منتدى عباد الرحمن الإسلامي الاجتماعي

لتوعية المسلمين بشؤون دينهم ودنياهم ونبذ التحزب والتمذهب والطائفية ولإنشاء مجتمع متوحد على ملة أبينا إبراهيم وسنة سيدنا محمد (عليهم الصلاة والسلام)
 
الرئيسيةاليوميةالتسجيلدخول
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا * فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا * أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
الموسوعة الحديثية http://www.dorar.net/enc/hadith
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ http://tanzil.net
إِنَّ هُدَى اللَّـهِ هُوَ الْهُدَىٰ
قال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع (الا أخبركم بالمؤمن: من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده ، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)
شاطر | 
 

 تــــأملات في ســــورة يـوسف .. !

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30633
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: تــــأملات في ســــورة يـوسف .. !   29.10.13 5:43

يقول الله _تعالى_: "وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"(1).

إن هذا المشهد يطبع في النفس إحساساً خاصاً تعجز كلماتي عن التعبير عنه ولنحاول التقريب،

فيا ترى ما سر تلك الريح؟

وأين فصلت العير؟

قالوا (فصلت) أي خرجت من حدود مصر ودخلت في حدود الشام، عندها قال يعقوب عليه السلام للحاضرين من أهله وأبناء بنيه: (إني لأجد ريح يوسف)، قال الرازي: "التحقيق أن يقال: إنه تعالى أوصل تلك الرائحة إليه على سبيل إظهار المعجزات لأن وصول الرائحة إليه من هذه المسافة البعيدة أمر مناقض للعادة، فيكون معجزة ولا بد من كونها معجزة لأحدهما والأقرب أنها ليعقوب عليه السلام، حين أخبر عنه ونسبوه في هذا الكلام إلى ما لا ينبغي، فظهر أن الأمر كما ذكر فكان معجزة له"، وهذا هو الظاهر فإن المعجزة إن كانت ليوسف عليه السلام لوجد ريح قميصه القاصي والداني، ولكن الإعجاز كان في شم يعقوب أو في وصول الريح له خاصة، ...

ثم قال: "قال أهل المعاني: إن الله _تعالى_ أوصل إليه ريح يوسف _عليه السلام_ عند انقضاء مدة المحنة ومجيء وقت الروح والفرح من المكان البعيد، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدة ثمانين سنة(2)، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فهو في زمان الإقبال سهل".

فإذا أقبلت على أمر يحزب فقل بلسان المؤمن الموقن: اللهم لا سهل إلاّ ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً.

ثم قال: "ومعنى: لأجد ريح يوسف أشم وعبر عنه بالوجود لأنه وجدان له بحاسة الشم، وقوله: "لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ" قال أبو بكر ابن الأنباري: أفند الرجل إذا حزن وتغير عقله وفند إذا جهل ونسب ذلك إليه، وعن الأصمعي إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو المفند قال صاحب «الكشاف»: يقال شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة، لأنها لم يكن في شبيبتها ذات رأي حتى تفند في كبرها فقوله: "لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ" أي: لولا أن تنسبوني إلى الخرف".

وتأملوا ذلك الموقف أب مكلوم محزون ينتظر أي خبر يفرحه، وأهلٌ وأحفاد وأبناء يلاحقونه بالتثريب واللوم لكثرة ما يذكر يوسف عليه السلام، ينتظرون أي كلمة يقولها حول يوسف ليشرعوا في النفي والعتاب، ولعل مرادهم تيئيسه من أمر طال رجاؤه له حتى أضر به، وما أصابوا..

بل الذي ينبغي إذا رأيت محزوناً، إذا رأيت مصاباً، أن تواسيه، وإياك أن تضيف إلى مصيبته مصيبة وإلى حزنه حزناً، حاول أن تساعده، حاول أن تبث التفاؤل في نفسه، حاول أن ترفع من روحه المعنوية حتى تخفف من مصيبته، فإن لم تستطع فكف شرّك عنه.. إن لم تكن لديك القدرة على مساعدته في محنته حسياً أو معنوياً فاحبس أذاك عنه، عنه كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – في وصيته لأبي ذر لما قال له: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: "تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك"

وبعض الناس تتمنى لو يكفوا شرهم فتلك صدقة على أنفسهم وعلينا، ولكنهم يثرِّبون ويتكلمون وهم لا يعلمون، ويعقوب عليه السلام في الوقت الذي يتطلع فيه إلى أي خبر عن يوسف يتحسب ردة فعل هؤلاء الأبناء فيستدرك قائلاً: "لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ"، فهل أجدى التحسب شيئاً؟ ما أن انتهى من كلمته حتى قالوا متعجبين: "تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ" ]،

قيل مرادهم بالضلال؛ حبك فهي كلمة الأبناء نفسها: "إن أبانا لفي ضلال مبين"، وقيل: شقاؤك، كما قيل في قوله: " إنا إذاً لفي ضلال وسعر"، وقيل المعنى في ذهابك عن الصواب في شأن يوسف، وقيل غير ذلك، وأياً ما كان مرادهم فإن العبارة فيها غلظة وخشونة ما كان لهم أن يوجهوها لأبيهم فضلاً عن نبي، وذلك من جملة بلاء يعقوب عليه السلام الذي قضاه الله له ليرفع به درجته، فإن ظلم وجهل القرابة وقعه في النفس شديد:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة - على المرء من وقع الحسام المهند

فياللعجب يتحسب ويقول: "لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ"، فما أغنى شيئا عنهم ووقع التفنيد مؤكداً بالقسم، شأن الناس في إنكار ما لم يحيطوا بعلمه، "قالوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ" سبحان الله! من الذي يحق له العجب! أي ضلال قديم! إن قلتم حب يوسف فهل كان ضلالاً؟ أو قلتم شقاؤك فبذنب من؟ وإن أردتم ذهاب رأيه وخطؤه في اعتقاد عودة يوسف لموته، فذلك هو العجب العجاب، وهكذا يكذب أحدهم الكذبة فتبلغ الآفاق، حتى تنطلي عليه فيعتقدها، ويظنها حقاً وما سواها باطل وضلال! فيالله متى أكل الذئب يوسف؟ حتى يجزم بموته أو استحالة عودته! بل هبه مات وانقضى فأي ضلال في أن يجد الإنسان ريح ميْتٍ أو يطوف بخياله طائفه، فكيف إذا كان المخاطب بذلك الكلام رجل: يعلم من الله ما لا يعلمون! لقد قالوا كلمة شنيعة وأخطؤوا خطأ قبيحاً وجاءوا فعلاً يدور بين الكفر والقول النكر، ويبدو أن الجهل عذر قديم، بيد أن ذلك طرف يصور شيئاً من بلاء الأنبياء وما لاقوه من عنت وتكذيب.

وبعد مدة ليست بالبعيدة وصل البشير يشتد متقدماً العير، يلوح بالقميص، وجاء اليقين، "فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ" ولعل إفراد ذكره لتقدمه البقية، "أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ"

ويبدو أن أولئك الأهل والأحفاد كانوا قريبين، أو أن جلبة البشير جمعتهم، ولست أدري كيف كان موقف أولئك المفندين، ويعقوب عليه السلام يقول: "أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ"، ولعل مما يلحظ في هذا المقام أن يعقوب عليه السلام لم يتهم الأبناء، ولم يقل لهم هذه المرة بل سولت لكم أنفسكم أمراً، وهذا يشعر بأنهم مصدقون عنده في الجملة، وأن اتهامهم له في شأن أخيهم كان متوجهاً للفهم وحقيقة الأمر لا أصل النقل، ومع ذلك حتى لا يظن ظان أن سبب تصديقه هو ما درج عليه الناس من إسراعهم للخبر الذي يعضد ميلهم، ويوافق هواهم، لأن النفوس ترغب فيه، وتميل إلى وقوعه، "قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون"، فالأمر علم علمه له اللطيف الخبير، كان يترقب موعده عن يقين
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30633
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: تــــأملات في ســــورة يـوسف .. !   29.10.13 5:45

الحمد لله وبعد

فلا زلنا مع قول الله _تعالى_: "وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"

والوقفة اليوم مع ما تشعر به هذه الآيات من أهمية مراعاة المقدمات للأخبار المفاجئة وفي قصة يوسف مع إخوانه أنه قبل أن يخبرهم أنه هو يوسف وهو خبر مفاجئ بالنسبة لهم مهد، وقال: "هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ" فكأن هذه تقدمة وتوطئة، وهنا كانت ريح القميص تمهيداً ليعقوب _عليه السلام_ فشم الرائحة قبل وصول الخبر وتلك من إرهاصاته، ولعل من نظر في نكتة المسألة وجد أن الدنيا دار تتقلب فيها الأحوال ويعرض للمرء فيها ما يسوؤه وما يسره، ما يخالفه وما يوافقه، وفي بعض الأحيان تعجز النفوس عن تقبل ذلك الوارد.

وإذا أمعنت النظر في السبب بدا لك أن ما ورد تقبلته نفوس ولم تحصل لها من المفسدة ما حصل لآخرين، بل ربما اختلفت حال المرء نفسه جراء خبرين فأَعْمَلَ فيه أحدهما أثراً سلبياً عظيماً، ولم يعمل الآخر في نفسه كبير أثر. ولذلك أسباب كثيرة لعل من أهمها تهيئة النفس لتلقى الخبر من عدمها، فهب أن رجلاً غافلاً آمناً أمسك به أحدهم على حين غرة فلوى يده خلف ظهره حتى كسرها، أو جاءه صبي على حين غفلة فروعه بصوت أو بصفع أو غير ذلك، فهل كان لهذا الصبي أو للأول الوصول إلى ما أراد إن كان المُباغَت مهيئاً لهما؟ لا أظن ذلك ربما ارتاع في الأول من الصبي وبالمقابل ربما ضحك في الثاني منه.

وكذلك إذا وضع أحدهم عوداً على دعامتين، وجعل أسفل ما سوى الطرفين خلاءً فلم يجعل على منتصفه دعامة، ربما سهل كسره بمثقل يرمى عليه، بخلاف ما لو جعل له دعائم على امتداد العود.

وهكذا وقع الأخبار على النفوس، بل القرارات والأحكام التي تأتي على غير مرادها، وتخالف مألوفها أو أصلاً كانت عليه. ولهذا كان من الأهمية بمكان تهيئة من حمل إليه خبر من هذا القبيل، فإن كان لابد أن تلقي خبراً ثقيلاً على أحد فاختر الحال المناسبة حتى لاتكسر ظهره، أو هيئه ليستقبل الخبر.

وهذا المنهج منهج قرآني ولعل من أمثل ما يوضح ذلك خبر نبي الله يعقوب هذا، فقد أجرى الله معجزة خارقة للعادة ولعل من أسباب ذلك مراعاة ما ذكر.

فالمقدمات قبل الأخبار السارة أو المحزنة مهمة جداً والأخبار إذا جاءت فجأة قد تكون لها تأثيرات على النفس لا تحمد عقباها، وهذا يصب في إطار ما سبق التنويه به من شأن العناية بالقضايا النفسية، فإذا رأيت مبتلى أصابته مصيبة لم تكن له في حسبان، فالكَيْس الكَيْس، انظر كيف تخبره وتدرج عليه وقع الأمر شيئاً فشيئاً، وربما راعى بعض الناس هذا في الأخبار المحزنة وغفل عن مراعاته في الأخبار المسعدة، وكم وقعت بسبب خبر سار مفاجئ لم يتوقعه المرء انعكاسات سلبية، وقد أثبت المؤرخون ورواة الأقاصيص خبر من فجئ بالخبر السعيد فمات، ومن فقد عقله بالكلية، ومن فقد صوابه في موقفه، وربما كانت تلك الأخبار التي يذكرها المؤرخون لها أسباب معقولة مقدرة، ويغني عنها ويشهد للمعنى الذي نريد منها ما يتناقل من أخبار بعض الرياضيين فمن ميت كمداً بسبب هدف دخل مرمى فريقه- الذي ربما فاز بعد! ومغمى عليه سعادة بسبب هدف أصابه فريقه، الذي ربما انهزم(1) بعد!

وهذا وإن دل على سفه العقول إلاّ أنه يبين أثر المفاجأة المسعدة أو المحزنة على بعض الناس، ولاسيما إذا ضعف القلب ورق، إما لأمور عادية من نحو مرض وكبر سن وغيرهما، أو لأمور أخرى كتراكب هموم، وضعف نفس. والشاهد أن في تلك التهيئة لتلقي النبأ درس تربوي جدير بالتأمل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30633
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: تــــأملات في ســــورة يـوسف .. !   29.10.13 5:48

بعد أن جاء البشير، وبان الأمر، وظهر صدق من صدق بالغيب لم يملك الأبناء والأحفاد إلاّ أن "قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ" ، وجمع لفظ (ذُنُوبَنَا) مقصود فليس الذنب ذنباً واحداً، ومن تأمل مطلع السورة بدت له سلسلة ذنوب وجرائم، وقولهم: (اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) أي سل الله أن يعفو ويتستر جرائمنا، وكأن حذف المفعول لقصد تأكيد طلب المغفرة من كل من له حق، فهي مبالغة في سؤاله طلب المغفرة من الله، ثم ممن له حق ولايسعه رد شفاعة يعقوب كأم يوسف وأخيه، وكأخويهم، وقد شفعوا هذا الطلب بالإقرار المُؤكَّدِ بإنّ، المحققِ لحصول التوبة من ذنب سلف في الماضي فقالوا: "إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ"، أتينا الخطأ عن عمد فصح إنزال وصف الخطأ علينا، والإقرار بالذنب على وجه الخضوع ضرب من الاستغفار، كما في قول العبد الصالح: (إني كنت من الظالمين) فهذا يتضمن طلب المغفرة.

فإن الطالب السائل تارة يسأل بصيغة الطلب، وتارة يسأل بصيغة الخبر؛ إما بوصف حاله، وإما بوصف حال المسؤول، وإما بوصف الحالين كقول نوح _عليه السلام_: "رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين"، فهذه ليست صيغة طلب وإنما هو إخبار عن الله أنه إن لم يغفر له ويرحمه خسر، وهنا هؤلاء أقروا واعترفوا بأنهم كانوا خاطئين، والاعتراف بالذنب في الدنيا دأب الأوابين، وسبيل الصالحين، قال الله _تعالى_: "وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".

وهنا لك أن تقارن بين قولهم أول القصة: "يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ" ، وبين مقامهم هذا المقام الذي تقرع فيه سن الندم، وتسكب في مثله عبرات التوبة، ويعض على النواجذ من الأسف، "قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ" إنه موقف من أصعب المواقف، فما أشد لحظات الخضوع والاعتراف وما أقساها، فإياك إياك وما يعتذر منه!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30633
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: تــــأملات في ســــورة يـوسف .. !   29.10.13 5:50

إن مقام الاعتذار مقام صعب عسير ينبغي للعاقل أن يحرص ألا يعرض نفسه له، ولكن بالمقابل ما أشرفه من مقام وأكرم بصاحبه وأنعم إذا وقفه من اختار سبيل الرشاد، ورأى الرجوع إلى الحق خيراً من التمادي في الباطل، قد يعظم الذنب وقد يسود منه الوجه، بيد أن عبرات التوبة كفيلة بجلائه، ويعقوب _عليه السلام_ يدرك هذا، فكيف كان موقفه لما " قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ"

ماذا فعل؟ هل طردهم، هل عاقبهم، هل عنفهم، هل بكتهم؟!

أيها الآباء
أيها الأمهات
أيها القادة
أيها المسؤولون

تعاملوا مع الناس بالشفقة

تعاملوا مع الناس بالرفق

تعاملوا مع الناس بالإحسان

تعاملوا مع الناس بالرحمة

ولتكن لكم في الأنبياء أسوة، لقد أُجرِم في حق يعقوب _عليه السلام_، ولم يُكتف بالجرم، بل سنوات طوال يسمع فيها يعقوب _عليه السلام_ الأذى، وإلى حين قدوم البشير، فما ندت منه عبارة ولا تفلَّتت من بين شفتيه لفظة، ثم هاهو يصفح الصفح الجميل كما صبر الصبر الجميل.

فما بال بعض الأمهات وبعض الآباء وبعض المسؤولين عندما يعثر إنسان أمامهم فيسقط في خطيئة أو يجيء ذنباً، ما بالهم يهوون عليه بسياط اللوم والتثريب، ألا مدوا إليه أيدي الشفقة! نعم قد يحدث –بعد ذلك- عفو ولكن بعد أن تضيع فرصة للاستصلاح والتقويم، ويفسد الجو بأنفاس الانتقام المحمومة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30633
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: تــــأملات في ســــورة يـوسف .. !   29.10.13 5:53

ووقفتي الساعة مع قول الحق سبحانه خبراً عن نبيه يعقوب: "قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" ، إن هذا الخطاب منه عليه السلام يشعر في فحواه بمغفرته لهم في الحال، فإنه لايطلب المغفرة ولايعد بها إلاّ من غفر، فالأظهر أن يعقوب عليه السلام لم يؤجل العفو عنهم، بل لا يبعد أن يكون قد استغفر لهم الله، وإذا استحضرت ما ذكر عند التعليق على حذف المفعول في طلبهم: (استغفر لنا)، بدا لك أنه لايمكنه إلاّ أن يعد بالاستغفار في المستقبل، فهناك حق لله، وحق آخر متعلق ببعض خلق الله.

ثم إن التعويل في إسقاط حق الله على توبتهم هم واستغفارهم هم، ولاشك أن دعاء الصالحين من مظنة أسبابه أيضاً، أما حق المخلوق ولاسيما من كان ليعقوب عليه حق فشأن آخر، وهم طلبوا منه سؤال مغفرة الحقين، فكان يسعه أن يقدم أحدهما وهو حق الله ولما كان هذا الحق يحسن الإلحاح فيه، وكان سؤاله إياه المرة بعد المرة مما يحبه سبحانه، ناسب أن يعد الأبناء بملازمته في المستقبل، وتكراره في أحرى الأوقات وكل ذلك تشعر به (سوف)، كما ناسب الوعد بالتسويف حال الآخرين الذين لايسعه طلب عفوهم عن إخوتهم وأبنائهم إلاّ بعد حين، فناسب ذلك أن يصرح باستغفاره الله لهم إذا جاء الأوان المناسب.

وقد ذكر المفسرون في هذا التسويف أقوالاً فبعضهم ذكر أنه سوف إلى حين لقاء يوسف وبنيامين، وبعضهم ذكره التوسيف إلى السحر، وبعضهم إلى ليلة الجمعة، وساقوا آثاراً لم يصح في المرفوع منها شي، بل كثير مما روي عن الصحابة موقوفاً لم يصح، ولعل مراد من قاله من السلف في الجملة بيان بعض الأفراد فكأنه أراد سوف أتحرى آخر الليل في استغفار الله لكم، وساعات الإجابة، وكذا الأحوال الفاضلة، أو عندما ألقى من لهم الحق كيوسف وأخيه.

كما أن في تسويفه لفتة تربوية فكأنه أراد أن يشعرهم بعظم الجريرة وأنه لا يملك أن يقضي فيها عجلاً، وهذا توجيه يناسب مقام الأب أو الجد، أما يوسف عليه السلام فقد قام مقام الأخ الأصغر، فما أن رأى إقرارهم بالذنب حتى أسقط حقه واستغفر الله لهم: "قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" ، ولعله لم يتكلم إلاّ بلسان نفسه فهو لا يملك الحق الذي يخوله التصرف في أمر أخيه بخلاف أبيه فإن له أن يأمر ويطلب ويقضي البر بوجوب الإجابة. والشاهد هو أن يعقوب _عليه السلام_ لم يهون ما لم يكن من حقه أن يهون شأنه، أو يتساهل فيما لا يملك أن يتساهل فيه ولكنه أشعرهم بحرصه على السعي فيما أرادوا. ومع ذلك لم يدخل اليأس إلى نفوسهم فعقب قائلاً: "..إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30633
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: تــــأملات في ســــورة يـوسف .. !   29.10.13 5:56

ما بين لحظات تحول الأبناء من موقف التفنيد إلى مقام الاعتذار، وقد كان إظهار التوبة وسؤال المغفرة في ذلك المقام من الأبناء من الحكمة، فهم بادروا لما بدت لهم الآيات فلم يتكبر أحدهم عن الرجوع إلى الحق الذي سطع برهانه، كما أن نفس أبيهم في ذلك المقام منشرحة وعينه قريرة فحري به أن يجيب، وهنا تنبيه للأبناء بأن يتحرى أحدهم عند طلبه من أبيه مُهماً الوقت المناسب، والحال المناسب، فكم من ابن طلب من أبيه أمراً فرده ثم لما ناسب طلبه حالاً أو زماناً أجابه، وكذلك الحال بالنسبة للزوجة مع زوجها، فينبغي للحصيفة العاقلة أن تحسن اختيار الوقت والحال التي تطلب فيها من زوجها، بل حتى الزوج أو الأب إذا أراد أن يقع أمره موقعه أو يأخذ تنبيهه النصيب الأوفى من الامتثال والتقدير، فعليه أن يوجهه للابن أو الزوجة في الوقت المناسب والحال المناسبة.

وبعض أذكياء الأبناء إن أرادوا من أبيهم شيئاً وخافوا رده لهم، بعثوا أحد الأبناء أو إحدى البنات الآتي يظنون أن لها حظوة عند والدهم وقد تكون الصغيرة في أحيان كثيرة أو الصغير، في وقت صفاء انشرح فيه الأب، وكل ذلك من الحكمة، فاختيار الوقت، والمكان، والشخص المناسب، مؤثر في إجابة الطلب من الأب أو الأم أو الزوج الزوجة، بل حتى من المسئولين، فإذا كانت لك قضية وتريد أن تتقدم إلى المسؤول بطلب فيها فكن لبقاً؛ أحسن الأسلوب، وتخير الحال المناسب وكذا الوقت والمقام.

وهكذا صنع أبناء يعقوب طلبوا من أبيهم أن يطلب لهم العفو والستر ممن له حق عليهم، فاختاروا الشخص المناسب وهو الأب ولايبعد أن يكون مخاطبه أحد الأبناء الذين ربما توهموا له أثرة عنده، وعبر بالجمع لأنه المتحدث بلسانهم، الناطق الرسمي عنهم، ثم هم قد طلبوا منه في الوقت المناسب الذي انشرحت فيه نفسه، وانفرجت فيه أساريره، وبالأسلوب المناسب إذ أقروا واعترفوا بالخطأ، وكذلك يعقوب عليه السلام أخر طلب العفو والستر إلى الوقت المناسب فقال: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"، وبالأسلوب المناسب الواعد المذكر برحمة الله ومغفرته.

ومن الفوائد في مقام الإخوة ذلك المقام بيان أن "العبرة في حال العبد بكمال النهاية، لا بنقص البداية، فإن أولاد يعقوب عليه السلام جرى منهم ما جرى في أول الأمر، مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح، والسماح التام من يوسف ومن أبيهم، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد عن حقه، فالله خير الراحمين".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30633
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: تــــأملات في ســــورة يـوسف .. !   29.10.13 6:14

أن من أسباب اختيار سورة يوسف: الدروس والعبر التي اشتملت عليها، وبخاصة مما تشتد حاجة الناس إليه في هذه الأوقات، ولهذا قال الله _سبحانه وتعالى_ في أولها: "لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ" ، ثم ختم في آخرها بقوله: "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى" ، وأشير فيما يلي إلى بعض تلك الدروس والعبر التي احتوتها السورة، إشارات عابرة، وأسأل الله أن ييسر بسطها في مقالات لاحقة، فمن تلك الدروس ما يلي:

1- هذه السورة المكية ترسم المنهج الحق للداعية في الدعوة إلى الله _تعالى_، كما قال الله _تعالى_: "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ" ، والأمة اليوم قد بعدت عن عهد النبوة، فشاع في بعض جوانبها بعد عن المنهج النبوي في كثير من المجتمعات الإسلامية، ولهذا الخلل المنهجي تأخر الانتصار وضعفت النتائج، وفي هذه السورة بيان واقعي عملي للمنهج النبوي الذي إن أخذنا به لن نضل بعده أبداً، مصداقاً لقوله _صلى الله عليه وسلم_: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي" ومن هذه الدروس التي تبين هذه الحقيقة أن النجاة والسلامة والسعادة بمقدار الالتزام بالكتاب والسنة، والرجوع إليهما.

2- ومن الدروس في هذه السورة التفاؤل العجيب الذي يبعث الجد والأمل في نفوس الأنبياء، يوسف _عليه السلام_ في كل مراحل حياته لم يفارقه التفاؤل، وأبوه يعقوب _عليه السلام_ في أحلك وأشد ظروفه لم يفارقه التفاؤل، حتى أنك تجده -عليه السلام- يخاطب بنيه في مدة حرجة، وذلك عندما جاؤوا بنبأ حجز أخيهم في مصر، فيقول: "بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ"، ومع أنه في تلك الحالة، ومع حرج الموقف، ومع تلك الظروف، ومع قول بنيه: "تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ" . يقول لهم: "يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ". وأمتنا تعيش هذه الآونة ظروفاً حرجة شديدة، فما أحوجها للتفاؤل، الذي يدفعها للعمل من أجل تحقيق موعود الله لها، فإن المهزوم من هزمته نفسه قبل أن يهزمه عدوه، وإذا دخل اليأس والقنوط على القلوب فشلت وخارت واستسلمت لعدوها. فلتأخذ من يعقوب درساً، فيعقوب _عليه السلام_ لم يفارقه التفاؤل أبداً، وكذلك كان يوسف _عليه السلام_ ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.

3- ومن الدروس في هذه السورة العظيمة نبذ ثلاثة أمور مهلكة، نادت السورة بمجموعها إلى قول: لا في وجهها، هذه اللاءات الثلاثة التي نادت السورة، هي: لا تنازل، لا استعجال، لا يأس. فيوسف ووالده _عليهما السلام_ لم يصاحبهم الاستعجال ولا اليأس ولا التنازل. وهذه الثلاثة إذا دخلت على الفرد أو الأمة أهلكتها.
فالاستعجال عاقبته وخيمة، ومن المقرر أن من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه.. قضاءً.. وواقعاً. أما التنازل، فهو الداء الذي وقع فيه كثير من الناس، بل كثير من الجماعات الإسلامية في عصرنا الحاضر مع الظالمين، فكان من الطبيعي ألا يتحقق النجاح المأمول. وأما اليأس والتشاؤم فإذا دخل على النفوس أحبطها وأتعبها وأثقلها، ومن كانت نفسه مضعضعة مهزوزة فكيف ينتصر على عدوه! إن خذلان النفس لصاحبها من أول أسباب انتصار عدوها، وقد تمنع أقوام في حصون ودساكر "فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ"

4- إن من أعظم أسباب عدم استجابة الناس، التذبذب والاضطراب والتغير في حياة الداعية، ومن دروس هذه السورة اضطراد منهج يوسف –عليه السلام- وعدم تذبذبه، من أول حياته، وحتى آخر لحظات عمره، فهو مضطرد مستمر في منهج معتدل في سرائه وضرائه؛ في البئر، في السجن، في الملك، وهو يرفع أبويه على العرش ويخروا له سجداً، في كل أحواله التي قصتها الصورة تلحظ اطراداً عجباً، والدعاة وطلاب العلم، بل الأمة كل الأمة تحتاج إلى الاستقامة والاطراد على المنهج الصحيح، وبخاصة في هذه الظروف التي تقلب فيها رياح الفتن أوجه القلوب وتصرفها.

5- نجد أيضاً في هذه السورة أهمية القصة وأثرها على حياة الداعي والمدعو، وقد اشتملت سور القرآن على عدد من القصص كما بين الله في هذه السورة "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ" ، ، وقال: "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ" ، فالحاجة ماسة باستخدام هذا الأسلوب القرآني من قبل الدعاة وطلاب العلم، وبعضهم يقلل من أهمية هذا الأسلوب من حيث لا يشعر، مع أن القرآن أعطاه أهمية كبرى، فالقرآن مليء بقصص الأولين وأخبار الماضين.

6- أيضاً في هذه السورة دروس سلوكية وأخلاقية وتربوية ونفسية مهمة، وخذ في هذه العجالة على سبيل المثال نموذجاً إلى أن يأتي موضع التفصيل؛ تأمل في هذه السورة الدعوة إلى عفة اللسان.. تجد يوسف _عليه السلام_ قد قام داعية وأستاذاً يلقي المحاضرات العملية في هذه القضية في كل السورة، تأمل على سبيل المثال يوم أن جاء الرسول يأمر بإخراجه من السجن، فأجابه: "ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ" فلم يشر إلى امرأة العزيز، ولم يقل: التي راودتني، وإنما اكتفى بإشارة اقتضتها الحاجة إلى تبرئة مقامه.

وعندما اتهم بالتهمة الباطلة، في قول إخوته كما حكى الله عنهم: "إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ" لم يتول رداً أو إساءة بل كتم جوابه، وكظم غيظه وقال في نفسه ماحكاها الله بقوله: "أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً"

ومن عفة لسانه أيضاً عندما قالوا له: "إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" قال: "مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ" فلم يقل لن نأخذ إلا السارق ؛ لأنه يعلم أن أخاه لم يسرق، ولذلك جاء بعبارة دقيقة، فقال: " إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ" فلم يصفه بما هو منه بريء.

7- كذلك نجد في السورة قواعد وأصول في سياسة الشرعية التي نحن في أمس الحاجة إليها في هذا العصر، نجد قواعد وأصول في الشورى، في التخطيط، في بعد النظر، في العدل... وغيرها.

8- نجد في السورة أيضاً قواعد وأصول في معالجة الأزمات، على مستوى الفرد وعلى مستوى الأمة، وأمتنا تمر بأزمات متنوعة، ومن أقوى الأزمات التي ورد ذكرها في السورة السبع الشداد والسبع التي فيها الخصب، وفي أسلوب إدارته - عليه السلام -للأزمة التي مرت بمصر فوائد ينبغي أن نقف معها.

9- نجد أيضاً في السورة منهاجاً في الحكم على الرؤى، وبيان لبعض شأنها فالسورة ذكرت الرؤيا في ثلاث مواضع مبسوطة من جملة ستة في القرآن، وقد قال _صلى الله عليه وسلم_: "أيها الناس لم يبق من مبشرات النبوة إلاّ الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له" ، غير أنه وقع فيها –عند الناس- من الخلل والخطأ ما ينبغي التنبيه عليه، فهناك من أنكر الرؤيا وقلل من شأنها وقال كما قال أصحاب الملك: أضغاث أحلام، وهناك من جعل الرؤيا تشريعاً _بكل أسف_ وآخرون وسط بين ذلك.

10- نجد في السورة كذلك عاقبة المكر، وأنه يرجع على صاحبه، فإخوة يوسف مكروا به "وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ" من أجل إبعاده، فكيف كانت العاقبة؟ امرأة العزيز كادت ومكرت، غلقت الأبواب، وأعتدت للنساء متكأً، وادعت، فلمن كانت العاقبة؟ إن المكر يحاك الآن على مستوى الأمم وعلى مستوى الأفراد، وسورة يوسف تقول لكل ماكر: إياك إياك.. "وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" ، "وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ" وفي ذلك طمأنة للأمة وبيان لها بأن مكر أعدائها سيبور ويرتد عليهم.

11- كذلك نجد في سورة يوسف قصص التائبين المستغفرين، وأثر التوبة والاستغفار في الحياة، وقد تتبعت الدعوة إلى التوبة والاستغفار في القرآن فوجدت أنه ما من نبي إلا أمر قومه بهما. وجدت أن في الاستغفار سهولة على اللسان، مع أنه من أخص الدعاء والدعاء هو العبادة كما في الحديث، وقال الله _تعالى_: "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ"، فالتوبة والاستغفار من السمات الظاهرة في سورة يوسف _عليه السلام_.

12- نجد في هذه السورة استثمار الفرص، وخاصة من قبل يوسف _عليه السلام_ في السجن، قبل السجن، بعد السجن، وهو عزيز مصر، والأمة بحاجة إلى أن تستثمر الفرص استثماراً حقيقياً في موضعه.

13- نجد أيضاً الصبر وعاقبته، وبياناً لبعض أنواعه "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ" كما صبر يعقوب _عليه السلام_، وكما صبر يوسف. "إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ"

14- وأخيراً نجد الإحسان في سورة يوسف، والإحسان أشمل مما يفهمه كثير من الناس، بل كثير من الناس يفسر الإحسان بمعنى قاصر، وهو إعطاء المحتاج، أو التصدق على المحتاج. غير أن الإحسان في سورة يوسف، ورد في قرابة خمسة مواضع، في كل مراحل حياته، فكان سبباً من أسباب السؤدد والقوة والتمكين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30633
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: تــــأملات في ســــورة يـوسف .. !   29.10.13 6:24

إن التلازم بين الشدة والفرج في سورة يوسف مطرد اطراداً عجيبا، وهذا المعنى، وهذه الدروس، وهذه الأمثلة التي سنتناولها، تعطي المؤمن ثقة بالله _جل وعلا_ وصدق توكل عليه، ولها آثارها العاجلة والآجلة في الدنيا والآخرة. إن من أخطر ما قد يمر بالمسلم أن يسيء الظن بربه _جل وعلا_ إذا نزلت به محنة، ويغفل عن التلازم بين الشدة والفرج،الذي أشار الله إليه في قوله _تعالى_: "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا"، ولن يغلب عسر يسرين، وهذا التلازم الواضح، الظاهر، البين، الجلي، بين الفرج والشدة من أجل أن يزداد المؤمن إيماناً بربه وثقة بوعده .

فكل واحد منا تمر به شدة، سواء صغرت أو كبرت، بل تمر بالمسلم شدائد عدة، فإذا فقد الإنسان الأمل هلك، ولكنه إذا أحسن الظن بربه، وقوي إيمانه به، فإنه سرعان ما يجد الفرج بين يديه. هذه هي الحقائق كما تعرضها سورة يوسف _عليه السلام_ نبدأ بها مثلا مثلا، من أجل أن يزداد إيماننا إيماناً.

فمن التلازم بين الشدة والفرج، أنه عندما اجتمع إخوة يوسف من أجل أن يتآمروا على قتله "اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ" (يوسف:9)، وهم يتآمرون كان أغلبهم يرون هذا القرار "اقتلوا يوسف"، جميعهم يرى هذا القرار إلا واحداً يأتي عن طريقه الفرج، وقبل أن يصدر القرار بالقضاء على يوسف "قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين" فيأتي الإنقاذ ويأتي الفرج فبعد أن كاد أن يصدر القرار، يأتي أعقل إخوانه، فيقول: لا تقتلوا يوسف، وهذا فرج بعد الشدة.

مثل آخر: عندما ألقوه في الجب، والإلقاء في البئر في وسط المدينة وفي وسط الحضر شدة عظيمة جداً، فكيف إذا اجتمع في هذا الجب العوامل التالية:
في وسط البرية..
بعيد عن أهله..
بعيد عن السكان..
والملقي في سن الصغر _عليه السلام_ دلت على ذلك أمور
منها: أنه لا يستطيع أن يسابق معهم، ولا يستطيع أن يدافع عن نفسه "أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون" إذن فهو صغير..
وقد فارق والديه..
والذين يلقونه من هم ؟ هم إخوانه..
تجمعت كل عوامل الشدة في هذا الصنيع، فأين الفرج

لقد جاء الفرج وهو يلقى في البئر "وأوحينا إليه لتنبأنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون"، أي فرج هذا؟ أوحى الله إليه وحي إلهام .. لا تخف من الهلاك، لا تخف ستعيش، وستصل إلى مكانة ومنزلة تنبئهم بأمرهم، بكيدهم وهم لا يشعرون.

وكلمة "وهم لا يشعرون" تدل دلالة خاصة، فنقله نقلة عظيمة من الجو المحيط به في داخل البئر إلى معنى آخر يقول له فيه: إنك ستعيش وسيكون لك شأن، وأنت الذي ستخبرهم بما فعلوا "قالوا أإنك لأنت يوسف قال أن يوسف وهذا أخي قد من الله علينا".. هذا فرج والله عظيم.

ونواصل أيضاً مع هذا الفرج الذي يتوالى كل ما نزلت شدة، وضعوه في البئر، تركوه، ذهبوا، هذه أيضاً شدة ولاشك، وإن كان أوحي إليه لينبأنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون، لكنه لا يعلم متى سيخرج من هذه البئر، وما هي إلا مدة زمنية قصيرة يدل عليها سياق الآيات وسياق القصة "وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام" هذا فرج آخر، حيث لم يمكث في البئر طويلاً، فما هو إلا أن جاء من يبحث عن الماء فتعلق بالدلو فخرج من البئر، إذن هي مدة قصيرة، وهذا فرج آخر غير الفرج الأول.

ثم يدخل في شدة أخرى عندما باعوه رقيقاً، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم _عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام_ مع غربته ومع أسره يباع وبثمن بخس رقيقاً، وهذا من أعظم الشدائد التي مرت بيوسف؛ لأنها شدة معنوية لا تقارن بكثير من الشدائد الحسية، فيأتي الفرج، أين الفرج؟

من الذي اشتراه؟ هل اشتراه من يسومه سوء العذاب؟ هل اشتراه من يهينه؟

كثير من الناس يهينون من يستأجرون وليسوا أرقاء مع أنهم مثلهم أحرار، ولكنهم لأنهم استأجروهم أهانوهم، وكم يعاني عدد من الأجراء ممن أجره من الإهانات والعبارات والألفاظ والسخرية والتسخير، فما بالكم بالرقيق المملوك، لكن الله _جل وعلا_ ينقذه بهذا السنة التلازم المطرد بين الشدة والفرج !

فالذي اشتراه عزيز مصر، لم يشتره من يهينه أو يسومه سوء العذاب، لكن اشتراه عزيز مصر، ثم لما اشتراه عزيز مصر، وعندما دخل به إلى بيته يقول لزوجته: "أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا". تأملوا هذا الفرج وهذه الرحمات التي تتوالى على يوسف _عليه السلام_ تلازم لا انفصال بين الشدة والفرج. رحمات، فيعيش في قصر العزيز مكرماً معززاً كأنه ابن مدلل، فينقذه الله من العبودية ومن الأسر إلى الشرف الذي يوصي به زوجته.

ولما راودته المرأة وغلقت الأبواب وحسبك بتلك شدة، امرأة متسلطة وغلقت الأبواب، فاجتمعت على يوسف _عليه السلام_ الشدة الحسية والمعنوية، ثم يأت الفرج، كيف؟
أولاً عندما أراه برهان ربه "ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه"، فرؤية البرهان هنا من الله _جل وعلا_ فرج عظيم جداً. إنقاذ الله له وحمايته من أن يقع في المعصية فرج عظيم "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك".

ثم يتوالى الفرج بهروبه من هذه الفتنة العمياء.

ثم لما لحقته وقدت قميصه من دبر وكادت أن تمسك به، في تلك اللحظة التي وصلا فيها عند الباب "وألفيا سيدها لدى الباب"، وهذا فرج آخر.

ثم لما بهتته "قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"(يوسف: من الآية25)، وهذه شدة جديدة وبلاء جديد؛ لأن المرأة هي المصدقة. مع سرعة بهتانها وسرعة اتهامها، والمرأة تصدق هنا أكثر مما يصدق الرجل. فيأتيه فرج جديد "وشهد شاهد من أهلها" هذا فرج عظيم أنقذ يوسف من هذه الدعوى التي بهتته بها، زوجة العزيز، ولذلك اعترف زوجها بذلك، وقال لها: "استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين"، وبرأ يوسف "يوسف أعرض عن هذا"، بينما عرف أن زوجته هي الخاطئة.

ومرة أخرى تستمر الضغوط في قصة النسوة اللاتي قطعن أيديهن حتى قالت في آخر القصة: "لئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكوناً من الصاغرين". بعد أن انتهى من الشدة الأولى، فإذا هي تعود مرة أخرى، وبدل أن كان الأمر فردياً، فإذا هو أمر جماعي. النسوة مع امرأة العزيز، كلهن أجمعن على ذلك كما في خطابه ودعائه "قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه"، ما قال: مما تدعوني إليه امرأة العزيز. شدة جديدة، فيلجأ إلى الله _جل وعلا_ ويتضرع بين يديه "رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين".

فيأتي الفرج "فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم".

قد يقول قائل: وهل السجن فرج؟ أقول: نعم، السجن فرج في مقابل البلاء الذي أشار إليه "أصب إليهن وأكن من الجاهلين".

وفي داخل السجن -والسجن بلاء والشدة- يتوالى عليه الفرج، ليصبح في داخل السجن لا كسائر السجناء، بل يصبح آمراً ناهياً عزيزاً كريماً سيداً مطاعاً، وهذا يخفف من معاناة السجن، وهو فرج واضح في سياق القصة.

وعندما جاءت رؤيا الملك بعد أن طالت مدته في السجن، واشتد عليه السجن، ولبث في السجن بضع سنين، رأى الملك هذه الرؤيا العظيمة، فإذا هي سبب فرج الله به عنه، فمن الذي جعل الملك يرى الرؤيا؟ هو الله

ومن الذي قدر ألا يعبرها إلا يوسف؟ هو الله

ومن الذي ذكّر هذا الرجل وقد نسي يوسف؟ هو الله.

فرج عظيم.

ثم في آخر القصة يأتي فرج آخر يزيل كل ريبة وتهمة في حق يوسف من هؤلاء النسوة، فتقر امرأة العزيز أنها هي التي راودته. الآن حصحص الحق، الآن تبينت المسألة، أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين. ما أعظمه من فرج والله. تعترف هذه المرأة، ثم يبرأ من قبل النسوة، ما علمنا عليه من سوء، وهذا فرج عظيم، واعتراف من المرأة، يبين أن صفحة يوسف _عليه السلام_ بيضاء نقية.

وفي نهاية القصة عندما بلغ اليأس مبلغه، وعندما أصبح يعقوب – كما وصفه مولاه "وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم"، ويزداد شدة الأمر عندما قال له أبناؤه: "تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين".

قال: "إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون"، "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون"، وهنا بلغ الأمر مبلغه، وبلغت الشدة مبلغها، فيأتي الفرج "فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون" ويتوالى الفرج، ويرسل قميصه إلى أبيه فيأتيه الفرج ويرجع إليه بصره "قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون"

وهكذا يتوالى الفرج في القصة..

فيا أيها المؤمن، لا تقنط، لا تيأس "إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" مهما توالت عليك الشدائد فلا تيأس من روح الله، كم توالت الشدائد على يوسف وعلى يعقوب _عليهما السلام_ شدة بعد شدة، ومحنة بعد محنة، فيحدث ما يحدث ويأتي الفرج متوالياً، فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً، وقد روي أنه "لن يغلب عسر يسرين". فثقوا بالله وبوعده، وازدادوا إيماناً بصدق وعده _جل وعلا_ والتجئوا إليه تجدوا الفرج "إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 30633
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: تــــأملات في ســــورة يـوسف .. !   29.10.13 6:29

نواصل تأملاتنا في سورة يوسف...

أيها الأحبة: المرء إذا أصيب بهَمٍّ أو غم يحتاج إلى من يواسيه ويسليه ويخفف عنه. بعض الناس _هداهم الله_ يضيفون إلى البلاء بلاء. يأخذون في التعنيف. يكفيه ما هو فيه. «لا تنهرن غريباً حال غربته»، يعني تكفيه غربته.

كذلك إذا ابتلي المرء، وأخذ الناس من حوله يقنطونه ويزيدون همه، عليه ألا يستجيب لهم، وأن يستعن بالله ويتوكل عليه. ماذا قال يعقوب _عليه السلام_ لأبنائه؟ "قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ". كأنه يقول لهم: إليكم عني، دعوني، أنتم لا تعيشون مأساتي ولا تعلمون ما أحسّ به من أمل وتفاؤل وحسن ظن بالله _جل وعلا_. تأملوا هذه المشاهد العجيبة مشهد هذا الأب المحزون المكلوم، ومع ذلك لا يفرط في التفاؤل، وهؤلاء الذين هم سبب المشكلة، ومع ذلك يقنطونه يزيدونه مشكلة إلى مشكلته. "قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ" فالمسلم يشكو بثه وحزنه إلى الله لا إلى الخلق.

فإن كان لابد أن يبث بعض همومه لمن حوله فليبثثها لمن يساعده ويخفف عنه، مع أنه إذا استطاع ألا يفعل ذلك إلا للواحد الأحد _جل وعلا_ فليفعل، فهو الذي يسلي المؤمن وهو الذي يرفع البأساء. "أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ"

إذا أرهقتـك همـوم الحيـاة - ومسـَّك منها عظيم الضرر
وذقت الأمرين حتى بكيـت - وضـج فؤادك حتى انفجر
وسدت بوجهك كل الدروب - وأوشكت تسقط بين الحفر
فيـمم إلى الله في لهفـة - وبث الشـكاة لرب البشر


اللهم اجعلنا ممن يلجئون ظهورهم إليك، ويفوضون أمورهم إليك، فإنه لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
 
تــــأملات في ســــورة يـوسف .. !
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عباد الرحمن الإسلامي الاجتماعي :: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ :: خواطر إيمانية-
انتقل الى: