منتدى عباد الرحمن الإسلامي الاجتماعي

لتوعية المسلمين بشؤون دينهم ودنياهم ونبذ التحزب والتمذهب والطائفية ولإنشاء مجتمع متوحد على ملة أبينا إبراهيم وسنة سيدنا محمد (عليهم الصلاة والسلام)
 
الرئيسيةاليوميةالتسجيلدخول
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا * فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا * أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
الموسوعة الحديثية http://www.dorar.net/enc/hadith
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ http://tanzil.net
إِنَّ هُدَى اللَّـهِ هُوَ الْهُدَىٰ
قال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع (الا أخبركم بالمؤمن: من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده ، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)
شاطر | 
 

 كيف نفهم الدين من خلال النصوص؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: كيف نفهم الدين من خلال النصوص؟   21.05.13 23:02



تقرر لدينا أن مصدر الدين هو القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف...
وإذا كانت السنة تشمل البيانات السلوكية العملية للنبي صلى الله عليه وسلم وإقراراته للأعمال التي يشهدها..
فإن الأصل في الدين يبقى هو القرآن الكريم والسنة القولية..
فهما المرجع الأول لكل من رام فهم الدين..
والسنة الفعلية والاقرارية إنما هي تطبيقات مساعدة على الفهم.

والقرآن والسنة القولية هما بيانات نصّيّة..
جملت فيهما المعاني المعبرة عن المراد الإلهي..
في وعاء من اللغة على اللسان العربي...
وليست اللغة إلا رموزاً تحمل المعاني من القائل إلى السامع..

وهي رموز تشتمل على عمليتين معقدتين:

الأولى إفراغ المعاني في رموز اللغة من تلقاء القائل.

والثانية تحليل الرموز إلى المعاني المشتملة عليها من تلقاء السامع..

وحينما تكون اللغة بشرية..
فإن انتقال المعاني من القائل إلى السمع عبر تينك العمليتين..
من شأنه أن يصيب تلك المعاني بشيء من التفاوت..
بين حقيقتها لدى قائلها.. وبين صورتها التي تحصل عند سامعها...
أو يجعلها على الأقل قابلة لأن تصاب بذلك التفاوت..
وذلك لأن اللغة في حقيقتها الرمزية لا تحمل المعاني ولا تؤديها في كثير من الأحوال..
إلا على سبيل الظن..
مما يفسح المجال للاحتمال، والتأويل في المعاني المحمولة..
وهو ما يكون به التفاوت المشار إليه آنفاً.

ولغة القرآن والحديث بلغت من حيث حملها المعاني وتعبيرها عن المراد الإلهي.. الحد الأقصى في الكمال..
وهو ما بلغ في القرآن الكريم درجة الإعجاز..
وبلغ في الحديث النبوي درجة عليا من البلاغة..
إلا أنه مع ذلك تبقى العملية الثانية وهي تحويل معاني القرآن والحديث إلى أذهان القارئين والدارسين لهما..
عملية تحمل إمكان التفاوت بين المراد وبين الحاصل..
وعلى الأخص في الشطر الذي يُعرف بظني الدلالة فيهما.

لذلك ليس فهم الدين من أصله النصي عملية آلية يكفي فيها التحري في ملازمة ظاهر القوانين اللغوية..
بل هي أعقد من ذلك بكثير...
فالنص الديني نفسه ورد يحمل من المعنى ما يناسب البشر جميعاً في كل مكان وزمان..
باعتبار خاتمية الوحي فيه..
وهذا ما يجعل المجموع النصي يحمل من كنوز المعاني ما لا يستنفده فهماً جيلٌ واحد من المسلمين..
بل يمكن أن يكتشف فيه كل جيل ما لم يكتشفه الذي قبله.. وذلك وجه من وجود إعجازه...
كما أن لعملية الفهم علاقة بكسب العقل البشري من العلوم والمعارف التي يكسبها من خارج دائرة النص..
بل إن لها علاقة بذات الواقع الزمني في أحداثه وتفاعلاته..
سواء ما كان منها من نزول الوحي، أو زمن عملية الفهم.

وسنحاول فيما يلي أن نرسم ملامح أساسية لضوابط وقواعد عامة ..
من شأنها أن تسدد عملية فهم الدين من النص..

1 - الدين بين المراد الإلهي وبين الفهم البشري

لقد تضمنت نصوص الوحي الهدي الديني على مستويات مختلفة..
فبعضها تضمن هذا الهدي بصفة قطعية في الدلالة..
بحيث لا يمكن أن يفهم منها إلا وجهٌ واحد، هو المراد الإلهي على وجه اليقين..
وبعضُها تضمن معاني بصفة ظنية في الدلالة..
بحيث يمكن أن يُفهم منها أكثر من وجه واحد من الوجوه المحتملة...
وبعضها لم يتضمن إلا إرشاداً عاماً مقصديًّا ينير السبيل في المجالات..التي لم ترد فيها هداية نصية مباشرة.

ومن البيّن أن النوع الأول تعيّن فيه المُراد الإلهي..
فليس للعقل البشري إلا أن يكون محصوله في الفهم مطابقاً لذلك المراد..
أي مطابقاً لما تضمنه النص القطعي من دين..

ولكن النوع الثاني والثالث على وجه الخصوص بما بُنيا عليه من ظنية في حمل معاني الدين..
فإن العقل لما يتوجه إليهما بغية الفهم للمراد الإلهي حتى يُتخذ ديناً..
قد يصيب ذلك المراد، وقد يُخطئه، بمقتضى الظنية..
وحينئذ فأيهما يُعتبر ديناً، هل هو المراد الإلهي في حقيقته، أو هو المحصول الاجتهادي من الفهم..
حتى وإن أخطأ ذلك المراد؟
أو أن ذلك المراد لا يكون في بعض الحالات محدداً سلفاً..
وإنما يكون تبعاً للفهم الاجتهادي، فيصبح ذلك الفهم ديناً في أي صورة انتهى إليها الاجتهاد؟

وقد تبدو هذه المسألة غير ذات أهمية عملية..
نظراً للمساحة المتسعة لما هو ظني من الدين..
حيث تشمل أكثر الأحكام المصرِّفة لشؤون التعامل بين الناس..
وضمنها تندرج الاجتهادات التي تبغي حلولا دينية لمستجدات الأوضاع في حياة الفرد والمجتمع..
وهي في حال المسلمين اليوم متراكمة أشد ما يكون التراكم تنتظر أفهاماً دينية..
تجد على أساسها طريقها إلى الحل...

وبهذا الاعتبار فإنه يصبح من المهم في فهم الدين.. أن تُعلم أولاً حقيقة الدين..
في تراوحها بين المراد الإلهي في ذاته، وبين ما يحصله العقل بعد اجتهاده في فهم ذلك المراد..
وذلك من خلال النص في مستوياته الثلاثة، الآنفة الذكر..
فمعرفة هذا الأمر من شأنها أن تُسدد عملية الفهم، وأن تفصل بين ما هو دين..
وبين ما هو خواطر إنسانية ذاتية.

بالنسبة للأحكام الظنية المنصوص عليها، أو الموجه إليها بالمقاصد العامة..
فإن الأصوليين اختلفوا حيالها فرقتين "فقال قوم: كل مُجتهد فيها مصيب..
وإن حكم الله فيها لا يكون واحداً، بل هو تابع لظن المجتهد..
فحكم الله في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده، وغلب عليه ظنه ..
وعُرف هؤلاء بالمصوّبة لقولهم: بأن كل مجتهد مُصيب لحقيقة الدين باجتهاده..
ومن بينهم الإمام الغزالي الذي يقول في تبني هذا الرأي..

"والمختار عندنا وهو الذي نقطع به، ونخطئ المخالف فيه، أن كل مجتهد في الظنيات مصيب، وأنها ليس فيها حكم معين لله تعالى "

وذهب آخرون إلى أن

"المُصيب فيها واحد، ومن عداه مخطئ ؛ لأن الحكم في كل واقعة لا يكون إلا معيّنا؛ لأن الطالب يستدعي مطلوباً، وذلك المطلوب هو الأشبه عند الله في نفس الأمر "



وعُرف هؤلاء بالمُخطِّئة لقولهم : بأن المجتهد الذي لا يصيب مُراد الله الثابت، فهمه خاطئ ولا يعتبر ديناً..

وهذا الخلاف بين الوجهتين هو خلاف على مستوى نظري..
يمكن أن يتحول على المستوى الفعلي إلى تضافر لترشيد الاجتهاد في الفهم..
فيؤدي رأي المخطئة إلى التذرع بالمزيد من أسباب الحيطة وإفراغ الوسع في النظر..
ويؤدي رأي المصوبة إلى رفع التهيب من الاجتهاد في الفهم.. والركون إلى أفهام من سلف..
ليتخذها الخلف ديناً، يجرون عليها حياتهم.. من حيث قد لا تكون مناسبة لأوضاعها وملابساتها.

وربما يكون رأي المصوبة أجدى عمليًّا في تطوير حياة الإنسان وإخصابها بما يعود عليه بالنفع..
ذلك لأنه رأي ينفسح فيه المجال..
لأن تتحصل لدى المجتهدين عبر الأجيال أفهامٌ تتغاير في نوع القضية الواحدة من قضايا الحياة..
ويكون كل فهمٍ منها محققاً لمصلحة المسلمين في تلك القضية..
بحسب تغاير أعيانها عبر الزمن، لتغاير ظروفها وملابساتها الشخصية..
فإذا ما اطمأن المسلم إلى أن المراد الإلهي في الظنيات قد يكون مختلفاً باختلاف الظروف العينية..
وأن الأفهام قد تختلف تبعاً لذلك، ولكنها لا تخرج عن أن تكون ديناً إلهيًّا..
فإنه حينئذ سيكون أكثر اندفاعاً إلى معالجة أوضاع حياته المنقلبة بالزمن..
بحلول تؤدي إلى تحقيق صلاحه..
وهي في ذات الحين مشتقة من دين الله، الذي هو ما يتوصل إليه العقل بالاجتهاد...
إلا أن هذا الموقف يستلزم قدراً كبيراً من الاعتصام بالإخلاص والتحري..
دفعا لخاطرات الهوى الملحاحة في مثل هذا المقام..
والتي إذا ما وجدت منفذاً إلى المجتهد صيرت أهواء الناس وأوهامهم ديناً إلهيًّا، يتدينون به في حياتهم.

ومن المصوبة القاضي الباقلاني (ت 403هـ )
وأبا حامد الغزالي (تـ505هـ )..
ومن قبلهما أغلب أصحاب لإمام الشافعي (تـ 204هـ )
وأبا الهذيل العلاف (تـ 235هـ )
وأبا علي الجبائي (تـ303هـ )
وابنه أبا هاشم (تـ 321هـ )...

فلما مال أمر الفقه إلى التقليد، أصبحت فكرة التخطئة أكثر رواجاً بين الأصوليين..
لأنها أكثر تلاؤماً في طبيعتها مع التقليد...

وبالنظر إلى وضع المسلمين اليوم، فإن مذهب التصويب أنسب لمعالجة عللهم..
إذ هو يدفع إلى أن يجتهد العلماء في فهم الظنيات من الأحكام..
ليصدروا منها بأفهام تسدد الأوضاع الكثيرة المائلة عن سمت الدين..
وتكون هذه الأفهام مبنية على ما فيه صلاح هذه الأوضاع..
اعتباراً بمستجدات عناصرها، ومتشابك ملابساتها، ومتحررة من أفهام اجتهادية..
قد تكون صدرت عن مجتهدين قدامى في ذات النوع من القضايا..
ولكنها كانت مبنية على أوضاع وملابسات طواها الزمن، وبسط أوضاعا وملابسات جديدة..
ثم تؤخذ هذه الأفهام الاجتهادية الجديدة على أنها مراد إلهي..
لتكون لها بذلك قوة النفاذ، وفعالية الإصلاح، وتعبئة النفوس للإنجاز..

وعلى هذا الأساس ..
فإننا نعتبر الاجتهاد في الفهم يناسبه في واقع المسلمين اليوم أن يقوم على خلفية تصويبية..
تنأى به عن التقليد، وتدفعه إلى التجديد مع استصحاب التحري..
الذي يعصم من مدخلات الهوى ومفاتن الشيطان.

2 - الضوابط النصية في فهم الدين

إن أحكام الدين يحملها وعاء من اللغة، هي اللغة العربية..
وقد اختارها الله تعالى لتحمل الدين الأبدي..
لحكمة لعل منها ما لها من مقام في كفاءة الأداء لم تبلغه لغة غيرها..
وقد كان لها في ذلك المقام أدب رفيع وثري، من القوانين في حمل المعاني وأدائها..

كما أن المجموع النصي قرآناً وحديثاًيمثل في مختلف عناصره وحدة متكاملة في الهداية..
متأتية من وحدة المصدر ووحدة الغاية..
نجملها للمجتهد في ضوابط نصية، ونجملها في ثلاثة، ضابط لغوي، وضابط تكاملي، وضابط ظرفي.

الضابط اللغـــوي

لقد ذكرنا آنفاً، أن للّغة العربية على عهد نزول الوحي أدباً متفرّداً يتصف بالعمق والثراء...
وعلى حسب هذا الأدب وقوانينه جاءت لغة الوحي تخاطب الناس..
ويتبع ذلك بالضرورة، أن يكون فهم مدلولات النص الديني منضبطاً بقوانين ذلك الأدب وقواعده..
فيما فُطرت عليه اللغة العربية من اللسان..
حيث..

"تخاطب بالعام يُراد به ظاهره..
وبالعام يراد به العام في وجه..
والخاص في وجه..
وبالعام يُراد به الخاص.
وظاهر يُراد به غير الظاهر..
وكل ذلك يُعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره..
وتتكلم بالكلام ينبني أوله عن آخره، أو آخره عن أوله..
وتتكلم بالشيء يعرف بالمعنى، كما يعرف بالإشارة..
وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأسماء الكثيرة باسم واحد..
وكل هذا معروف عندها لا ترتاب في شيء منه "


وإذا كانت اللغة كائناً حيًّا، يأتي عليه التطور، سواء في مدلول الألفاظ، أو في مدلول نظمها..
فإن فهم أحكام الدين من نصوص الوحي، ينبغي أن يكون على بينة من هذا الأمر..
حتى لا تسقط معانٍ ومدلولاتٌ لاحقة في حدوثها عن عهد نزول الوحي على النص الديني..
فيحمل من المعنى ما لا يمكن أن يحمله، وتحصل من ذلك أفهام زائغة عن المراد الإلهي..

ولا يعني هذا الاحتراز العزوف عن كل مستجدات فقه اللغة وعلم الألسنية في فهم النصوص الدينية..
بل إنه من المفيد استثمار ما وصلت إليه هذه المعلوم من نتائج علمية، والاستعانة بها على الفهم..
ولكن ذلك ينبغي أن يكون في نطاق أدب اللغة العربية على عهد نزول الوحي..
دون الانزلاق في تأولات إسقاطية تحدث في الدين ما ليس فيه، بتحميل اللغة ما لم تحمله من المراد الإلهي.

الضابط التكاملي

إن نصوص الوحي قرآناً وحديثاً وحدة متكاملة المعنى..
تتضافر مختلف المقامات فيها على بيان الحقيقة الدينية..
ولكن هذه المقامات ربما كانت مختلفة في طريقة البيان تبعاً لاختلاف مناسبات النزول، ومقتضيات أحواله..
فقد يكون حكم ما ثابتاً في موضع من الوحي ويكون منسوخاً في موضع آخر..
وقد يكون المعنى مجملاً في موضع، ومبيناً في موضع آخر..
أو عاماً في موضع ومخصصاً في موضع آخر.

وباعتبار هذه الطبيعة في النص الديني، يكون من الضروري في فهم الأحكام الدينية..
النظر في النص نظراً متكاملاً، بحيث تُستقصى المواضع كلها التي عرضت بالبيان للقضية المعينة..
والمقارنة بينها، واستيفاء بعضها من بعض..
وفك ما يبدو أحياناً في ظاهرها من تعارض ليستبين من ذلك كله المراد الإلهي في تلك القضية...

وقد بين الإمام الشاطبي هذا المعنى في قوله

"إن القضية وإن اشتملت على جُمل، فبعضها متعلق ببعض؛ لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد، فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على أخره، وإذ ذلك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزائه فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض "

الضابط الظرفي

لقد كان الوحي هداية واقعية للناس..
ولذلك كان تنزله تنجيماً بحسب نوازل تقع بالفعل..
ليعالج من خلالها القضايا العامة، التي تتعلق بالإنسان المطلق، لما في ذلك من شدة الوقع في المعالجة..
ومن ثمة اقترنت النصوص الدينية قرآناً وحديثاً بمناسبات وأسباب في نزولها..
متمثلة في وقائع وأحداث، عُرفت في الثقافة الإسلامية بأسباب النزول..

وهذه الوقائع والأحداث، التي كانت أسباباً لنزول الوحي..
تحمل من القرائن ومن مقتضيات الأحوال ما يكون ضروريًّا في فهم المراد الإلهي..
من النصوص التي نزلت في شأنها، والتغافل عنها، قد يكون مدعاة إلى صرف المعنى عن حقيقة المراد..
إلى ما يخالفه أو يناقضه..
كأن يحمل حكم ما على المؤمنين، وقد نزل في الكفار أو العكس..

وقد كان عبد الله بن مسعود يعرِض اعتزازه بمعاشرة القرآن الكريم، وحذقه لمعانيه..
فيقول في مقام الاستدلال على ذلك:

"والذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله، إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت "

ولعل هذه المعرفة بأسباب النزول من ابن مسعود هي أحد الأسباب في التزكية النبوية
لعلمه القرآني من النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث أمر بأن يؤخذ القرآن من أربعة أحدهم ابن مسعود..

ويتبع المعرفة بأسباب النزول أحداثاً في الزمان والمكان..
معرفة أحوال العرب وعاداتها حال نزول النص...
فإن النصوص نزلت تخاطب الناس على مقتضى هذه العادات والأحوال، فيتوقف فهم مرادها على فهمها..

وقد بين الإمام الشاطبي هذا المعنى بقوله:

"ليس كل حال ينقل، ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة، فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط. ومن ذلك معرفة عادات العرب، في أقوالها وأفعالها، ومجاري أحوالها، حالة التنزيل "

ولعل من مظاهر الحكمة الإلهية، أن كانت الأسباب التي فيها نزل الوحي، غير مضمنة في النص الديني..
القرآني منه على وجه الخصوص...
بل ظل هذا النص مصوغاً في صيغة كلية عامة، حتى يبقى ذلك العموم في البيان، مفيداً للعموم في الأحكام..
مطلقاً من قيود التشخيص في الزمان والمكان..
وهو ما تعارف عليه الأصوليون بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وقد جعلت الأسباب مأثورات تروى خارج النص، حتى يكون لها دور التجلية لمعناه..
دون أن تميل به لو تضمنها في صلبه، إلى التخصيص، الذي يذهب بعمومية الأحكام.

3 - دور المعرفة العقلية في فهم الدين

نقصد بالمعرفة العقلية ما يكسبه العقل بنظره الذاتي، من معارف وعلوم، تتعلق بالكون أو بالإنسان..

فهل من دور للعلوم العقلية في فهم الهدي الديني؟ وما هي طبيعة ذلك الدور ومظاهره؟

إن العقل لما يباشر النص الديني لاستجلاء معانيه، فإنه سيعتمد المبادئ المنطقية العامة للفكر...
التي بُني عليها النص الديني نفسه..
وهي القاسم المشترك الأصلي، بين الخطاب الديني، وبين المخاطب بالتكليف.
ولكن عقل الإنسان معمور أيضاً بحصيلة من المعارف المكتسبة عن الكون والإنسان..
وهذه المعارف تتدخل حتما عند مباشرة النص الديني، أو أي نص غيره بالفهم..
وذلك من طبيعة عملية الإدراك العقلي نفسها..
إذ ليس من الممكن التخلي عن المكتسبات المعرفية للعقل عند فهم الخطاب.

وإذن فإنه يكون من الضروري، ومن المشروع، أن يكون للمعارف العقلية دور في فهم الدين..
إلا أنه من الضروري أيضاً، أن يكون ذلك الدور سالكاً مسلك الرشد في استخدام هذه المعارف..
في تحديد المُراد الإلهي، وذلك بأن يُفرّق بين نوعين من المعارف العقلية:
نوع يكون الحقّ فيه يقينيًّا أو قريباً من اليقيني..
ونوع يكون الحق فيه مظنوناً ظنًّا ضعيفاً أو موهوماً..
فيعتمد الأول في الفهم، ويترك الثاني فلا يكون له مدخل فيه..
حتى لا يفضي إلى تحصيل أفهام دينية موهومة أو مظنونة ظنًّا ضعيفاً..
وحينما تترشّد المعارف العقلية على هذا النحو فإن دورها في فهم الدّين يمكن أن يكون بالطريقتين التاليتين:

(أ ) تعيين المدلول النصّي

لقد أودع الله تعالى في وحيه علماً محيطًا..
فكان ما يشتمل عليه من الحقائق كنزاً لا يحيط الإنسان بآخره..
وكأنما شاءت الإرادة الإلهية، أن يكون الهدي المرشد للحياة في كلّ ظروفها وأوضاعها..
مُودعاً في النصّ الديني بصفة جلية، بحيث يحصّله العقل بالنظر الأولي..
مهما كان حظّه من كسبه الذاتي للمعرفة..
وأن تكون جملة أخرى من الحقائق مودعة فيه..
بحيث لا يحصّلها العقل إلا على ضوء ما يبلغه من المعارف الذّاتية..
بحسب ما يترقّى الإنسان في ذلك ترقّياً يفضي به إلى أوضاع من الحياة..
يكون في سبيل تقويمها في حاجة إلى تلك الحقائق المودعة في النّص بصفة غير جلية ...
فيحصّلها بالنظر الاجتهادي، تدفعه إليها حاجة الظروف المستجدة، وتهديه إليها معارفه المكتسبة. ..

ولهذا السبب كان القرآن والحديث معيناً لا ينضب للمفسرين والمحلّلين..
يتوالون على مر الزمن على الغوص فيه..
ويصدر كلٌّ منهم بحصيلة من الكنوز، بعضها مشتركٌ بينهم جميعاً..
وبعضها يختص به بعضهم دون الآخرين، استجابة للنوازل المستجدّة، واستهداء بعلوم الإنسان..
وسيبقى الأمر كذلك، ما بقي القرآن، وما بقيت الأمة الإسلامية.

وفي نطاق هذا الدور يكتشف الناظر في النص الديني حقائق كونية وإنسانية..
بما وصل إليه العقل من معارف في هذا المجال...
ولدى العلماء اليوم حصيلة ثرية من هذه الحقائق مترجم لها في الغالب بالإعجاز العلمي في القرآن والحديث..

وقد يتبادر إلى الذهن أن هذه الأفهام الجديدة للدين لا دور لها في هدى الحياة..
من حيث هي دين، باعتبار أنها كانت حاصلة في العقل أولاً، باعتبارها كسباً ذاتيّاً له..
والحقيقة أنها لما غدت أفهاماً دينية، فإنها سيصبح لها وضع آخر..
غير الوضع الذي كانت عليه قبل ذلك..
وسيؤسّس عليها المسلم حلولاً للنوازل العارضة، باعتبارها هدياً دينيًّا..
ممّا يكسب تلك الحلول الصبغة الدينية الشاملة، ويرفع من كفاءتها في تحقيق المصلحة.

وقد تحرّج بعض العلماء من المسلمين، من هذا الدّور للمعرفة العقلية، في فهم النص الديني...
بحسبان أن يفضي إلى أن يصبح الخالفون أعمق فهماً له، وأوسع إدراكاً من السلف الصالح..
بما فيهم الصحابة والتابعون...

وقد ساور هذا الحرج الإمام الشاطبي فقال في حديث عن القرآن الكريم:

" إنّما يصحّ في مسلك الإفهام والفهم ما يكون عاماً لجميع العرب، فلا يُتكلّف فيه فوق ما يقدرون عليه "

ثم علّل هذا الرّأي في معرض نقده، لمن فسر القرآن على ضوء العلوم العقلية..


فقال:" إنّ السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه، وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المُدعى.... وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا "


وليس لهذا التحرج من سبب وجيه..
فالسلف الصالح كانوا أعلم بالنص الديني في هديه العام، وبحسب ظروفهم الثقافية..
وذلك كاف في إثبات أفضليتهم..
لكنهم هم أنفسهم كانوا يقولون: إن القرآن لا تنقضي عجائبه، تقريراً منهم لكونه ينفسح أفقه..
وتتسع مدلولاته، بحسب تطور الإنسان في ثقافته..
فيكشف فيه باطراد الحقائق، التي تهديه في مستجدات أوضاع حياته..
وذلك مظهر من مظاهر إعجازه، فإن الحق الذي يشتمل عليه: "ينبلج للناس شيئاً فشيئاً ..
انبلاج أضواء الفجر، على حسب مبالغ الفهوم وتطورات العلوم

( ب ) تقدير المقاصــــد:


إن الدين كله مبني على مقاصد، تنتظم جميع أحكامه وإرشاداته..
وهذه المقاصد هي مصالح، تحقق للإنسان الخير والسعادة.

ومن هذه المصالح، ما هو منصوص عليه على وجه الوضوح: إمّا نصًّا يشمل به كل أفعال الإنسان..
بحيث يكون أصلاً لها تنبني عليه جميعاً، مثل رفع الضرر في قوله صلى الله عليه وسلم : "لا ضرر ولا ضرار "
وإمّا نصًّا يجمع به نوعاً معيّناً من الأفعال..
مثل رفع الغرر في قوله صلى الله عليه وسلم : لرجل يخادع في البيوع: "إذا بايعت فقل لا خلابة "..
فهو مصلحة، تتحقق في نوع المعاوضات من الأفعال.

ومنها ما هو غير منصوص عليه، ولكنه مبثوث في واقع تصرفات الدين، في صياغته للأحكام..
بحيث يمكن أن يستنتج بالتتبع، والاستقراء، مثل مصلحة رواج الطعام في الأسواق، وتيسير تناوله..
المستنتج من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، والنهي عن الاحتكار فيه...

وهذان النّوعان من المصالح تفهم من خلال النصوص، إمّا بصفة مباشرة، أو بصفة الاستنتاج..
لتُجرى عليها الأفعال المتعلقة بها، تعلقًا مباشراً. أو ضمنيًّا، فتحصيل أفهامها..
يكون باجتهاد ميسّر، لما هي منضبطة به، من بيانات نصّية واضحة، أو قريبة من الوضوح...

وللعلماء اجتهادات مفيدة، في بيان المسالك، التي يتوصّل منها إلى فهم هذه المصالح المقصودة للشارع..
تقوم في أغلبها على قواعد الفهم النصّي، أو قواعد الاستقراء...
لما ورد منها ضمنيًّا في ثنايا الأحكام الشرعية...

ومن الحصيلة البشرية من العلوم والمعارف، ما فيه عون على تبين ما فيه مصلحة، من أوضاع المسلمين المستجدة..
فعلم الاقتصاد، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وغيرها من العلوم الإنسانية..
تشتمل على قوانين هي أقرب إلى الحقيقة العلمية الموضوعية..
وهو ما يرشحها لأن تكون وسيلة صالحة لتحديد ما فيه خير الإنسان ونفعه..
ومن ثم فإنها تصبح أداة مهمة للمسلم في اجتهاده..
لتقدير مصلحة الإنسان في خضم الأوضاع التي انقلبت إليها حياته اليوم.

وإذا عدنا إلى المثال الآنف الذّكر؛ فإن علم النفس التربوي، بيّن ما ينشأ من مضار، تتعلق بالأطفال..
حينما يفقدون حدب الأمومة، في طور نشأتهم الأولى. وعلم الاجتماع بين نتائج الاختلاط الأهوج..
وأثره على الترابط الأسري، والاجتماعي عموما..

وعلم الاقتصاد بين أهمية تضافر المجهود الوطني على الإنتاج..
وأثر العطالة في انخرام التوازن بين الإنتاج والاستهلاك...
ومن كل هذه المعطيات العقلية من العلوم الإنسانية، يمكن بل يتعيّن على المجتهد..
أن يتخذ سبيلاً لفهم المقصد الشرعي، الذي يبني عليه صيغة دينية لحل هذه المشكلة.

وإذا كان في هذه المعارف العقلية عون، في تقدير مقاصد الشارع..
فإنها أيضا محفوفة بالعديد من المزالق، التي قد تحيد بالباحث عن مقصد الشريعة، عن جادّة الحقّ..
وتوقعه في تقدير مصالح موهومة، ليست من الدين في شيء..

ولعل من أبرز تلك المزالق أن العلوم العقلية، بما فيها العلوم الإنسانية، هي في يومنا هذا إنتاج لثقافة غربية..
ذات منطلقات إيديولوجية مادية في أغلبها، وهي إيديولوجية سيكون لها أثر، إن كبيراً أو صغيراً..
في النتائج العلمية في المجال ا لإنساني..
باعتبار أن هذا المجال ليست الحقائق فيه منضبطة موضوعيًّا مثل مجال العلوم الصحيحة..
وبذلك يكون اعتماد العلوم الإنسانية في تقدير مقاصد الشريعة على علاتها..
غير خلي من مخاطر الوقوع في خطأ التقدير.

ومثال ذلك، ما يتوهمه بعضهم من أن الرّبا ينشط الحركة الاقتصادية، وينهض بها..
أو أن الاختلاط غير الرشيد، يهذّب من الخلق، ويخفف من شره الميل الجنسي..
فيقدّر أن هاتين النتيجتين الاقتصادية والنفسية التربوية تحددان مصلحة الإنسان..
وبالتالي مقصد الشريعة في هذين الأمرين..
وفي هذا النطاق تندرج كثير من الدّعوات، التي تلهث وراء مذاهب وآراء تتزيّي بزيّ العلم...
وتريد أن تجر الأفهام الدينية إليها، في تعسف جليّ ليس فيه للاجتهاد النّزيه أثر.

4 - دور الواقع في فهم الدّين:

نعني بالواقع: ما تجري عليه حياة الناس، في مجالاتها المختلفة، من أنماط في المعيشة..
وما تستقر عليه من عادات وتقاليد وأعراف، وما يستجدّ فيها من نوازل وأحداث..

فهل للواقع بهذا المفهوم دور في فهم الدين، الذي جاءت به نصوص الوحي ؟!!

وإن كان ذلك، فما هي طبيعة هذا الدّور؟

يمكن أن نلاحظ مبدئيًا أن الدين خطاب معبّر عن حقائق أزلية، تتسع لتعالج أوضاع واقعية متغيرة..
ولكنها لا تتبدل في ذاتها بتبدّل الواقع.
ومن جهة أخرى فإن واقع الحياة الإنسانية، هو واقع مخلوط فيه الحقّ بالباطل..
بل لعل الباطل فيه أغلب...

فكيف يمكن أن يكون له مدخل في فهم الدين، الذي حقائقه أزلية؟

إن فهم الدين من نصوصه، يتم بالنظر العقلي...
والعقل الإنساني مهما كان مبنيًّا على المنطق الصحيح في أصل فطرته..
فإنه يتأثر في بنائه التكميلي بواقع الحياة وأوضاعها..
إذ هو ينمو ويتكامل في خضم ذلك الواقع، وهو ما يمثل تدخلاً غير مباشر للواقع في الفهم عامة ..
بما في ذلك فهم الدين، إلا أن هذا التدخل لا تنشأ منه حتمية الخطأ.. إذا كان الواقع منحرفاً..
بل إنه يكون تبعاً في الرشد وعدمه للمنهج العام، الذي يتبعه العقل في التفكير.

ويتبين مبدئيًّا أن فهم الدين لا يمكن أن يتم بصفة تجريدية، مفصولة عن خضم الواقع الحياتي..
بل يتم من خلال حوار متفاعل بين عناصر ثلاثة: النص الديني، والعقل المدرك، ونوازل الواقع وأحداثه...
وفي هذا التفاعل يتأمل العقل في مدلولات النص الديني..
من حيث هي أحكام مقصدها تقويم واقع الحياة وترشيده..
فيكون إذاً لهذا الواقع، الذي هو موضوع التقويم..
اعتبار في عملية الفهم على النحو الذي سنبيّنه تاليًا.

ويضيق هذا التفاعل إلى درجة قصوى، في فهم النصوص القطعية، في ورودها ودلالتها..
ذلك أنّ هذه النصوص هي في عمومها موجهة لحياة الإنسان المطلقة..
التي لا يُنظر فيها إلى الظرف الزماني والمكاني، باعتبارها المحور الثابت، الذي تدور عليه الحياة..
فيحفظ سمتها الأصلي المتقوّم بالحق الدائم، ويحفظ بالتالي ثبات الحقيقة الدينية واستمراريتها..

ومن أمثلة هذه النصوص، التي يضيق فيها دور الواقع في فهمها، ما يتعلق بالعقيدة، والعبادات، وأحكام الحدود..
فهي نصوص قطعية في أغلبها تحمل معاني يقينية ثابتة..
متعالية عن أحداث الواقع المتغيرة من حيث الفهم.ويتّسع دور الواقع في فهم النصوص الظنية..
وفي استنباط الأحكام، ممّا لا نصّ فيه حيث يكون للعقل مجال للترجيح بين الاحتمالات..
أو الاجتهاد وفقاً للمقاصد العامة..
وحينئذ فإنه يمكن أن يستخدم مجريات الواقع، في ذلك الترجيح والاجتهاد، على أنحاء مختلفة.

فقد يكون في واقع حياة الناس عادات وأعراف، جارية على أصول من الحق..
تظهر ثمرتها الخيّرة في تحقيق المنافع المختلفة لهم...
وقد تكون هذه العادات والأعراف متعلقة بما كان مناطاً لبيان نصّي ظنّي..
وحينئذ فإنها تكون مرجّحاً قويًّا، ليُصرف ذلك البيان إلى الاحتمال الذي ينطبق عليها..
فيصبح ذلك الاحتمال هو المفهوم الديني، الذي يحصله العقل، على أنه مراد إلهي..
تحكيماً في ذلك للواقع الذي جرت به تلك العادات والأعراف

وقد يكون من العادات والأعراف، ما يتحقق به الخير، في جانب من جوانب الحياة..
ممّا لم يرد فيه نص ديني، سوى الإرشاد المقصدي العام..
وحينئذ فإن العقل في اجتهاده بحثًا عن المراد الإلهي، في كل شأن من شؤون الحياة..
يمكن أن يحكم بأن ما أثبت العرف صلاحه هو المراد الإلهي، ويتبنّاه على أنه حكم ديني..
ينضاف إلى المنظومة الدينية المتكاملة، التي تغطي أوجه الحياة كلها،..
ويكون بذلك للواقع دور في فهم الدين، باعتماد العرف الصالح، على أنه جزء من الدين..
حينما لا يرد فيه نصّ، ولا يكون معارضاً لنصّ

وقد يكون في واقع الحياة أوضاع فاسدة، وعادات زائغة عن الحق، مفضية إلى المفسدة..
وتكون تلك الأوضاع والعادات مما يتعلق بها نص ديني بحكم ظنّي..
وحينئذ فإنه يمكن للعقل أن يوازن بين احتمالات النص الظني، فيختار منها ما يكون فيه علاج أبين..
لما فسد من الأوضاع والعادات، فيصبح ذلك الاحتمال محمولا على أنه هو الدين، ويعتمد مرادًا إلهيًّا..
بناء على تلك المشاهد، من الواقع..

http://library.islamweb.net/newlibra...=201&startno=0
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: كيف نفهم الدين من خلال النصوص؟   21.05.13 23:06

ما معنى تجديد الدين ؟

جاءت أدلة كثيرة على مشروعية تجديد الدين:

أولها: قول الرسول (صلى الله عليه وسلم)..

«إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»

هذا الحديث الصحيح يدل على أن التجديد مشروع، وثابت بالنص..
وليس بعد بيان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيان..

والحديث يشير إلى عدة معان:

(1) أن الإسلام باقٍ على مر العصور والدهور، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ويؤيد ذلك قوله (صلى الله عليه وسلم) «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك»

(2) أن الإسلام يمر بفترات مَدّ وجزر، وقوة وضعف، وامتداد وانحسار، والتزام بتعاليمه، وتَفَلُّت منه، لكنه - بفضل الله تعالى- باقٍ لا يموت.

(3) فيه تحفيز للمسلمين؛ لأن يكون فيهم مجددون... ليعيدوا للدين بَهَاءَه وحيويته، وينفضوا عنه غبار النسيان والتجاهل، ويُخَلِّصُوه مما عَلِق به من الخرافات والبدع، وأن يجدد كُلُّ مستطيع؛ في المجال الذي يحسنه

(4) فيه دعوة للتمسك بأهداب الدين والعمل بها، والثبات عليها؛ حتى يأتي المجدِّدُون، فيكون المتمسِّكُون به نواةً صالحةً لاستنبات تعاليمه، والنهوض بها من جديد.

(5) حُبُّ الله تعالى لهذه الأمة؛ حيث يبعث لها مَنْ يُجَدِّد لها دينَها، ويعيد لها حيويتها، وخَيْرِيَّتَها الكامنة في إيمانها، وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، فهذا أساس التجديد، قال تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ....


كما أن قوله (صلى الله عليه وسلم) «طوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سُنَّتِي» فهذا الحديث يُشعر بأنه مطلوب إحياء الدين وإعادته إلى أصله، ويشعر أيضاً بأن الإحياء مطلوبٌ من كل شخص قادر على ذلك..

وقوله (صلى الله عليه وسلم) «يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُولُه؛ ينفون عنه تحريف الغالِين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين» وهذا خبر فيه معنى الأمر، ووجه الدلالة فيه أن النبي (صلى الله عليه وسلم)ندب إلى حَمْل العلم الديني ونَشْره، ونفي التحريف عنه؛ عندما زَكَّى حامليه ووصفهم بالعدالة، ونَشْرُ الدِّين ونفي التحريف عنه، هو عماد التجديد...

ولقد نهى أكثر الأئمة عن التقليد، وهذا النهي؛ فيه دعوة لتجديد فهم النصوص، والاجتهادُ في فهم النصوص، والرجوعُ إلى ما صح من الحديث، هو أيضاً تجديد؛ لأنه إحياء للنص ونبذ للاجتهادات القديمة الخاطئة، أو المخالفة، ثم تجديد الدراسة للنص وما يدل عليه منفرداً، أو مقروناً بغيره...

إن حُكْم تجديد الدين تجديد الدين واجب؛ لقوله تعالى ( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وِإنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ..

والأمر للرسول أَمْرٌ لأمَّته، وقد بين الله تعالى أنهم سيسألون عن الدين؛ هل عملوا به، أم أهملوه؟ هل حافظوا عليه، أم ضيعوه؟

وإذا كان المسلمون سيسألون عن الدين؛ فإنه يجب عليهم المحافظة عليه، وتجديده...

و لأن الله تعالى أخذ العهد على الذين أوتوا الكتاب أن يبينوا كتاب الله ودينه للناس، ولا يكتمونه، فقال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ..

وهذا الميثاق يشمل اليهود والنصارى والمسلمين؛ قال القرطبي: هو خبر عام لهم (أي: لليهود والنصارى) ولغيرهم، وقال الحسن البصري وقتادة: هي في كل مَنْ أُوتِي علمَ شيء من الكتاب، فمن عَلِم شيئاً فليُعَلِّمه، وإياكم وكتمان العلم فإنه هَلَكَة، وهذا العهد هو الذي جعل أبا هريرة يجتهد في تحديث الناس، ولَمّا استغرب بعضهم منه ذلك؛ قال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب، ما حدثتكم بشيء، ثم تلا الآية السابقة..

قال محمد بن كعب: لا يحل لعالم أن يسكت على علمه، ولا للجاهل؛ أن يسكت على جهله..

قلت: وقد تَوَعَّد الله مَنْ كتم الدين وذَمَّه في نهاية الآية حيث قال تعالى: ( فبئس ما يشترون )...

لأن كتمان الدين الحق عند الحاجة إليه؛ رضاً بظهور غيره؛ والرضا بالباطل باطل..

فكتمان الدين إماتة لبعض أحكامه، مما يسمح للباطل أن ينتشر، وهذا عكس التجديد؛ مما يدل على أن إظهار الدين وبيانه؛ إحياء له وتجديد

- قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران:104)؛ يدعون إلى الخير، أي: إلى تعاليم الإسلام..

قال جعفر الصادق رحمه الله: قرأ رسول الله [ الآية السابقة، ثم قال: «الخير اتباع القرآن وسنتي»(8). ووجه الاستدلال بالآية: أن اللام في «وَلْتَكُن» هي لام الأمر، والأمر للوجوب، فالآية أمرَت بالدعوة إلى الإسلام، ثم أمرَت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن لوازم هذا؛ الحفاظ على معالم الدين؛ ببيان الحق إذا جُهِل، وإيضاحه إذا الْتَبَس، والحثّ عليه إذا تُرِك، والإنكار على العاصي والمخالف له،..

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه تجديد للدين ولو بشكل جُزْئي، ولذا قال الرسول [: «لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً»(9)، وما ذلك إلا لما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المحافظة على الدين. 4- لأنه إذا كان توحيد الله وعبادته والعمل بدينه أمراً واجباً؛ فإنه من الواجب المحافظة على هذا الدين؛ حتى تظل العبادة لله قائمة بالشكل الصحيح، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. التجديد واجب عيني أم كفائي؟

الظاهر أن الوجوب يتوجه إلى من عنده القدرة على ذلك، وهم العلماء والحُكَّام، ومن كان على علم بقضية؛ أما العامِّي؛ فلا يمكنه القيام بتجديد الدين؛ لأنه قد يأمر بمنكر(10) فحكم التجديد، مثل حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية. 1- لأن الله تعالى قال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران:104)؛

قال القرطبي: مِنْ في قوله: «منكم» للتبعيض، ومعناه: أن الآمرين يجب أن يكونوا علماء، وليس كل الناس علماء، فهذا يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، وقد عَيَّنهم الله تعالى بقوله: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (الحج:41)، وليس كل الناس مُكِّنوا (11). 2- لقوله [: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (12)، فهذا الحديث يوضح أن من لم يَقْوَ على تغيير المنكر؛ لا يجب عليه تغيير المنكر الظاهر، مما يدل على أن واجب التغيير كفائي. 3- قول الرسول [: «بلغوا عني ولو آية»(13)، وقوله [: «فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلَّغ أوعى من سامع»(14)، يدل على أنه إذا قام بالتبليغ من يحصل به البلاغ سقط الأمر عن الباقين، وإلا أثموا جميعاً، وبيان الحكم وتبليغه نوع من التجديد؛ ولَمّا لم يكن البيان واجباً على الجميع؛ كذلك لا يعتبر التجديد واجباً على الجميع

http://magmj.com/index.jsp?inc=5&id=...14&version=199
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
 
كيف نفهم الدين من خلال النصوص؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عباد الرحمن الإسلامي الاجتماعي :: يُثَبِّتُ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ :: تعلم دينك لتزداد إيمانا-
انتقل الى: