..
حين أعطى كفار قريش الشاعر حسان بن ثابت مبلغاً من المال وذلك قبل إسلامه
ليهجوَ النبي صلى الله عليه و سلم...

فوقف حسان على ربوة..
ينتظر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يأتي..
لينظر إلى صفةٍ من صفاته فيهجوه بها

و مرّ الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم

فلما رأه حسان رجع إلى قريش فرد لهم المال..

و قال هذا ... مالكم ليس لي فيه حاجه..
و أما هذا الذي أردتم أن أهجوهُ
اللهم إني أشهدك أني أشهد أنه رسول الله..!


فقالوا... ما دهاك ما لهذا أرسالناك

فأجابهم بقوله :

لما رأيتٌ أنواره سطعت - وضعتٌ من خيفتي كفي على بصري
خوفاً على بصري من حسن صورته - فلست أنظره إلا على قدري
روحٌ من النور في جسم من القمر - كحليةٍ نسجت من الأنجم الزهر


وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    29.12.13 19:01

الرضيع المبارك




أحست السيدة (آمنة) بعد أن وضعت وليدها
أن الشطر الاهم من رسالتها قد انتهى .. بمولد ابنها المبشّر بأنه سيد الأنام ..
كما انتهت رسالة أبيه (عبد الله) .. منذ أن أودعه جنينا في أحشاءها ..
فأسلمت نفسها من جديد لأشجان الذكرى ..
إلى حد أثر في صحتها ..
وإن لم يُفض بها إلى التلف.. أو قريب منه ..

ذلك أن جزءا من رسالتها لم ينته بعد ..
فما يزال عليها أن ترعى ولدها حتى يبلغ معها السعي ..
فتحدثه عن أبيه .. ثم تصحبه إلى يثرب ..
حيث يزوران قبر فقيدهما الغالي ..

وأقبلت الأم على صغيرها ترضعه ...
لكن لبن (آمنة) جفّ بعد أيام .. وقد يكون ذلك لما أصابها من الحزن ..
الذي لم يكن لينتهي من نبع فؤادها ..

ثم لم تمض إلا أيام معدودات ..
حتى وفدت المراضع من بني سعد بن بكر .. يعرضن خدماتهن..
على نساء الطبقة الموسرة من قريش ..

فعُرض عليهن (محمد بن عبد الله) ..
فتركوه لكونه يتيما ..
مؤثرات عليه أطفال الأحياء ممن يرجى منهم الخير الوافر ..
وكانت من هؤلاء المرضعات .. السيدة (حليمة السعدية) ...

إذ خرجت (حليمة) من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه..
في نسوة من بني سعد بن بكر .. وكانت سنة شهباء لم تبق لهم شيئا ..
وكان معهم ناقة مسنة ليس لها لبن ..
دون أن يناموا ليلتهم بسبب الجوع ..

ولما وصلوا إلى مكة ..
لم تبق امرأة قدمت معها إلا وأخذت رضيعا .. إلا (حليمة)
فلما أوشكت على الرحيل ..
قالت لزوجها ..

"والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا
والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه"


فقال زوجها ..

"لاعليك أن تفعلي .. عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة"

فذهبت (حليمة) إلى الرضيع (محمد) فأخذته..
فلما وضعته في حجرها .. بدأ اللبن يدر منها ..
فشرب (محمد) حتى روي .. وشرب معه أخوه حتى روي..
ثم ناما ..

وقام بعدها زوج (حليمة) إلى تلك الناقة المسنة
فوجدها مليئة باللبن ..
فحلب منها ما شرب .. وشربت (حليمة)..
فباتوا بخير ليلة ..

فقال زوجها لها في الصباح ..

"تعلمي والله يا حليمة .. لقد أخذتِ نسمة مباركة!"

قالت ...

"والله إني لأرجو ذلك .. "

ثم خرجت (حليمة) وركبت الحمار الهزيل الذي أتت به ..
وحملت (محمدا) معها ..
فسبقت حمير صويحباتها .. فقلن لها ..

"يا ابنة أبي ذؤيب .. ويحكِ !
أليست هذه أتانك التي كنتِ خرجتِ عليها؟"


قالت ..

"بلى والله إنها لهي هي"

فيقلن ..

"والله إن لها لشأنا ..!"

ثم وصلت (حليمة) وعائلتها منزلها في بلاد بني سعد ..
وما تعلم أرضا من أرض الله أجدب منها ..
فكانت غنم (حليمة) شباعا لبنا ..
فتحلب العائلة وتشرب .. ولايحلب إنسان غيرهم قطرة لبن ..
حتى كان الحاضرون من القوم يقولون لرعيانهم ..

"ويلكم .. اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب!"

فتروح أغنامهم جياعا وتأتي جياعا ..
وتروح أغنام (حليمة) جياعا .. وتعود شباعا لبنا .. !

فلم تزل (حليمة) وعائلتها تتعرف من الله الزيادة والخير ..
حتى مضى على ذلك عامين ..

ثم آن الأوان ..
فعادت (حليمة) بالطفل إلى أمه .. آمنة .. التي كانت في شوق إليه ..

لكن (آمنة) .. فوجئت بـ (حليمة) تقول لها ..

"لو تركتِ بُنيّ عندي حتى يغلظ.. فإني أخشى عليه وباء مكة"

فأنكرت الأم الحنون ما سمعت ..
ونظرت إلى (حليمة) نظرة عتاب ...
فكيف خطر لها أن (آمنة) تستطيع أن تفارقه للمرة الثانية ..
وهو فلذة كبدها ونور عينيها وأنس دنياها ؟!

لكن (حليمة) لم تيأس .. ولم تتراجع ..
بل ألحت في أخذ الصبي ...
متوسلة إلى والدته ..
ومؤكدة لها أن من الخير لولدها أن يظل بعيدا عن مكة..
وأن يعود معها فيسرح في البادية ملء الصحة والانطلاق .. !

وعادت الأم تنظر إلى ابنها ..
فتراه حقا قد أينع في جو البادية النقي الطليق..
وحملها قلبها النابض بالإيثار .. على مزيد من الاحتمال والتصبر ..
في سبيل ما تعلم حقا أنه انفع لولدها .. وأفضل..

فودعت (آمنة) ولدها للمرة الثانية ..

وانطلقت به (حليمة) راجعة إلى مراعي بني سعد
والدنيا لا تكاد تسعها من فرط غبطتها وفرحها ..
إذ كانت شديدة الحرص على مكثه فيهم .. لما رأوه من بركته ..

لكن لم تمض إلا بضعة أشهر ..
حتى عادت (حليمة) من تلقاء نفسها بالصبي المبارك إلى أمه..
وهي بادية القلق ..

فسألتها (آمنة)...

"ما أقدمك به يا ظئرُ وقد كنتِ حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟"

قالت (حليمة)..

"قد بلغ الله بابني .. وقضيتُ الذي علي..
وتخوفت الأحداث عليه .. فأديته إليك كما تحبين"


لكن جوابها .. لم يقنع (آمنة) ..
فسألتها مرة ثانية عن صحة الخبر ..

فقالت (حليمة)..

"فوالله انه بعد مقدمنا به بأشهر ..
وكان مع أخيه بالرضاعة لفي بهم لنا خلف بيوتنا
إذ أتانا أخوه يشتد .. فقال لي ولأبيه ..
ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض
فأضجعاه .. فشقا بطنه .. فهما يسوطانه..
فخرجتُ أنا وأبوه نحوه .. فوجدناه قائما ممتقعا وجهه
فقلنا له .. مالك يا بني ؟
قال.. جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقا بطني..
فالتمسا شيئا لا أدري ما هو ..
فرجعنا به إلى خبائنا ..
وقال لي أبوه .. ياحليمة .. لقد خشيتُ أن يكون الغلام قد أصيب..
فألحقيه باهله قبل أن يظهر ذلك به ..
فاحتملناه فقدمنا به .. والله إنا لا نرده إلا على جدع أنفنا"


وأصغت الأم (آمنة) إلى القصة .. دون أن يبدي عليها بادرة خوف أو قلق..
حتى فرغت (حليمة) من حديثها ..

فقالت لها (آمنة).. أ فتخوفتِ الشيطان؟

أجابت (حليمة).. نعم ..

قالت (آمنة)..

كلا والله .. ما للشيطان عليه من سبيل ..
وإن لبنيّ لشأنا.. أ فلا أخبرك خبره؟

فوافقت (حليمة) وكلها آذان صاغية ..

فحدثتها (آمنة) بما رأت وسمعت .. حين حملت به ..
ثم قالت لها ..

"دعيه عنك وانطلقي راشدة"

فتذكرت (حليمة) شيئا مهما كان قد غاب عنها..

قالت ..

"الآن فهمت ما لم أفهمه من قبل ..
ذلك أن نفرا من نصارى الحبشة رأوا ابني محمدا معي..
حين رجعتُ به بعد فطامه ..
فنظروا إليه وسألوني عنه ..
وفحصوه مليا ثم قالوا .. لنأخذن هذا الغلام فلنذهب به إلى ملكنا وبلدنا..
فإن له شأنا نحن أدرى به وأعرف..
فاختطفته منهم .. وقد هاجني ذلك على رده إليك ِ..
وهممت أن أفعل ..
لولا أن مضارب بني سعد كانت أقرب إلي منك ِ
ولم أشعر بالاطمئنان حتى دخلتُ به إلى الحِمى"


ثم استعادت (حليمة) ذكرى بعيدة .. كانت قد نسيتها لطول المدى ..
فقالت ..

"وأذكر كذلك يوم انطلقت بولدي محمد من مكة لأول مرة
فمر بي اليهود فسألتهم .. ألا تحدثوني عن ابني هذا ؟
وسردت ُ لهم ما لقيت من بركته ..
فما راعني إلا ان قال بعضهم لبعض .. اقتلوه !
ثم سألوني .. أ يتيمٌ هو ؟
قلت وأنا أشير إلى زوجي: لا هذا أبوه وأنا أمه ..
فقالوا: لو كان يتيما لقتلناه !


ولكن .. لأن الله غالبٌ على أمره ..
كانت إرادته .. أن يحمي الرضيع هذا تحديدا .... من كل سوء ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    29.12.13 19:06

سفر إلى يثرب



ولنعد إلى (آمنة) وهي تحتضن وليدها اليتيم.. بعد أن عاد إليها مكملا أعوامه الست ..
فرحة به وهو يعيش في البلد الحرام .. حيث مجد آبائه العريق .. والبيت العتيق ..

عاد الصبي .. فبدد بنوره ظلال الكآبة التي كانت تغشى دنيا أمه ..
في وحدتها وترملها الباكر ..

ونحسبها لم تكف تحدثه عن والده الغائب ..
ووصف شمائله .. ورواية قصة فدائه .. وما كان معقودا من آمال كبار ..

وقد بذلت الأم لولدها في تلك الفترة .. غاية ما يرجى من عناية ورعاية ..
فهو وحيدها ومناط املها .. ومعقد رجائها ..

فكان (محمد) .. مع أمه (آمنة بنت وهب) ..
في كلاءة الله وحفظه .. ينبته الله نباتا حسنا ..

وأثمرت العناية ثمرتها ..
فبدت على (محمد) بوادر النضج المبكر ..
ورأت فيه أمه عندما بلغ السادسة من العمر ..
مخايل الرجل العظيم ... الذي طالما تمثلته ..
ووُعدت به في رؤاها ..

وبعد فترة .. أدركت الأم الحنون ..
أن هنالك واجبا مفروضا .. عليها أن تؤديه ..
فحدثت ابنها (محمد) .. على قبر أبيه .. الحبيب الثاوي في يثرب ...

وهش الابن لفكرة السفر
وسره أن يصحب أمه في زيارتها لمثوى فقيدهما ..
وان يتعرف في الوقت نفسه .. إلى أخوال أبيه المقيمين بيثرب ..
وكانوا ذوي شرف هناك .. وجاه عريق ..

وكان من هؤلاء الأخوال .. (أبي وهب بن عمرو) ..
خال جده (عبد المطلب) ...
فهو من تصدى لقريش حين أجمعت على تجديد بناء الكعبة ..
فقال لهم ..

"يا معشر قريش ...
لاتدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا
لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس"


وكان الجو صيفا ..
والشمس تلهب صخور مكة وتصهر رمالها ..

وحين بدأت (آمنة) تتهيأ لرحلة طويلة شاقة
تجتاز بها الأميال المائتين التي تفصلها عن يثرب ..
حيث يرقد في ثراها (عبد الله) .. الذي ودعها من نحو سبع سنين ...

ولم تكن (آمنة) تجهل مشقة السفر .. عبر الصحراء القاحلة ..
ولم يغب عنها ما يتكبده المضاربون في أحشاء البيداء ..
بسهولها الموحشة وقفرها المرهوب ..
لكن شوقها إلى زيارة يثرب .. كان اقوى من أن تغلبه عقبات سفر ..

ولقد شُغلت (آمنة) بتجهيز راحلتها وإعداد مئونة الطريق ..
ثم زودت ناقتها بهودج من أغصان مجدولة ..
ذي مظلة مرفوعة تحجب الشمس عن الابن العزيز ..

وأقامت بعد ذلك تنتظر أول قافلة تخرج من مكة نحو الشمال ..
في رحلة الصيف الموسمية ..

فلما أذن المؤذن بالرحيل .. ضمت إليها ولدها ..
تصحبهما الجارية الوفية .. (بركة أم أيمن)..

وألقت (آمنة) نظرة وداع على دار عرسها .. التي جمعتها بـ (عبد الله)..
ووضعت فيها من بعده ولدهما الوحيد ..
ثم عرجت على الحرم فطافت به داعية ..
وانفلتت من بعد ذلك نحو الشمال .. حيث كانت القافلة تتهيأ للتحرك ..
وقد علا رغاء الإبل مختلطا بضجيج المسافرين ودعاء المودعين ..

وتحركت القافلة ..

وبعد فترة من السفر ..
تراءت لها (يثرب) أشبه بواحة خضراء ..

وشارفت الرحلة منتهاها ..
فجمعت (آمنة) نفسها واقبلت على ولدها تحدثه من جديد عن أبيه..
ثم تغريه بأن يتطلع معها إلى المدينة البيضاء ..
التي بدأت تتكشف من وراء جبل أحد ..

ثم أناخ الركب رواحله في (يثرب) .. وأستأنف مسيره شمالا..
بعد أن ترك (آمنة) وولدها وجاريتها في حِمى (بني النجار)...

وأخذت (آمنة) ولدها (محمد) ... بعد أن انتهى وقت الراحة ..
ليزورا قبر (عبد الله) ..

ثم تركت (محمدا) يلعب ويمرح مع أولاد الخال ..
ويتعلم السباحة معهم في مجامع المياه ..
وبقيت هي على قبر الحبيب .. تناجيه حينا وتبكيه أحيانا ..
وهي على الحالين راضية مستروحة ..
تجد من الأنس بقرب الفقيد ما يريح شجونها ..

وطاب لهما العيش شهرا كاملا ..
نفّست فيه عن حزنها المكبوت ..
وأسعفت عيناها بما شاءت من دمع ..
وتمتع ولدها بالجو اللطيف .. بصحبة رفاقه الصبيان ..

ولايدري أحد ..
كيف أمضت (آمنة) ليلتها الأخيرة .. قبل أن تشد رحالها عائدة إلى مكة ..
لكن لابد أنها انتزعت أنفسها قسرا من ذلك الجو المعطر بالذكرى ..
وودعت مضيفيها شاكرة لهم حسن ترحابهم ..

ثم تكلّفت الصبر .. وودعتهم مجاملة ..
والناقة تمضي بها وبمن معها إلى مكة .. بلا حداء شجي ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    29.12.13 19:13

الوداع




وبينما كان المسافرين الثلاثة في بعض مراحل الطريق بين البلدتين ..
هبت فيما يقال .. عاصفة عاتية هوجاء ..
أخذت تسفع المسافرين بريحها المحرقة ..
وتثير من حولهم الرمال كأنه الشرر الملتهب ..
فتأخرت الرحلة أيام ريثما هدأت العاصفة وسكنت ثائرتها ..
ثم استأنف الركب سيره ..

لكن (آمنة) ... شعرت بضعف طاريء ..
مكّن له من جسمها بسبب ضعفها النفسي والصحي ..
ولأن ذاك .. بالأساس... كان مراد الله ... والله غالبٌ على أمره ...

ولم يجزع الصبي (محمد) أول الأمر .. لما بدا على أمه من إعياء ..
بل رجا أن تزايلها وعكتها بعد أن هدأت العاصفة ..
أما (آمنة) .. فأحست أنه الأجل المحتوم ..

وبعد سويعات ... اختفى صوت (آمنة)..
وذاب نفسها في سكون العدم .. فما تكلمت بعدها أبدا ..

وخيم على الكون صوت رهيب
مزقته بعد حين صرخة صبي مفجوع..
انحنى على جثة أمه في العراء يناديها .. فلا تلبي نداءً ..

والتفت إلى (أم أيمن) يسألها عن سر هذه الحياة التي انطفأت..
والجسد الذي همد وبرد ..
والصوت الذي فني وذاب ..
فضمته المسكينة إلى صدرها .. ولم تملك إلا أن تقول ..

"إنه الموت يا بني!"

الموت ....!

ذاك الذي غال أباه من قبل ؟

ذاك الذي جرع أمه كأس الترمل ..فما طاب لها عيش لسبع سنين طوال ؟!

ذاك الذي طوى الأعزاء في جوف الثرى ..فلا رجعة بعد ولا لقاء ؟!

ذاك الذي يمضي بالمسافر إلى حيث لا عودة ولا مآب؟!

نظر الصبي (محمد) إلى أمه .. وجلس قريبا منها..
يحدق فيها صامتا واجما .. عاجز الحيلة ..

على حين أخذت (أم أيمن) تلف الجسد الراقد
وتعصب الوجه الذابل ..
وتغمض العينين المنطفئتين ..

ثم تبع (محمد) تلك الخالة .. وهي تحمل الجثة إلى قرية الأبواء ..
حتى إذا أوشك الثرى أن يغيبها ..
اندفع وحيدها اليتيم نحوها .. يريد البقاء معها ..

وعلا نحيب القوم من إشفاق وتأثر ..
وخلوا بينه وبين أمه ساعة أو بعض ساعة ..
ثم نحّوه عنها في رفق .. وأضجعوها في لحدها ..

ثم هالوا عليها الرمال ...

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    29.12.13 19:15

عودة اليتيم



وجمت أرياض (مكة) وهي تشهد الصبي الحزين ..
الذي غادرها مع أمه منذ شهر ونيف .بادي الغبطة والتهلل والإشراق ..
ليعود إليها اليوم وحيدا مضاعف الُيتم .. قد ذاق الحزن المر ..
ورأى بعينه مشهد الموت في أعز من له ..

وسوف تذكر مكة ... عودة الصبي (محمد) هذه ..
يوم يخرج منها بعد نحو نصف قرن .. تحت جنح الظلام ..
مهاجرا بدينه الجديد إلى يثرب ..
في صحبة شيخ صديق ...
وقريش من ورائه تعدو في أثره ..
وتلح في طلبه ..

وكذلك سوف تذكر مكة .. عودة الصبي اليتيم هذه ..
يوم يرجع إليها من دار هجرته .. عام الفتح ..
ويدخلها ظافرا منتصرا .. ليحطم الأصنام التي شوهت جلال الحرم ..

وليهتف من أعلى البيت...

"الله أكبر"

فترجّع أرجاء الجزيرة هذا الهتاف الغالي ..
ثم تتجاوب به آفاق الأرض.. على مر العصور والأجيال ..


وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
محمد
مشرف


عدد المساهمات : 3102
تاريخ التسجيل : 08/10/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    30.12.13 3:11

ذكرى باقية



إلى هنا .. تنتهي حياة السيدة (آمنة) على سطح الأرض..
وينصرف عنها التاريخ حينا .. ليعود بعد نحو 34 عاما ..
فيفسح لها أعز مكان في كتاب الخلود ..
أمّا للنبي .. الذي تركته وحيدا يتيما في بادية الحجاز ..
بين يثرب وأم القرى ..

ولقد عاشت أول ما عاشت .. ملء قلبها ولدها العظيم ..
يخفق لذكراها ويرق له رقة تثير الشجن .. وتستدر عصي الدمع..

ولقد تلقاه جده (عبد المطلب) بعد وفاتها ...
وضمه إليه مسبغا عليه من عطفه وحنانه...مالم يسبغ مثله على ولده ..
فكان يقربه منه ويدنيه .. ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام في فراشه ..

وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة
فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه ..
لا يجلس عليه أحد منهم إجلالا له ..
فيأتي الغلام (محمد) حتى يجلس عليه ..
فيهّمُ أعمامه بأن يؤخروه عنه ..
فينهاهم عبد المطلب قائلا .. دعو ابني ..
ثم يجلس معه ويمسح ظهره بيده ..

لكن شيئا من هذا كله .. لم يُنسه ذكرى يتمه المُر ..
ولم يمح من خاطره مشهد أمه الغالية ..
وهي تموت بين يديه في الصحراء ..

فإنه (صلى الله عليه وسلم) بعد النبوة ..
لما مر بالأبواء في عمرة الحديبية ..
حين أذن الله لرسوله (صلى الله عليه وسلم) في زيارة قبر أمه ..
فأتاه .. وأصلحه .. وبكى عنده .. وبكى المسلمون لبكائه ..
فقيل له في ذلك ..
فقال ..

"أدركتني رحمتُها .. فبكيت "

ويذكر عبد الله بن مسعود ...
أنه خرج فيهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوما ..
حتى انتهوا إلى المقابر ..
فأمرنا فجلسنا ..
ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها ..
فجلس إليه ... فناجاه طويلا ..
ثم ارتفع صوته ينتحب باكيا ..
فبكى القوم لبكاءه (صلى الله عليه وسلم)..

ثم أقبل إليهم (صلى الله عليه وسلم) عائدا ..
فتلقاه عمر (رضي الله عنه) فقال له ..

"ما الذي أبكاك يارسول الله فقد أبكانا وأفزعنا؟"

فأخذ (صلى الله عليه وسلم) بيد عمر ..
ثم أومأ إلى القوم .. فأتوه ..
فقال لهم ..

"أفزعكم بكائي"

قالوا .. نعم يارسول الله ..

فأعاد ذلك مرتين .. أو ثلاث ..

ثم قال ..

"إن القبر الذي رأيتموني أناجيه .. قبر أمي آمنة بن وهب ..
وإني استأذنت ربي في زيارتها .. فأذن لي"


وهكذا شدته الدنيا يلتفت إلى تلك البقعة المهجورة حيث مضجع أمه ..
ويرنو إليها بقلبه على تطاول المدى وتنائي الأبعاد ..

ولقد عرفت قريش منه ذاك .. حين أعلنت عليه الحرب بعد النبوة ..
حتى إن (هند بنت عتبة) حين مرت بالأبواء في جيش المشركين ..
المتجه إلى المدينة ليثأر لقتلى بدر ..
لم تر ما تؤذي به بطل الإسلام .. أقسى من نبش قبر أمه (آمنة)..
فقالت لزوجها (سفيان بن حرب)..

"لو بحثتم قبر آمنة أم محمد فإنه بالأبواء
فإن أسر أحدكم منكم .. افتديتم كل إنسان بإرب من آرابها!!"


لكن أبا سفيان لم يكد يذكر ذلك لقريش
حتى أخذ منها الفزع كل مأخذ..
فصاحت بالرجل ...

"لاتفتح علينا هذا الباب"

وكأنما روعها تمثل غضبة ابن آمنة والمسلمين .. للفعلة النكراء ..
وانصرفت قريش عن القبر .. دون أن تجرؤ للعبث به ...

ولم ينس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد النبوة في حياتها ..
طيف أمه .. وذكريات طفولته ..
فعندما هاجر إلى المدينة .. مضى يطوف في طرقاتها ..
ويستعيد مواقف حدثت له هناك ..

فقال حين رأى دار عدي بن النجار ..

"... ها هنا نزلت بي أمي..
وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله .... "


ولما رأى أطم (بن عدي) .. رق قلبه فقال ..

"كنت ألعب مع أنيسة - جارية من الانصار - على هذا الأطم..
وكنت مع غلمان من أخوالي ..
وأحسنت العوم في بئر بني عدي من النجار"



وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30426
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !    30.12.13 22:57

طيف (آمنة) الذي لايغيب


قبل أن نكمل سائر القصة ..
سنحاول - ولو قليلا - أن نستشرف من خبايا المستقبل ..
الذي خصه محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم).. لنفسه كإنسان..

فلقد طوى الغالية (آمنة) الثرى .. قبل أن يستكمل ولدها الوحيد ..
عامه السابع ..
لكن .. بقي طيفها العزيز يصحبه ما عاش ..
وبقيت ذكراها تراوحه حيثما ذهب .. وأنّى أقام ..
فتستثير فيه أعمق عواطف البر والرحمة ..
وترتفع بالأمومة عنده إلى المقام الأسنى .. الذي لايطاوله مقام ..

تعالوا فلنتعرف ...
أين رأى محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) .. طيف أمه (آمنة) ؟

فلقد رآها في مرضعته (ثوبية) مولاة أبي لهب ..
فكان (صلى الله عليه وسلم) يصلها وهو بمكة ..
وكانت السيدة (خديجة) رضي الله عنها تكرمها ..
ولما هاجر (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة .. ظل يبعث إليها بصلة وكسوة..
إلى أن جاء خبر وفاتها سنة 7 هـ .. عند مرجعه من خيبر ..
فلما دخل مكة ظافرا بعد ذلك بعام ..
لم ينس في غبطته بالفتح الأكبر .. أن يسأل بمكة ..

"ما فعل ابنها مسروح ؟"

فقيل له .. مات قبلها .. ولم يبق من قرابتها أحد ..

كما رأى (صلى الله عليه وسلم) طيف أمه (آمنة) ..
بحاضنته الحبشية التي رافقته وأمه في رحلتهما إلى يثرب .. (بركة أم أيمن)..
وشهدت معه وفاتها بالأبواء ..
فعاش (صلى الله عليه وسلم) لايرى (أم أيمن) .. حتى يرق قلبه لذكرى (آمنة)..
فيقول ..

"هي أمي بعد أمي"

ورأى (صلى الله عليه وسلم) طيف (آمنة).. في شخص (حليمة السعدية)..
المرأة التي أرضعته في ديار بني سعد ..
فيحدثنا أبي الطفيل .. رضي الله عنها ..

"أنه لما كان (صلى الله عليه وسلم) يقسم لحما بالجعرانة
وأنا يومئذ غلام أحمل عظم الجزور ..
إذ أقبلت امرأة دنت إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)..
فبسط لها ردائه ..
فجلست عليه ..
فقلت ُ .. من هي ؟
فقالوا .. هذه أمه التي أرضعته"


وفي السنة الثالثة للهجرة ..
حين انصرف (صلى الله عليه وسلم) من غزوة الطائف منتصرا ..
ومعه سبي من هوازن .. 6000 من الذراري والنساء ..
وما لايُدرى عدته من الإبل والشاه ..
أتاه وفد هوازن ممن أسلموا .. فقال أحدهم ..

"يارسول الله .. إنما في الحضائر عماتك وخالاتك وحواضنك"

وكانت حليمة السعدية من بني سعد بن بكر من هوازن ..

فلمست ضراعتهم قلبه الكبير ..
واستجاب لمن استشفعوا بالأم التي أرضعته ..
فقال لوفد هوازن .. وطيف (آمنة) يباركه ..

"أما ما كان لي ولبني عبد المطلب .. فهو لكم
وإذا أنا ما صليتُ الظهر بالناس ..
فقوموا فقولوا .. إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين
وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا..
فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم ...."


فلما صلى رسول الله بالناس الظهر ..
قام رجال هوازن فتكلموا بالذي أمرهم به ..

فقال (صلى الله عليه وسلم) ..

"أما ما كان لي ولبني عبد المطلب .. فهو لكم"

فقال المهاجرون .. وما كان لنا فهو لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

وقال الأنصار .. وما كان لنا فهو لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

وتردد بعض القبائل مثل تميم وفزارة ..
فلما رأى (صلى الله عليه وسلم) ترددهم .. قال ..

"أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي
فله بكل إنسان ست فرائض من أول غنم ٍ أصيبه"


فردوا إلى هوازن أبنائها ونساءها ..
لأن فيهم حواضن الرسول وعماته وخالاته من الرضاعة..

كما تمثل طيف (آمنة) .. في شخص (فاطمة بنت أسد)
زوج عمه أبي طالب .. التي رعته أيام صباه ..
وكانت له من بعد أمه .. أما ..
ولما ماتت (فاطمة بنت اسد).. ألبسها (صلى الله عليه وسلم) قميصه..
واضطجع معها في قبرها ..
فقال له أصحابه .. ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بها ..
فقال ..

"إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب .. أبرّ علي منها ..
إنما أنا ألبستها قميصي لتُكسى حلل الجنة ..
واضطجعتُ معها في قبرها ليهوّن عليها"


كذلك .. رأى رسول الله طيف (آمنة) في زوجه (خديجة) رضي الله عنها..
تلك التي سكن إليها منذ بلغ الـ 25 من عمره ..
حتى لحقت بربها قبل الهجرة بثلاث سنين ..
لم يستبدل بها سواها ..
ولم يضم إليه زوجة غيرها حتى ماتت ..
ولانسي لها طول عمره .. ما عوضته من حنان الأمومة ..
الذي افتقده منذ ودع أمه في الأبواء ..

أجل ..

لقد ذكر محمد (صلى الله عليه وسلم) أمه .. في كل هؤلاء ..
وتمثلها في بناته حين كبرن وصرن أمهات ..
ورأى صورتها في كل أم تحنو على ولدها ..
فما عُرف عنه أنه (صلى الله عليه وسلم) أنه كان ينفعل ..
بمثل تلك العاطفة الفياضة التي كان يجدها .. أمام أي مشهد أمومة..

فقالوا ..
أن سبيا قدم على النبي (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة..
فإذا امرأة منهم قد تحلب ثديُها .. فوجدت صبيا في السبي..
فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته..
فقال (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه ..

"أترون هذه طارحة ولدها في النار؟"

قالوا .. لا وهي تقدر ألا تطرحه ..

فقال ..

"الله ارحم بعباده .. من هذه بولدها"

وما أرتاب في أنه (صلى الله عليه وسلم) ..
كان عامر القلب بذكر أمه ..
حين ارتقى بالأمومة إلى ما فوق البشرية ..
فوضع الجنة تحت أقدامها ..
وجعل البِر بها مقدما على شرف الجهاد في سبيل الله والدار الآخرة..

إذ جاءه الصحابي معاوية السلمي.. رضي الله عنه..
يستأذنه في الخروج إلى الجهاد ..
فسأله (صلى الله عليه وسلم)..

"أ حية أمُك؟"

قال .. نعم ..

فأمره أن يرجع إليها .. فيبرها ..

فعاود معاوية استئذانه في الخروج للجهاد ..
فأعاد (صلى الله عليه وسلم) سؤاله عن أمه..
ثم أمره أن يرجع إليها .. فيبرها ..

فلما كانت المرة الثالثة ..
وعاد معاوية يلح في الظفر بشرف الجهاد ..
كرر الرسول الكريم

" أ حية أمُك؟"

قال .. نعم ..

فما كان منه (صلى الله عليه وسلم) إلا أن قال..

"ويحك! الزم رجلها فثمّ الجنة"

وفي رواية .. "فالزمها .. فإن الجنة تحت قدميها"

وإن الإنسانية لتصغي اليوم .. وغدا ..
إلى قوله (صلى الله عليه وسلم) ..

"إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها
فاسمع بكاء الصبي .. فأتجاوز عن صلاتي كراهية أن أشق على أمه"


فلا يغيب عنا ..
أنه كان يتلمّح طيف (آمنة) في تلك المرأة .. صلى الله عليه وسلم ..

أليس هو الذي قال ... بأبي هو وبأمي ..

"لو كنت ُ أدركتُ والداي .. أو أحدهما .. وأنا في صلاة العشاء ..
وقد قرأت فاتحة الكتاب .. تنادي: يامحمد .. لأجبتها: لبيك ِ "


وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
 
الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 18انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3 ... 9 ... 18  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عباد الرحمن الإسلامي الاجتماعي :: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ :: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ-
انتقل الى: