منتدى عباد الرحمن الإسلامي الاجتماعي

لتوعية المسلمين بشؤون دينهم ودنياهم ونبذ التحزب والتمذهب والطائفية ولإنشاء مجتمع متوحد على ملة أبينا إبراهيم وسنة سيدنا محمد (عليهم الصلاة والسلام)
 
الرئيسيةاليوميةالتسجيلدخول
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا * فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا * أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
الموسوعة الحديثية http://www.dorar.net/enc/hadith
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ http://tanzil.net
إِنَّ هُدَى اللَّـهِ هُوَ الْهُدَىٰ
قال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع (الا أخبركم بالمؤمن: من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده ، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)
شاطر | 
 

 بين الفــاروق والمهــدي .. !

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   22.09.14 11:56

معركة القادسية اليوم الأول


في هذا المقال نلتقي مع يوم من أيام الله تعالى ...يوم القادسية..

هذا اليوم فرق الله به بين الحق والباطل..

فيوم القادسية يوم كيوم بدر، وكيوم خيبر، وكيوم اليرموك..

إذا كانت هناك أيامٌ تغير من التاريخ، فيوم القادسية من هذه الأيام.

بعد موقعة القادسية اختلفت خريطة الأرض..

واختلفت التوقعات بالنسبة لنتائج الحروب..

واختلفت كل الموازين في الأرض بعد هذه المعركة الفاصلة بين المسلمين والفُرْس..

وإذا كان هناك رجال يغيرون التاريخ..

فرجال القادسية هؤلاء الرجال بمن فيهم أمير الجيوش..

وبمن فيهم أصغر جندي لا نعرف اسمه، ولا نعرف نسبه.

هذا اليوم يُقاسُ في التاريخ بيوم بدر..

وكان الجيش الإسلامي في القادسية يتضمن 70 رجلاً أو أكثر من رجال بدر..

وهذا أعطى للقادسية أهمية خاصة في التاريخ الإسلامي.

وقف الجيشان أمام بعضهما البعض...

وفي لحظة عبور الجيش الفارسي كان الوقت قد مضى من أول النهار..

وشاء الله في هذا اليوم واليوم الذي قبله أن يمرض سعد بن أبي وقاص..

فقد أصيب بدمامل في ظهره، وأُصِيبَ بعِرْق النَّسَا؛ فكان لا يستطيع أن يمشي، ولا يستطيع الجلوس..

فلم يكن يستطيع أن يمتطي حصانهُ..

فاتخذ قصر "قديس" مكانًا للقيادة وصعد إلى أعلى القصر..

ولم يستطع الجلوس؛ فنام على صدره على قمة القصر ووضع وسادة تحته..

وبدأ بإدارة المعركة من فوق القصر..

واستخلف على الجيوش خالد بن عرفطة الذي كان من قواد المسلمين المهرة..

واعترض بعض الناس على إمارة خالد بن عرفطة..

فما كان من سعد إلا أن قام بالقبض على هؤلاء المشاغبين..

وكان يتزعمهم أبو محجن الثقفي، وهو من أشد مقاتلي العرب ضراوة وكان يجيد الشعر الجهادي..

وكان المسلمون يُعوِّلون عليه كثيرًا؛ فقد كان له دور كبير..

لكنَّ سعد لم يكن يتهاون في مثل هذه الأمور..

وكانت الحرب الإسلامية حربًا تربوية..

فتعمَّد سعد حبس هذه المجموعة في قصر "قديس"..

ومنعها من الاشتراك في القتال بسبب اعتراضها..

وأرسل سعد بيانًا إلى المسلمين عن طريق خالد بن عرفطة ..

يقول فيه: أما والله لولا أن عَدُوَّكم بحضرتكم لجعلتكم نكالاً لغيركم.

فقام جرير بن عبد الله وقال: أما إني -واللهِ- بايعت رسول الله على أن أطيع أميري، ولو كان عبدًا حبشيًّا.
فجاء هذا الكلام ليؤيد سعد في قراره في حبس هذه المجموعة..

ثم قال سعد: واللهِ لا يعود أحدٌ بعدها يشغل المسلمين عن عدوهم إلا سننت فيه سنة تؤخذ من بعدي.

ولم يوضح العقاب؛ وذلك لإثارة الرعب في قلوب المشاغبين ومن يعصي الأمير في مثل هذا الموقف..

ثم كتب سعد خطبة ووزعها على الرسل..

لتصل إلى كل الجيش وذلك يوم القادسية.. يقول فيها ..

"إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونثني عليه الخير كله..
إن الله هو الحق لا شريك له في الملك، وليس لقوله خُلْف..
قال جلَّ ثناؤه: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}
إن هذا ميراثكم وموعود ربكم.. وقد أباحاها اللهُ لكم منذ ثلاث حجج..
فأنتم تطعمون منها، وتأكلون منها، وتجبونها، وتقتلون أهلها..
وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال منهم أصحاب الأيام منكم..
وقد جاءكم منهم هذا الجمع، وأنتم وجوه العرب وأعيانهم، وخيار كل قبيلة، وعِزُّ مَن وراءكم..
فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة جمع الله لكم الدنيا والآخرة..
ولا يُقرِّب ذلك أحدًا إلى أجله، وإن تهنوا تفشلوا وتضعفوا تذهب ريحكم، وتوبقوا آخرتكم"

والمتأمل في الخطبة يجد أنها تنقسم إلى 4 مقاطع:

أول هذه المقاطع يذكر للمسلمين أن النصر وارد في حقهم ..

فيذكر لهم وعد الله في كتابه لعباده الصالحين..

فيطمئن المسلمين أن الله سيورثهم هذه الأرض إن كانوا صالحين..

ولا بد لأهل الإيمان أن يصدقوا هذه الحقيقة..

ثم يذكر لهم الأدلة العقلية.. فهم هناك متمكنين منذ 3 أعوام تقريبا ..

وبعد ذلك يثني سعد عليهم فيشكر هذه الطائفة ولم يبالغ حقيقة في الثناء..

فهذه الطائفة أفضل طوائف العرب..

وأفضل المقاتلين في العرب جمعوا في القادسية، فيعطيهم هذا القدر وتلك القيمة..

فيشعر الناس بعزتهم وبقوتهم مما يدفعهم للقاء عدوهم غير مجبونين، ولا خائفين من الفرس.

ثم يضع يده على مفتاح النصر.. بالزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة..

فحَمَّسَتْ هذه الخطبةُ الناس، وتحفزوا للقاء الفرس.

ثم قام عاصم بن عمرو في المجردة، فقال: هذه بلاد قد أحلَّ اللَّهُ لكم أهلها، وأنتم تنالون منها منذ ثلاث سنين ما لا ينالون منكم، وأنتم الأعلون واللَّه معكم إن صبرتم، وصدقتموهم الضرب والطعن فلكم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم وبلادهم، ولئن خُرْتم وفشلتم -والله لكم من ذلك جار وحافظ- لم يُبقِ هذا الجمعُ منكم باقية، اللهَ اللهَ، اذكروا الأيام وما منحكم الله فيها، اجعلوا همَّكم الآخرة، يا معاشر العرب إنكم تخاطرون بالجنة وهم يخاطرون بالدنيا، فلا يكونُنَّ على دنياهم أحوطَ منكم على آخرتكم، لا تُحْدِثوا أمرًا تكونون به شَيْنًا على العرب.

ثم أرسل سعد إلى كل من له كلمة، وكل من له خطابة في المسلمين حتى يخطب في الجيش ويحفز الناس..

فقام قيس بن هبيرة فقال: أيها الناس، احمدوا الله على ما هداكم يزدْكم، واذكروا آلاء الله فإنَّ الجنة أو الغنيمة أمامكم. ثم يَعْرِضُ للمسلمين بشيءٍ محبَّبٍ إلى النفوس، فيقول لهم: وإنه ليس وراء هذا القصر -ويقصد قصر قُدَيْس- إلا العَرَاء، والأرض القَفْر، والظَّراب الخشن (أي التلال الصغيرة)، والفلوات التي لا يقطعها الأدلة (يريد أنكم تاركون هذه الصحراء إلى جنات فارس الخضراء).

ثم يقوم غالب بن عبد الله فيقول: أيها الناس، احمدوا اللهَ على ما أبلاكم، وسَلُوه يَزِدْكم، وادعوه يُجِبْكُم، يا معاشِرَ العرب ما عِلَّتكم اليوم وأنتم في حصونكم (أي على خيولكم)، ومعكم من لا يعصيكم (أي السيوف)؟ اذكروا حديث الناس في الغد؛ فغدًا يبدأ بكم ويُثَنَّى بمن بعدكم.

ثم يقوم ابن الهذيل في القادسية، فيقول: يا معاشر العرب، اجعلوا حصونكم السيوف، وكونوا عليها كالأسود، وتَرَبَّدُوا تربُّدَ النمور، وثِقوا بالله، وإن كلَّت السيوف فأرسلوا عليهم الجنادل (أي الحجارة)؛ فإنها يؤذن لها فيما لا يُؤذَن للحديد فيه (وفي فلسطين أُذِنَ للحجارة فيما لم يؤذن فيه للحديد).

ثم قام ربعي بن عامر فقال: أيها المسلمون، إن الله قد هداكم للإسلام، وجمعكم به، وأراكم الزيادة فاشكروه يزِدْكم، واعلموا أن في الصبر الراحة؛ فَعَوِّدوا أنفسكم على الصبر تعتادوه، ولا تعودوها على الجزع فتعتادوه.

فحَمِيَ المسلمون، وقَوِيَت شوكتهم، وتحفزوا للقتال..

وكانت هذه بدايات الجيش الإسلامي التي جعلته يدخل المعركة بروح عالية..

بينما كان الجيش الفارسي لا يريد دخول المعركة..

وقد ملأ الشعور الهزيمة قلب رستم..

بعد أن رأى رؤيتي شؤم في حقه ..

ثم يرسل سعد بيانًا إلى الناس، وذلك قبل صلاة الظهر؛ لِيُقْرَأَ على كل الكتائب..

يقول لهم فيه: "الزموا مواقفكم لا تحركوا شيئًا حتى تُصَلُّوا الظهر، فإذا صلَّيتم الظهر فإني مُكبر تكبيرة، فإذا كبرت فكبروا، ثم شدوا شُسُوعَ نِعَالِكُم، واعلموا أن التكبير لم يُعْطَه أحدٌ من قبلكم، وإنما أُعْطِيَ لكم لتأييدكم".

فاللهُ أكبرُ من الفُرْسِ ومن الروم !

اللهُ أكبرُ من كل أهل الأرض إذا كانوا يحاربون الله ورسله..

ويحاربون من ساند دين الله..

فهذه الكلمة كانت علامةَ البدء وكلمة السر عند المسلمين..

وذكرهم سعد بأن هذه الكلمة هديةٌ من الله لهم، فعليهم أن يقدروا قيمتها..

"فإذا كبرت التكبيرة الثانية فكبروا وتهيئوا ولتستتموا عُدتكم..
فإذا كبرت الثالثة فكبروا، وليخرج فرسانكم وليخرج أهل النجدة والبلاء..
ولْيُنشِّطْ فرسانُكم الناسَ على القتال؛ ليبارزوا ويطاردوا..
فإذا كبرت الرابعة فشدوا النواجذ على الأضراس، واحملوا وازحفوا جميعًا حتى تخالطوا عدوكم..
وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله".

وقد استعان بها المسلمون على فتح حصون الفرس..

واستعانوا بها على فتح حصن الأنبار..

واستعان بها محمد الفاتح في فتح القسطنطينية، وقد قال لجيشه: "قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله يفتحِ اللهُ لكم".

ثم يحين موعد صلاة الظهر فيُؤَذَّن لصلاة الظهر..

وظنه رستم نداء الحرب فتحرك نحو المسلمين..

وما إن سمع المسلمون إقامة الصلاة حتى اصطفوا لها..

فنادى رستم على جيشه بأن يأخذوا أُهْبَتَهُم ويستعدوا للقاء المسلمين..

فتقول له العيون: إنما هذا للصلاة وليس للحرب.

فيتعجب رستم ويقول: عجيب أمر هؤلاء الناس، حتى وَهُمْ في ميدان المعركة حريصون على الصلاة.

ثم تُقامُ الصلاةُ ويَؤُمُّ المسلمين خالد بن عرفطة..

ويصلي بهم صلاة الحرب ..

ومشروعية هذه الصلاة في الحرب حتى لا يقوم المسلمون بالصلاة كلهم..

فيأتيهم العدو من خلفهم فيهجموا عليهم.

وأتمَّ المسلمون الصلاة، وألقى الله الرُّعب والرهبة في قلوب الفرس..

وكما تعجب رستم نتعجب نحن أيضًا..

كيف أن المسلمين أقاموا الصلاة في أول وقتها في هذا الموقف الجلل، والجوِّ المشحونِ بالخطورة؟!

لكن هذا هو المفتاح .. الزهد في الدنيا والطمع في الآخرة..

ثم يأمر سعد القُرَّاء بالانتشار في الكتائب، وقراءة سورة (الأنفال)، فيفعلون...

ونذكر منها هنا بعض الآيات؛ لنعيش في الموقف الذي عاش فيه المسلمون في القادسية..

(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ
وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ
وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى
وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ)

وقُرِئَت سورةُ الأنفال كاملةً، وكان المسلمون يتعلمونها في الجهاد..

وهَشَّت القلوبُ، وانهمرت الدموع من العيون..

وتذكَّر البدريون من صحابة رسول الله موقعة بدر..

وتذكروا كيف أنزل الله ملائكته عليهم، وكانت عدتهم قليلة..

وكان الكفار أكثر منهم..

وكيف كانت أعناق الكفار وهي تطير حتى قبل أن تصلَ إليها السيوف..

وتذكروا المطر الذي نزل فثبَّت الأقدام.. وزلزل الأرض من تحت أقدام المشركين..

بعد قراءة سورة الأنفال ..

شعر سعد بارتفاع الروح المعنوية لدى المسلمين، وأنهم على أُهْبَة الاستعداد وأتمِّه للقاء الفرس..

فصاح رافعًا صوته قائلاً: الله أكبر !

فكبر من ورائه المسلمون جميعًا، وكان عددهم 32 ألفًا..

فأوقعت هذه الصيحة الرعب والفزع في قلوب أهل فارس.

وتحفز المسلمون للقتال ولكنهم كانوا ينتظرون التكبيرات الأربع..

ثم يكبر سعد التكبيرة الثانية فتصطف الصفوف، وتُرفَع السيوف من الأغماد..

ويستعد الناس للقتال..

ثم يكبر سعد التكبيرة الثالثة فتخرج كتيبة الفرسان أفضل مجاهدي المسلمين ..

على أشد الخيول ضراوةً إلى ساحة القتال يطلبون المبارزة..

ليحفزوا المسلمين وينشطوهم..

وكان من أوائل من خرجوا من فرسان المسلمين للقتال ..

ربيعة بن عثمان، وغالب بن عبد الله، وعمرو بن معديكرب، وعاصم بن عمرو التميمي..

وكان أول قتال نشب بين ربيعة بن عثمان من قبيلة هوازن وأحد أشداء الفرس..

وكان قتالاً شديدًا، وتقاتلا مدة كبيرة..

وأَذِن اللهُ لربيعة بن عثمان بقتل الفارسي بعد قتالٍ عنيف..

وكان أول قتيل من الفرس في أرض القادسية فكبر المسلمون..

وربط الله على قلوب المسلمين، وألقى الله الرعب في قلوب الفرس..

وهبت ريح النصر على المسلمين..

وتقدم غالب بن عبد الله صحابي رسول الله ليقاتل فخرج له هرمز ..

وهو غير هرمز المقتول بسيف خالد بن الوليد في موقعة ذات السلاسل..

فتقاتلا قتالاً شديدًا، وأتم الله النعمة على غالب بقتل هرمز في أرض المعركة وبسلبه تاجه..

فانهارت معنويات الفرس، وخُلِعَت قلوبهم من الرعب..

وارتفعت معنويات المسلمين، وكبر المسلمون بعد قتل هرمز ملك منطقة الباب..

وقام عمرو بن معديكرب يتمشى بين الصفوف..

وكان يحمل أقوى سيوف العرب وهو سيف الصمصامة ..

وكان رجلاً ضخم الجثة قوي البنيان، وكان من المهرة في القتال..

فتقدم إليه رجل من الفرس ورماه برمح فوقع على درعه وسقط على الأرض..

وكانت رماح الفرس من طولها يسمونها نشابًا..

وتوجه عمرو نحو الفارسي وحمل عليه حملة واحدة فخطفه من فوق فرسه..

ورجع به إلى المسلمين، وألقاه على الأرض، وضرب رأسه بسيفه..

فقطعها بضربة واحدة ثم أخذ رأسه وألقاها ناحية فارس، وأخذ سواريه ومنطقته..

وحمل عاصم بن عمرو رابع الفرسان الذين تقدموا على رجل من أهل فارس..

فترك هذا الرجل فرسه وهرب إلى الجيش الفارسي..ليحتمي بهم

فأخذ عاصم فرسه وعاد به غنيمة إلى المسلمين..

وكتب الله النصر للفرسان الذين تقدموا من المسلمين..

بعد هذه الانتصارات التي حققها المسلمون..

وبعد الرعب الذي وقع في قلوب أهل فارس..

يحدث حدث غريب لم يحدث من قبل.. ولم يحدث بعد ذلك في الحروب الفارسية..

وتناقله الرواة في رواياتهم لحروب فارس.. وكان حادثًا مؤسفًا ..

هو أن أحد المسلمين في الجيش الإسلامي ارتدَّ ..!

وانتقل من معسكر الإيمان إلى معسكر الكفر والوثنية..

وليس بينه وبين الشهادة إلا مسافة غير بعيدة، ولكنه ارتد رافعًا يده مستسلمًا للفرس.

ويحكي الرفيل وهو أحد الفرس الذين أسلموا وأخفوا إسلامهم وبقي في جيش الفرس عينًا للمسلمين..

أن هذا الرجل جاء إلى الفرس، وأعلن ارتداده وانضمامه إلى صفوف الفرس وترك جيش المسلمين..

وكانت هي الحادثة الوحيدة التي حدثت طيلة الحروب الفارسية..

وسأله الفرس: أي العرب أشد؟

فقال لهم: إن بأسهم في بجيلة؛ فإذا انتصرتم عليها وهنت لكم قوة العرب..

فلما وصل هذا الكلام إلى رستم أصدر أمرًا بتقدم الميمنة والمقدمة نحو بجيلة...

فيتوجه الهرمزان على رأس 28 ألف مقاتلٍ..

والجالينوس على رأس 24 ألفًا..

وكان مجموع الفرقتين 52 ألف مقاتل..

وتتوجه هذه القوة إلى قبيلة بجيلة..

وإلى هذه اللحظة لم يطلِق سعد بن أبي وقاص التكبيرة الرابعة..

وما إن توجهت هذه الأعداد إلى قبيلة بجيلة حتى أمطروهم بوابل من السهام..

فاتَّقى المسلمون السهام..

وتقدمت الفِيَلة نحو بجيلة فنفرت الخيل من أمام الفيلة..

وبدأ الفرسان يدفعون بالمشاة ليتقدموا ويدفعوا عن الخيول..

وكان هذا الموقف من أشد المواقف صعوبة على المسلمين..

وقاتل المسلمون بصعوبة شديدة، وثبت المشاة من المسلمين ولم تثبت الخيول..

وبدأت الكفة ترجح في جانب الفرس.

ومن فوق قصر (قُدَيْس) رأى سعد بن أبي وقاص بنظرته الحربية ..

أنه لو أطلق التكبيرة الرابعة لهجمت الفرق الإسلامية على فرقة الجالينوس وفرقة الهرمزان..

مما يعطي الفرصة لبقية فرق الفرس المنتظرة دون قتال بقيادة مهران والبيرزان وبهمن ..

للالتفاف حول الجيش الإسلامي ومقاتلته من الخلف..

فخشي سعد من إطلاق التكبيرة الرابعة إلا بعد اشتراك هذه الفرق في القتال ..

حتى تواجههم الفرق الإسلامية وجهًا لوجه، ولا تلتف خلف الجيش الإسلامي.

فيصبر سعد حتى يرى ما تنتجه الأحداث.. وتثبت بجيلة..

لكن الأمر في غاية الصعوبة، فأعداد الفرس ضخمة وهجوم الأفيال شديد جدًّا..

وقد ألقى الفرس تحت أرجل خيول المسلمين حسك الحديد (قطعًا تشبه الخوازيق)..

فكان هذا الموقف من أشد المواقف على المسلمين.

وفي الوقت نفسه أرسل سعد رسالة إلى قبيلة أسد أن أغيثوا بجيلة وهي على يمين بجيلة مباشرة..

وقبل أن تتحرك قبيلة أسد لنجدة بجيلة..

كانت الفرق الفارسية قد توجهت إلى عمق قطاع بجيلة وفي قطاع كندة أيضًا على يسار بجيلة..

وعانت القبيلتان من السهام والسيوف الفارسية..

ولما وصلت الرسالة إلى قبيلة بني أسد قام طليحة بن خويلد الأسدي وخطب في الناس..

وقال لهم: لو يعلم سعد قومًا أجدر منكم على إغاثتهم لاستغاثهم؛ وإنما سميتم أسدًا لتفعلوا فعله..
فقاتلوا كما تقاتل الأسود.

وكانت لهذه الكلمة أثر السحر في نفوس قبيلة أسد..

فقامت وهجمت على فرقة الجالينوس لتذب عن بجيلة الرماح والسهام والسيوف الفارسية،.

وألقى الله في قلوبهم الثبات..

وقاتلت قبيلة "أسد" أشد ما يكون القتال مما جعل العجب يدخل إلى نفوس أهل المعركة..

وبعد هذه الهجمة من قبيلة بني أسد ..

وَجَدَ الهرمزان والجالينوس أن الهجوم يأتي من ناحية قبيلة أسد، فوجهوا القتال ناحيتها..

وفي أثناء القتال قام الأشعث بن قيس في قبيلة كِنْدَة التي كانت على ميسرة الجيش الإسلامي..

وكان الأشعث في الوفد الذي ذهب إلى يزدجرد، وكان قد ارتدَّ من قبل..

وزوَّجه أبو بكر الصديق أخته أم فروة بعد أن اطمأنَّ إلى إسلامه..

فقال لهم: يا معشر كندة، لله دَرُّ بني أسد أي فري يفرون! (أي ما أشد قتالهم!) منذ اليوم أغنى كل قوم ما يليهم..
وأنتم تنتظرون من يكفيكم البأس.

فتحمست كندة، وخرج له أهل النجدة..

وتحولت قبيلة كندة من الدفاع إلى الهجوم ضد القوات الفارسية لِتَذُبَّ عن قبيلة بجيلة وقبيلة أسد..

والتفت القبائل الثلاثة حول الفرقتين الفرسيتين بقيادة الهرمزان والجالينوس..

ولضيق المكان لم يتمكن الجيش الفارسي من الالتفاف حول الجيش الإسلامي..

وكانت مشكلة الجيش الفارسي أن صفوفه كانت متكدسة في الطول..

وعرضهم كان موازيًا لعرض المسلمين..

ودارت رَحَى المعركة على قبيلة بجيلة وأسد..

وقبيلة كندة التي كانت تحاول مساعدة المسلمين..

ولما رأى رستم ما حَلَّ بجيشه أمر بهمن جاذويه قائد القلب أن يترك مكانه ويتقدم ناحية قبيلة أسد..

فيتقدم بهمن على رأس 20 ألف مقاتل و5 أفيال إلى قبيلة أسد مهاجمًا..

وللمرة الثانية بدأت الكفة ترجح في ناحية الفرس.

تعجب سعد بن أبي وقاص لما رأى الأفيال من فوق القصر وأنها فوق طاقة المسلمين..

فنادى على عاصم بن عمرو التميمي وقال له: ألا لك في الفيلة من حيلة؟

فقال: بلى والله.

فانتخب عاصم بن عمرو التميمي أفضل فرقة من قبيلة تميم، وكانوا من أفضل القبائل رميًا بالسهام..

وبدأت هذه الفرقة برمي قائدي الفيلة بالسهام..

فكان كل فيل حاملاً تابوتًا كبيرًا عليه أكثر من قائد..

وقسَّم سيدنا عاصم بن عمرو التميمي من معه إلى فرقتين: فرقة ترمي قُوَّاد الفيلة بالسهام..

والأخرى تندس داخل الجيش الفارسي لتقطع أحزمة التوابيت التي فوق الأفيال،..

كانت فكرة سيدنا عاصم أن تفقد هذه الفيلة توجهها في القيادة لتتجه نحو الجيش الفارسي.

واستطاعت هذه الفرقة أن تصيب طائفة كبيرة من قواد الأفيال..

واستطاعت الفرقة التي اندست في الجيش الفارسي أن تقطع أحزمة توابيت الأفيال..

وكلما وقع تابوت كبر المسلمون، وتقدموا إليه وقتلوا من فيه..

وحدث ذلك في معظم التوابيت الثلاثة عشر..

وعند ذلك يكبر سعد بن أبي وقاص التكبيرة الرابعة..!

وما إن انطلقت التكبيرة الرابعة حتى انطلق المسلمون ناحية الجيش الفارسي..

ويتقدم كذلك الجيش الفارسي وتلتحم الصفوف، واشتدت رحى الحرب دورانًا..

وكانت المعركة على أشدها، وبدأت أسد وبجيلة في دفع بهمن جاذويه إلى الخلف..

وكانت مرحلة لم يفكر المسلمون في الوصول إليها..

فقد كانت البداية شديدة على قبيلتي أسد وبجيلة..

حتى استطاع عاصم بن عمرو التميمي -بفضل الله- أن يرد بأس الفرس شيئًا ما.

وبعد هذا الأمر يستمر القتال بين الفريقين ما بين قاتل ومقتول من الناحيتين حتى بعد غروب الشمس بقليل..

وفي هذا الوقت كانت الجيوش لا تقاتل ليلاً، ونهكت قوى الفريقين ..

وكان القتال في غاية الشدة..

واستمر القتال حتى دخل وقت صلاة العشاء..

فبدأ الفريقان بترك أرض القتال كلٌّ منهما عائدًا إلى مكانه قبل صلاة العشاء ..

وكان يوم القادسية موافقًا للـ 13 من شعبان في ..

وسمِّيَ هذا اليوم بيوم أرماث..

ولا نستطيع الجزم بانتصار المسلمين أو انتصار الفرس..

وأدرك المسلمون قوة الفرس..

فإن المسلمين قد اعتادوا في المعارك السابقة انتهاء المعركة في يوم واحد وقبل الظهر..

لكن هذه المعركة لم تتحقق فيها نتيجة حتى بعد غروب الشمس..

وإن كانت الغلبة ظاهرة في هذا اليوم في صف الفرس إلى حد ما.

واستشهد في أول أيام القادسية من المسلمين 500 شهيد..

400 من قبيلة أسد وحدها ..

ومات من الفرس .. 2000..

ولم يقع قتال بين الفريقين في هذه الليلة وسميت بليلة الهَدْأَة..

وبدأ المسلمون بجمع شهدائهم ونقلهم إلى منطقة "عذيب الهجانات"..

وتقع قبل القادسية بميل أو أكثر..

ونقلهم المسلمون على الإبل حيث كانت النساء ينتظرن المسلمين..

حيث كان المسلمون قد خرجوا إلى القادسية منذ شهور، وأخذوا معهم نساءهم..

وعسكروا في منطقة "عذيب الهجانات" في مؤخرة الجيش الإسلامي..

وكان على النساء حبيب بن جرير الأنصاري..

بالإضافة إلى اختصاصه بشئون الجرحى والشهداء..

وبدأت النساء بحفر القبور..

ولا تدري أيتهن من يُدفن في هذا القبر إن كان أباها أو أخاها أو ابنها..

ودُفِنَ الشهداءُ في الليلة نفسها، وتجهز المسلمون لملاقاة الجيش الفارسي في اليوم الثاني.

وفي هذه الليلة تجلس الخنساء مع أبنائها الأربعة؛ لتحفزهم على القتال..

وألا يفروا من المعركة إذا حمي وطيس الحرب..

وأن يكونوا على الجنة أحرص منهم على الحياة..

وهي التي بكت سنينَ على أخيها صخرٍ عندما قتل في الجاهلية..

وكانت شاعرة من شاعرات العرب في الجاهلية، ومَنَّ اللهُ عليها بالإسلام..

وخطبت في أبنائها؛ فقالت: إنكم أسلمتم طائعين، وجاهدتم مختارين، وقد تعلمون ما أعدَّ الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فإذا أصبحتم غدًا سالمين فاغدوا على قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   25.09.14 3:24

معركة القادسية اليوم الثاني والثالث


استمر القتال في اليوم الأول من القادسية حتى آخر اليوم بعد غروب الشمس بقليل، ثم انفصلت الجيوش..

وسميت هذه الليلة ليلةَ الهدأة..

لأن الجيوش هدأت فيها ولم تقاتل..

وفي هذه الليلة أيضًا وصلت رسالة من سيدنا أبي عبيدة بن الجراح..

وهو أمير الجيوش الإسلامية في الشام..

بعد أن انتصر على الروم في موقعة اليرموك..

فقد أرسل له عمر بن الخطاب رسالة أن يرسل مددًا من الشام إلى العراق لنجدتهم..

فأرسل أبو عبيدة بن الجراح 6000 مقاتلٍ على مقدمتهم القعقاع بن عمرو التميمي..

وكان هذا سببًا عظيمًا في فرحة المسلمين واستبشارهم بالنصر..

لأن القعقاع من أفضل المقاتلين المسلمين.. ومن أشدهم ضراوة..

وكان على رأس الآلاف الستة ... هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ابن أخي سعد بن أبي وقاص..

وعلى المقدمة القعقاع بن عمرو..

وفي أول تباشير الصباح من اليوم الثاني ..

وصلت الفرقة القَعْقَاعِيَّة..للقادسية..

لقد تفتق ذهن القعقاع عن حيلة لم تحدث من قبل في تاريخ الحروب الإسلامية أو الفارسية..

فقد كان معه 1000 فارس قسَّمهم إلى 10 أقسام..

كل قسم يتكون من 100 ..

وتقدم هو في أول مائة ودخل على الجيوش الإسلامية في الصباح..

وهو يكبر والمائة يكبرون معه: الله أكبر!

وكأنهم هم فقط المدد للمسلمين..

فشعر المسلمون بالراحة لوجوده ..

ثم بعد قليل جاء 100 آخرون يكبرون: الله أكبر !

ثم بعد قليل جاء 100 آخرون يكبرون: الله أكبر!

وهكذا تتابعت كل مائة حتى ظَنَّ المسلمون أن هذا المدد لا ينتهي..

فزاد ذلك في عزيمتهم، وفي معنوياتهم..

وفَتَّ ذلك في عَضُدِ أهل فارس ..

ورغم أن القعقاع كان قد قطع مسافة كبيرة ليصل إلى القادسية ..

إلا أنه كان أول من بارز في اليوم الثاني من المعركة ..

فخرج له بهمن جاذويه قائد قلب الجيش الفارسي .. فقتله القعقاع..!

وحدثت هزيمة نفسية شديدة للفرس..

وشعروا أن هذا اليوم يوم شؤم عليهم..

فأراد رستم أن يغيَّر من نفسية الفرس، ويشد من أزرهم..

فأخرج للقعقاع بن عمرو البيرزان قائد مؤخرة الجيوش الفارسية ..

وهو أحد القواد الخمسة العظام الذين تحت إمرة رستم مباشرة..

وأخرج معه قائدًا آخر اسمه البندوان كان مرشحًا لخلافة بهمن جاذويه على القلب..

فخرج مع القعقاع ..الحارث بن ظبيان..

والتقى المسلمان: القعقاع والحارث مع قائِدَي الفرس..

فتبادلا ضربتين ..

فقتل القعقاع ..البيرزان بضربة واحدة طارت فيها رأس..

وكذلك فعل الحارث بن ظبيان فقد قتل البندوان بضربة واحدة أيضًا.

وفقد الفرس بذلك ثلاثة من أكبر قوادهم في أولى لحظات القتال من اليوم الثاني...

وفي ذلك بشارة بالنصر للمسلمين..

لكن لم يكن هناك تواجد للفيلة في هذا اليوم ؟!

لماذا ؟!

لأن توابيتها قُطِعَت كُلُّها في المعركة أمسِ؛ فلم يستطع الفرس الركوب على الفيلة بدون التوابيت..

والفيلة كلها موجودة في قطاع من قوات الاحتياط في الجيش الفارسي يصلحون من شأن التوابيت..

ويعلمون أحزمة جديدة لها بعدما قطعها المسلمون في اليوم السابق..

ثم بدأت المناوشات مرة أخرى بين فرسان المسلمين والفرس.

ويخرج في هذا اليوم علباء بن جحش ليقاتل أحد الفرس ..

فيصيب كل منهما الآخر في مقتل..

فيضرب الفارسي المسلم في بطنه، فيقع على الأرض بعد أن ضرب الفارسي في صدره فقتله..

وخرجت أمعاء علباء خارج بطنه..

فقال لرجل من المسلمين بجواره: أعنِّي على بطني...!

أي: ساعدني أن أدخل أمعائي في بطني؛ فأدخل أمعاءه في بطنه..

ثم قام فتوجه مرة أخرى إلى أرض المعركة ليستكمل القتال...!

لكنه سقط بعد خطوات قليلة وهو يقول:

أرجو بها من ربنا ثوابا *** قد كنت ممن أحسن الضرابا

ثم استشهد ...رضي الله عنه..

ثم خرج أبناء الخنساء ..

وانطلق أولادها الأربعة في هذا اليوم أيضًا للمبارزة قبل أن يلتقي الجمعان،..

وخرج الواحد منهم تلو الآخر، كل واحد منهم يخرج ويتلو بعض أبيات الشعر..

ثم يتقدم ويحمل على الفُرْسِ؛ فيَقْتُل منهم من يَقْتُل، ثم يُستَشهد..

فاستُشهِد في ذلك اليوم أبناء الخنساء الأربعة، وعندما بلغها خبرُ استشهادهم..

قالت: الحمدُ للهِ الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.

ثم تقدم القعقاع يطلب المبارزة 30 مرةً في هذا اليوم..

فقتل وحده في الكَرِّ والفَرّ 30 فارسيًّا..

وكل ذلك ولم يلتقِ الجيشان، واستمرت المبارزة حتى بعد صلاة الظهر..

ثم بدأ الفريقان يلتحمان مع بعضهما البعض في قتال شديد..

وقد كان الالتحام في اليوم السابق من ناحية الفرس تجاه المسلمين..

إلا أنه في هذا اليوم تقدم المسلمون ناحية الفرس..

وضغطوا عليهم في بداية القتال عكس اليوم السابق..

ثم استمر القتال بمنتهى القوة والشدة بين الطرفين من صلاة الظهر حتى منتصف الليل دون انقطاع.

وفي هذا اليوم أيضًا ..

تصل من عمر بن الخطاب إلى الجيش الاسلامي هدية معنوية يحمس بها الجيش ويحفزه..

فقد بعث بأربعة خيول وأربعة أسياف هدايا إلى أهل البلاء والشدة من المسلمين..

وفي الليل قبل أن تنتهي المعركة ..

ينادي سعد بن أبي وقاص على أربعة..

فيعطيهم الخيول وهم: القعقاع .. و نعيم بن عمرو، وعتاب بن نعيم، وعمرو بن شبيب وكلهم من تميم..

ثم أعطى سعد الأسياف الأربعة لأربعة رجال وهم: حمال بن مالك قائد المشاة..

والربيل بن عمرو، وطليحة بن خويلد الأسدي، وعاصم بن عمرو التميمي..

ومن الأحداث اللطيفة التي تُرْوَى في هذا اليوم أيضًا ..

أن أبا مِحْجَنٍ الثقفي المحبوس ..

مكث في القصر يرسف في أغلاله يسمع أصوات السيوف، ويسمع تكبير المجاهدين..

ونفسه تتشوق إلى القتال والجهاد في سبيل الله..

فالجنة على بُعْدِ خطوات، وهو مقيد في قيده؛ فندم على فعلته ومعصيته لأميره خالد بن عرفطة..

وطلب من سعد بن أبي وقاص أن يشركه في القتال ثاني يوم .. لكن سعد رفض..

وكانت زوجة سعد بن أبي وقاص هي التي تسقي وتطعم المحبوسين داخل الحصن..

فسمعت أبا محجن الثقفي ينادي عليها ويقول: يا أَمَةَ الله، هل لك في خير؟

فقالت له: وما ذاك؟

فقال لها: تفكين أسري وتعيريني البلقاءَ.. فأشترك في القتال، فإن سلَّمني الله عُدْتُ..
ووضعت قدمي في القيد، وهذا عهد مني إليك.


والبلقاء هي فرس سعد ..وخاصة نحن نعلم أن سعد مريض، وجالس فوق القصر لم يشارك في القتال..

فقالت: ما لي أفعل ذلك؟!

أي: لا أستطيع أن أفعل هذا حتى لا يغضب سعد مني..

فرفضت ثم عادت فسمعته يشدو شعرًا يذكر فيه تشوقه إلى الجهاد..

وحسرته على أن المجاهدين هناك وهو هنا.. وأخذ يبكي بكاء مُرًّا..

فَرَقَّ قلبها لتشوقه للجهاد، وصَلَّت واستخارتِ اللهَ ..

ثم ذهبت إليه، وقالت: يا عبد الله، إني قد استخرتُ الله، وقبلتُ عهدك

وبالفعل فَكَّت قيده، فذهب أبو محجن الثقفي، وأخذ البلقاء..

وخرج من الباب الخلفي لحصن قديس، وانطلق إلى أرض المعركة..

وقد حدث ذلك كله بعد منتصف الليل، فتلثَّم أبو محجن حتى لا يعرفه أحد..

ودخل أرض المعركة في ميسرة الجيوش حيث قبيلته ثقيف..

ثم بدأ يقاتل قتالاً لم يعهده العرب من قبل..

وقَتَلَ من الفرس في ذلك اليوم الكثير، وظل يكرُّ ويَفِرُّ على ميسرة الفرس..

حتى أحدث فيهم ما لم يحدثه العرب؛ فتعجب منه المسلمون وهم لم يعرفوا هذا الفارس..

ثم عاد من خلف الجيوش وانتقل إلى ميمنة الجيش الإسلامي، وبدأ يقاتل الفرس منها..

فقتل منهم من قتل وفعل بالفرس مثلما فعل بالميسرة..

ثم عاد من خلف الجيوش الإسلامية في قلب الجيش الإسلامي..

وقاتل الفرس في قلبهم، فقتل منهم أيضًا من قتل..

والمسلمون يتعجبون مَنْ هذا؟!

وسعد بن أبي وقاص من فوق حصن القادسية يرى الرجل، فيقول: سبحان الله! الضبر ضبر البلقاء (أي هذه حركات البلقاء)، والطعن طعن أبي محجن...!

لكنه لم يجد تفسيرًا لذلك؛ لأن أبا محجن في حبسه وفرسه مربوطة..

ثم يقول: والله لولا حبسُ أبي محجن، لقلت: أبو محجن، وقلت: البلقاء.

ثم عاد بعد أن انتصف الليل وانفكت الجيوش إلى قيده، ووضع قدميه في القيد..

وربط البلقاء وكأن شيئًا لم يكن..

والمسلمون يتعجبون. ويقولون: واللهِ لولا أنَّا لا نرى الملائكة لقلنا: ملك يثبتنا.

وهذا هو التفسير الوحيد لما شاهده المسلمون في المعركة من أبي محجن..

ثم ذهبت السيدة "سلمى" زوجة سعد بن أبي وقاص إليه في اليوم الثاني..

وأخبرته بالقصة؛ لأنها لم تستطع أن تحتفظ بهذا السر الرهيب..

فغضب في البداية، ثم اكتشف وجود أبي محجن في القيد، فعلم أنه وفَّى بعهده، وعاد إلى القيد..

فسامحها وسامحه، وأطلقه في أرض المعركة في اليوم الثالث..

سبحان الله..!

انظر إلى هذا الرجل وكم كان شوقه إلى القتال؛ فهو محبوس وله عذره..

ولا يستطيع أحد من الناس أن يتهمه بالجبن، وهو بذلك الحبس ينقذ نفسه من القتال أو الموت..

لكنه يبغي الشهادة، ويقاتل حتى وإن رفض الأمير..

وقد سُمِّي هذا اليوم في التاريخ يومَ أغواث..

لأنه جاء فيه الغوث من الشام على رأسه القعقاع بن عمرو..

وكان في ذلك غوث شديد للمسلمين وكان النصر حليفهم.

وقد استُشهِد في هذا اليوم من المسلمين 2000 شهيد..

وقُتِلَ من الفرس 10 آلاف..

وبذلك أصبح قَتْلَى الفرس في اليوم الأول والثاني .. 12000..

وشهداء المسلمين 2500...

وبعد منتصف الليل وانفصال الجيوش ..

حمل سعد بن أبي وقاص الشهداء على الجمال..

وسارت بهم من القادسية إلى عذيب الهجانات على بعد 5 كم جنوبي القادسية؛ لكي يدفن الشهداء فيها.

أما بالنسبة لقتلى الفرس فقد كان من عجائب دينهم أنه يحرم عليهم دفن الموتى..

فكانوا في بلادهم يضعون الموتى على الجبال؛ فتنهشهم جوارح الطير..

وفي هذه المعركة انهزموا هزيمة نفسية فتركوا موتاهم في الميدان..

وفي صباح اليوم الثالث كانت أرض المعركة كلها مملُؤَة بقتلى الفرس فقط..

ولم يكن فيها شهيد من المسلمين..

فأثَّر ذلك المشهد تأثيرًا نفسيًّا شديدًا على الفرس..

فهم لم يعرفوا كم استُشهِد من المسلمين؟ وكم قُتِلَ منهم؟

وسبحان الله الذي أنعم على المسلمين بدفن شهدائهم في العُذَيْب كما ذكرنا.

ثم يخرج القعقاع بن عمرو التميمي بحيلة جديدة في هذه الليلة أيضًا..

فبعد أن انتهى القتال في منتصف الليل، وانفصلت الجيوش..

لم ينم القعقاع وفرقته مثل بقية الجيش لكي يستريح ويستعد لليوم التالي..

لكنه أخذ يسرب جيشه كله (الألف مقاتل) بعيدًا عن الجيش في اتجاه الشام بنحو كيلو أو اثنين..

وقال لهم: عندما يأتي اليوم التالي (اليوم الثالث في القادسية) تأتون إلى أرض المعركة مائةً مائةً تكبرون، وكأنكم مدد جديد جاء للمسلمين؛ فيزيد ذلك من بأس المسلمين، ويضعف من عزيمة الفرس.

وفعل عاصم بن عمرو التميمي أيضًا نفس الفعل..

ولا ندري أهو اتفاق بين القعقاع وأخيه عاصم ..

أم أن هذه فكرة طرأت للاثنين في ذات الوقت؟!

فقد سرَّب فرقته وكانت كلها من الخيول وهو قائدها في اتجاه آخر ..

غير اتجاه القعقاع ناحية الجنوب..

فأصبح الجيش الإسلامي في اليوم التالي تأتيه فرقة من الشمال من جيش القعقاع ..

وتأتي فرقة أخرى من الجنوب من جيش عاصم ..

وكأن المدد يأتي من الشمال والجنوب..

والمسلمون لا يعرفون من أين يأتي كل هؤلاء الرجال.. وكذلك الفرس..

وكان لهذا الفعل أثر إيجابي جدًّا على نفسية المسلمين، وسلبي على الفرس.

وعندما وصلت آخر 1000 من جيش القعقاع..

وصل باقي جيش هاشم بن عتبة بن أبي وقاص..

فحكَى المسلمون لهاشم حكاية القعقاع.. ففعل فعله...

وقسَّمَ فرقته إلى عشرة أقسام: كل قسم سبعون رجلاً يكبرون: الله أكبر!

وكأن المدد لا ينتهي ..سبحان الله..

وفي هذا اليوم أيضًا يخرج القعقاع بفكرة وابتكار جديدين...فهذا الرجل لا تنتهي أفكاره وابتكاراته..

فمع الفرس أفيال كان لها أثر شديد في القتال في أول يوم..

ورغم أن القعقاع لم يشاهدها؛ لأنه لم يكن موجودًا في أرض المعركة..

إلا أن المسلمين أخبروه بأمرها، وما فعلت بهم..

فقال: وأنَّى لنا بأفيال؟!

أي من أين نأتي بها؟..

فأَتَى القعقاع بالجمال، ثم أحضر صوف الخيام..

وجعل الجيش كله يصنع منه طيلة الليل لباسًا يغطي الجمال.. فغطاها كلها ..

ولم يظهر من الجمال إلا العيون فقط، وعلق بها الأجراس..

وبعض الأشياء المصنوعة من الحديد ..

ثم جعل كل ثلاثة أو أربعة يركبون جملاً ومجموعة من الخيول تحرس الجمال..

ثم دخل بها في أول اليوم الثالث من أيام المعركة على الفُرْسِ الذين قد فَرَغُوا من إصلاح توابيتهم..

ودخلت أفيال الفرس على فرسان المسلمين، فدخلت الجمال على فرسان الفرس..

وعندما شاهدت خيول الفرس هذه الجمال بهذا الشكل والأجراس تصدر أصواتًا شديدة ..

نفرت من هذا المنظر العجيب..

أما خيول المسلمين فقد كانت معتادة على ذلك،..

وكان من أقوى الفيلة في الجيش الفارسي.. الفيل الأبيض والفيل الأجرب..

وكانت كل الأفيال تتبعهم، وكان الفُرْس قد رَوَّضوا الفِيَلَةَ بحيث يتبعون هذين الفيلين الكبيرين.

وبعد أن بدأت المعركة ..

أرسل سعد رسالة إلى من يظن فيه الخير لكي يكفيه أمر هذه الفيلة..

فبعث برسالتين ..الأولى إلى القعقاع بن عمرو التميمي وأخيه عاصم..

وقال لهما فيها: "اكفياني الفيل الأبيض"..

والرسالة الثانية إلى حمال بن مالك والربيل بن عمرو وقال لهما: "اكفياني الفيل الأجرب"..

فأخذ القعقاع وعاصم كل واحد منهما فرقة صغيرة من قبيلتهما "قبيلة تميم"..

وقبل أن يهجما على الفيل ...سألا سعد أن يستدعي المسلمين الذين أسلموا من الفرس..

فاستدعى من أسلم منهم مثل: مسلم والرفيل.. وسألهما عن المناطق التي يُقتل فيها الفيل..

فقالوا: إذا أُصِيبَ في عينه ومشفاره (خرطومه) فلا فائدة منه.

وعَلِم المسلمون هذه الحقيقة..

فتقدم القعقاعُ وأخوه عاصم بفرقتين من اتجاهين مختلفين، وهجما على الفيل..

وكان كل تركيز حراس الفيلة أن يحموا التابوت والأحزمة..

فتركوا مقدمة الفيل في وجه المسلمين..

لأنهم لا يتخيلون أن يهجم المسلمون على الفيل نفسه..

وحمل كلا البطلين العظيمين رمحًا في يده ..

ونزلا في تناسق عجيب في لحظة واحدة سبحان الله على عيني الفيل..

فوضعا رمحًا في عينه اليُمنى، وآخر في عينه اليُسرى..

فخار الفيل، وجلس وجثا على ركبتيه..

فنقل القعقاع بن عمرو الرمح بيده اليسرى وتلقى السيف بيده اليمنى، وأطاح بخرطوم الفيل..

فسقط الفيل الأبيض قتيلاً في أرض المعركة في أوائل اليوم الثالث..

وكان لذلك أثر شديد على أهل فارس..

فالمسلمون يقتلون الأفيال ..!

وفعل حمال بن مالك والربيل بن عمرو بالفيل الأجرب كما فعل القعقاع وعاصم..

لكنهما اتفقا أن يضرب واحد منهما الخرطوم، بينما يضرب الآخر عينًا من عيني الفيل..

لكن الفيل لم يمت مثلما مات الفيل الأبيض، وكان ذلك خيرًا للمسلمين..

لأنه عندما أصيب هذه الإصابة القاتلة ترك أرض المعركة، وفَرَّ في اتجاه نهر العتيق هربًا من القتل..

وكما نعلم فإن الأفيال كلها كانت تبعًا له..

فعندما هرب سارت خلفه في اتجاه نهر العتيق..

وعبرت الردم إلى الناحية الأخرى -سبحان الله- ..!

دون أن يشترك المسلمون في قتل أي فيل آخر من الأفيال الـ 31..

ثم قام قيس بن مكشوح وهو فاقد إحدى عينيه يقول للمسلمين: "يا معشرَ المسلمين، إنَّ الله قد مَنَّ عليكم بالإسلام، وأكرمكم بمحمد؛ فأصبحتم بنعمته إخوانًا: دعوتكم واحدة، وأمركم واحد بعد أن كنتم يعدو بعضكم على بعض عَدْوَ الأسد، ويتخطف بعضكم بعضًا تَخَطُّفَ الذئاب؛ فانصروا الله ينصرْكم، وتَنَجَّزُوا من الله فتحَ فارس؛ فإن إخوانكم أهل الشام قد مَنَّ اللهُ عليهم بفتح الشام، وامتلاك القصور الحُمْرِ.

فهو يذكرهم أن الرسول كان قد بشرهم من قبلُ بامتلاك القصور الحمر في موقعة الأحزاب..

وهم يحفرون الخندق..

كما بشَّرَهم بفتح فارس والشام واليمن..

وهو يقول لهم: إنهم بالفعل قد امتلكوا القصور الحمر التي بشرهم بها رسول الله..

ومِنْ ثَمَّ سيمتلكون المدائن، والمدائن بعد القادسية..

ولكي يمتلكوها لا بُدَّ من النصر في القادسية، فهو يبشرهم بالنصر، ويثبتهم على ذلك.

وفي هذا اليوم -كما ذكرنا- وصل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص بجيشه..

فينزل في أرض القتال ويطلب المبارزة..

ويبارز من الفرس مَن شاء الله I أن يبارز؛ فيقتل منهم الكثير..

ويُثبِّت ذلك المؤمنين، ويفُتَّ من عَضُدِ أهل فارس..

وكان القتال في هذا اليوم في منتصف أرض القادسية لا في جهة المسلمين، ولا في جهة الفرس..

وكان القتال أيضًا في منتهى الشدة في ذلك اليوم.

وفي هذه الأثناء ..

تصل أنباء إلى سعد بوجود مخاضة من مخاضات أهل فارس في يمين القادسية..

والمخاضة هي مكان تتجمع فيه المياه ..

يستطيع الجيش الفارسي أن يخوض من خلاله..

وهكذا حتى أثناء احتدام القتال له عيون يبحثون له عن الأماكن التي يؤمّنون بها جيش المسلمين..

فعلموا أنه من الممكن إذا عَلِمَ الفرس بها أن يعبروا منها للمسلمين..

وحتى هذه اللحظة لم يعلموا بها..

فاستدعى سعد بن أبي وقاص فرقتين من المسلمين ..

وأَمَّر عليهما اثنين ممن يرى فيهما البأس والشدة..

وهما: طليحة بن خويلد الأسدي وعمرو بن معديكرب..

وأمرهما بالوقوف على هذا المكان وحراسته..

وألا يُحْدِثوا أمرًا إذا لم يعلم الفرس بهذا المكان..

وإذا علم الفرس فَقِفُوا لهم في هذا الموقف وقوفَ الرجال؛ وهذه نصيحة سيدنا سعد لهما.

لكن بعدما يرجع رسول سعد بن أبي وقاص يقف طليحة وعمرو يتحاوران..

ونحن نتذكر حوارهما السابق قبل القادسية..

عندما طلب طليحة أن يدخل إلى جيش فارس؛ ليأسر واحدًا منهم، فرفض عمرو..

وهذا الحوار يتكرر مرة أخرى..

فيقول طليحة لعمرو: أرى أن نخوض هذه المخاضة، ونهجم على الفرس من خلفهم.

هذا مع العلم أن قوته لا تتعدى 60 مقاتلاً من المسلمين..

وجيش الفرس كما نعلم وصل تعداده بعد مقتل 12 ألفًا إلى 110 آلاف..

فقال له عمرو: أرى أن نعبر لهم من أسفل.

فطليحة يرى أن يعبر المخاضة ونهر العتيق ويفاجئ الجيش من الخلف..

وعمرو يرى أن يعبر إلى داخل أرض القادسية ويقاتلهم من الداخل..

وكان الاثنان على خطأ..

فهذا عكس ما أمرهما به سعد بن أبي وقاص..

لكن رأي عمرو كان فيه بعض الصواب..

فهو يَوَدُّ أن يقاتل في أرض المعركة بحيث إذا حدثت هزيمة يستطيعون العودة..

أما طُلَيحة فيريد أن يعبر المخاضة إلى أرض فارس من ورائهم ويقاتلهم..

وفي ذلك صعوبة في العودة إذا حدثت هزيمة..

فقال طليحة: ما أقوله أنفع للناس.

فقال له عمرو: أنت تحمِّلُني ما لا أطيق.

فتركه طليحة بن خويلد الأسدي، وخاض المخاضة وحده ..

وللمرة الثانية يكرر نفس الفعل ودخل إلى الجيش الفارسي بمفرده..

وكان الظلام قد حَلَّ في اليوم الثالث من أيام القادسية..

ونفَّذ -أيضًا- عمرو بن معديكرب رأيه، وعبر بالجيش من أسفل..

واشتبك في قتال مع الفرس فاستبطأهم سعد بن أبي وقاص..

وكان من داخله يشعر أنه سيحدث أمر مثل ذلك..

فأرسل لهما قيس بن مكشوح في 70 من المسلمين، وأَمَّره عليهما إذا وصل إلى أرض القتال..

وبالفعل يصل قيس فيجد عمرو بن معديكرب مشتركًا في قتال مع الفرس..

فيدبر عملية من عمليات الانسحاب الشاقة..

وينسحب بالفرقة المسلمة من هذا المكان الصعب إلى جيش المسلمين.

ويلوم سعد ..عمرو بن معديكرب على إقدامه غير الطبيعي على قتال الفرس..

ولا نعلم ماذا حدث لطليحة؟!

فقد دخل المخاضة ولم يعرف أحد عنه شيئًا.. ثم سأله عن طليحة فلم يجد عنده خبرًا..!

واستمر القتال حتى منتصف الليل..

ثم سمع المسلمون والفرس شيئًا عجيبًا داخل أرض فارس خلف الجيوش الفارسية كلها..

بالقرب من خيمة رستم..!

حيث أطلق طليحة بن خويلد الأسدي تكبيرات ثلاثة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.. بأعلى صوته..!

فتوقف القتال عندما سمعوا هذا الصوت..!

وانفصلت الجيوش ..!

وعاد طليحة بن خويلد الأسدي في الظلام مرة أخرى من المخاضة نفسها إلى جيش المسلمين..

وأخبر سعد بن أبي وقاص بما فعل..

وكان الهدف من ذلك إلقاء الرهبة والرعب في قلب الفرس..

وبالطبع لم يفكر طليحة في عملية استشهادية مثلما فعل من قبل..

ولكن كان لهذا الفعل أثر شديد ألقى الله به الرعب في قلوب أهل فارس..

وشَدَّ به من أزر المسلمين؛ فعاتبه سعد..

ثم عفا عنه لعلمه أنه يبغي النصر للمسلمين والعزة لهم.

ونحن نعلم أنه في كل ليلة تنفصل الجيوش..

لكن في هذه الليلة بعد تكبير طليحة انفصلت الجيوش نسبيًّا..

ولم ينته القتال تمامًا..

فكل فريق من الفريقين يود مواصلة القتال..

فتجهزت الصفوف الإسلامية مرةً أخرى صفوفًا كما تفعل..

وتجهزت الصفوف الفارسية كذلك..

وخرج فرسان المسلمين في منتصف الليل يطلبون المبارزة (كأنه أول القتال: فارسًا لفارس)

فلم يخرج لهم أحد من الفرس،..

وأَصَرَّ رستم على الزحف.. أي جماعة تقتل جماعة..

وعلم سعد بن أبي وقاص أن الفرس يبغون الزحف..

فأمر الجيوش بألا تزحف إلا بعد أن يلقي ثلاث تكبيرات مثلما حدث في أول يوم للقتال..

ثم يطلق سعد التكبيرة الأولى؛ فتتحمس الجيوش للقتال وتستعد حتى تهجم على الفرس بعد التكبيرتين..

وفي هذه الأثناء يتراشق الطرفان بالسهام والنبال..

فيقع سهم في قلب خالد بن يعمر التميمي.. وكان صديقا حميما للقعقاع..

وكان بجانبه في المعركة..فاستشهد ..

فتعجل القعقاع الأمر، وحركه استشهاد صديقه لأن يحمل بفرقته قبل أن يطلق سعد التكبيرة الثانية..

وأخرج القعقاع فريقه ليقابل فريق بهمن والبيرزان الفارسي..

لكن ماذا كان رَدُّ فعل سيدنا سعد بن أبي وقاص؟

كان سعد يعلم مدى حرص القعقاع على نصر المسلمين..

وأن هذا الخطأ منه ليس فيه كِبْرٌ أو اعتراض على الأمير..

ولكنها حماسة المعركة..

فيقول سعد: اللهم اغفرها له وانصره (ونحن نعلم أن دعوة سعد مستجابة).. قد أَذِنْتُ له إذْ لم يستأذني..

وذلك حتى لا يُنزل الله سخطه على الجيش بمعصية أحد الجنود..

ويقاتل القعقاع في الليل قتالاً شديدًا، وتدور رَحَى المعركة على قبيلة تميم..

ثم يطلق سعد التكبيرة الثانية، والمسلمون يشعرون بقتال سيدنا القعقاع..

وكل الناس يتشوقون للقتال..

وقام خطباء المسلمين يحفزون الناس على الجهاد ..

وبعد أن أطلق سعد التكبيرة الثانية .. حملت بعض قبائل المسلمين دون انتظار التكبيرة الثالثة..

وممن حمل: عاصم بن عمرو التميمي أخو القعقاع..

ويبدو أنه شعر أن القعقاع في مأزق شديد بمفرده في مواجهة الجيش الفارسي..

فحمل بكل قبيلة تميم المتبقية..

وحملت قبائل أسد وكندة وبجيلة وهؤلاء يُكَوِّنون أكثر من ربع الجيش الإسلامي..

وهؤلاء جميعهم حملوا في لحظة واحدة دون استئذان من سعد ..

الذي كان يرى الفرق تحمل الواحدة تلو الأخرى..

ويقول: اللهُمَّ اغفر لها وانصرها، قد أَذِنتُ لهم إذ لم يستأذنوني.

ولما رأى أن جميع الفرق ستخرج؛ أطلق التكبيرة الثالثة حتى يصبح الأمر من عنده..

وبالفعل خرجت الجيوش الإسلامية كلها بعد منتصف الليل بقليل تحصد الفرس حصدًا في هجوم شديد..

وضغطت على الجيوش الفارسية كلها قرب نهر العتيق..

وفي هذه الليلة يستشهد أرطاة بن كعب وكان يحمل لواء النخع..

وهذا اللواء أعطاه له رسول الله وقال له: "إن هذا اللواء يحمله أرطاة ما بقي"..

وظل يحمل هذا اللواء حتى استشهد..

وقبل أن يسقط منه التقطه دريد بن كعب أخوه، فاستُشهد..

فالتقطه قيس بن كعب أخوهم الثالث، فاستشهد..

وممن استشهد في هذا اليوم أيضًا عبد الله بن أم مكتوم وهو الأعمى الذي نزلت فيه سورة (عبس وتولى)..

وكان له عذره، إذ كيف يخرج للقتال وهو أعمى؟!

لكنه يحمل راية المسلمين ويقول: أُكَثِّرُ سواد المسلمين في سبيل الله..!

أي أنا أقف فقط؛ لكي يتخيل الفرس أن عددنا أكثر مما يعرفون.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   25.09.14 3:31

تتبع الفارِّين


بعد أن انتهت هذه الملحمة الشديدة على المسلمين..

بدأ سعد بن أبي وقاص -كما كان يفعل خالد بن الوليد ..

وكما كان يفعل المثنى بن حارثة من قبل..

في تتبع فلول الهاربين من الجيش الفارسي..

إنه إصرار شديد على محق الإمبراطورية الفارسية؛ حتى يُعْبَدَ الله وحده.

وفرَّ الهرمزان إلى الجنوب الشرقي حيث سيعبر بعد ذلك نهر الفرات متجهًا إلى الأهواز جنوبي إيران..

وهذه المنطقة فيها عز الهرمزان وفيها ملكه..

وكان الهرمزان قبل ذلك قد عاهد رسول الله أن لا يقاتل المسلمين..

لكنه خان عهده مع رسول الله وقاتل المسلمين في القادسية..

وها هو يهرب الآن من موقعة القادسية بعد هزيمة جيشه، وينتقل بجيشه إلى منطقة الأهواز..

وفرَّ الجالينوس إلى ناحية المدائن في اتجاه النجف..

وهي المنطقة التي عسكر فيها جيش الجالينوس قبل أن يدخل القادسية مباشرة.

وفَرَّت فرقة أخرى من الفُرس في اتجاه الشمال بجوار نهر العتيق..

فأرسل سعد ..القعقاع وأخاه عاصم حتى يتتبعا الهرمزان جنوبًا..

وأرسل شُرَحبيل بن السِّمْط ليتتبع الفريق المتجه شمالاً في مطاردة سريعة قصيرة..

وبالفعل في أقلِّ من ساعة كانت الجيوش الإسلامية قد لحقت بعدد كبير من الناحيتين..

ثم عاد القعقاع وعاصم إلى القادسية وعاد شرحبيل بن السِّمْط..

فأبدلهما سعد بن أبي وقاص المهمة..

أي أبدل كل واحد منهم مهمة الآخر..

وقال سعد للقعقاع وعاصم: اصعدا إلى الشمال.

وقال لشرحبيل: انزل جنوبًا..

وسعد بذلك يحفز القواد على اللحاق بالفرس؛ حتى يتداركوا فلولهم..

ويَجِدوا في البحث عن الفرس أجمعين.

ثم أرسل سعد مقدمة الجيش بقيادة زهرة بن الحُوِيَّة لمتابعة الجالينوس..

وكان الجالينوس قد عبر نهر الحضوض المتفرع من نهر العتيق...

ثم عبر القنطرة وأحدث فجوة فيها كي لايلحق به المسلمين..

فجاء زهرة بن الحوية فوجد الفجوة واسعة فاستعد بخيله..

واستعد وقفز من فوق هذه الفجوة الواسعة..

وتبع زهرة بن الحوية في مثل هذه اللياقة البدينة العالية 300 فارس من المسلمين ..

وتقدمت الجيوش الإسلامية بقيادة زهرة حتى لحقت بالجالينوس على حدود النجف ..

فوجدوا أن الفرقة كبيرة وكانت جالسة في هذا المكان تستريح من القتال وتنتظر حتفها..

ووجد الفرس المسلمين على رءوسهم..

فقاتل المسلمون هذه الفرقة من فرقة الجالينوس وقتلوا منهم الكثير..

وقتل زهرة بن الحوية الجالينوس بنفسه، ولم يكن يعرف أنه الجالينوس..

إلا بعد أن أوصل ملابسه لسعد بن أبي وقاص .. !

وكذلك قُتِلَ مهران الرازي في الميسرة..

فكل قواد الفرس قد قتلوا باستثناء الهرمزان فقط الذي فَرَّ من موقعة القادسية ناحية الأهواز..

فلقي سعد بن أبي وقاص زهرة بن الحُوِيَّة بعد أن عاد من هذه الموقعة القصيرة ..

وقد لبس لباس الجالينوس، وهذا اللباس كله أبهة وعظمة وجواهر ثمينة..

فقال له سعد : هل أعانك أحد على قتله؟

وذلك حتى يوزع سلب الجالينوس بالعدل؛ لأن سلبه كثير.

فقال زهرة بن الحوية : نعم.

فقال سعد: مَنْ؟

فقال زهرة : الله..!

فسكت سعد بن أبي وقاص، ولكنه أعاد النظر، وقال: ولكنَّ هذا كثير.

فأخذ سعد منه جزءًا من السلب.. وأرسل به إلى عمر بن الخطاب ..

فرد عليه عمر الرسالة: أنا أعلم بزهرة منك، فأعِدْ له سلبه، وأعطه خمسمائة درهم من عندي من بيت مال المسلمين. يأخذهم زهرة بن الحُوية ردًّا لاعتباره...!

عاد المسلمون إلى القادسية وبدءوا في معالجة الجرحى..

وبدأت النساء يقمن بدورهن في تضميد جرحى المسلمين ..

وطلب من هلال بن علفة أن يحدد له المكان الذي قتل فيه رستم..

فيذهب هلال بن علفة ويأتي برستم من بين البغال..

فيأمر سعد بن أبي وقاص هلال بن علفة أن يأخذ سلب رستم، وكان سلبه ثمينًا جدًّا..

فقد باعه هلال بن علفة بـ 70 ألف درهم ..

فهل كان رستم ذاهب إلى الحرب أم إلى النزهة؟!..

وضاعت العباءة التي كان يلبسها رستم وتقدر بمائة ألف..

وفي الغالب جرفها تيار الماء عندما قذف بنفسه في نهر العتيق.

وتأتي صلاة العشاء وكان يومًا طويلاً..

وعندما قام المسلمون لأداء صلاة العشاء اكتشفوا أن مؤذن المسلمين في القادسية قد استُشهد في الموقعة..

فبدأ الصحابة يتسابقون إلى الأذان، حتى إنهم يكادون أن يقتتلوا..

مع أنهم كانوا من لحظات يسيرة في جهادٍ في سبيل الله..

لكنهم يدركون فضل وقيمة الأذان وأجره العظيم...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   25.09.14 3:39

ولشدة خلاف الصحابة ... اضطر سعد لعمل قرعة بين المسلمين ..

قام سعد بن أبي وقاص بكتابة رسالة إلى عمر بن الخطاب بعد انتهاء المعركة في يوم 17 من شعبان..

وهو خامس يوم من أيام القادسية، يقول له فيها:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونثني عليه الخير كله، أما بعد..
فإن الله نصرنا على أهل فارس، ومنحهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم بعد قتال طويل، وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعدة لم يَرَ الراءون مثل زهائها فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلبهموه ونقله عنهم إلى المسلمين. وقد اتبعهم المسلمون على الأنهار، وعلى طفوف الآجام، وفي الفجاج، وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ وفلان وفلان ورجال من المسلمين لا نعرفهم..

وسعد بن عبيد من أصحاب رسول الله، وشهد كل المشاهد مع رسول الله بداية من بدر وحتى تبوك

إلى أن تُوُفِّي الرسول، وكان يسمى سعد بن عبيد القارئ..

لأنه كان يؤم المسلمين في وجود الرسول في مسجد قباء..

فالرسول كان يؤم المسلمين في المدينة وكان هو يؤم المسلمين في مسجد قباء.

ثم كَلَّف سعد الصحابي الجليل سعد بن عُمَيلة بتوصيل رسالة إلى المدينة المنورة ..

على أن يسلمها إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ..

وكان عمر يخرج بنفسه كل يوم بعد صلاة الضحى حتى الظهيرة على أبواب المدينة في الصحراء ينتظر البشير..

وعندما يرى أي قادم عليه من العراق يسأله: هل أنت من العراق؟

فيقول له الرجل: لا.

وهكذا كل يوم..

والمسلمون قد خرجوا للقتال منذ شهور، حتى وصل سعد بن عميلة بالرسالة إلى مشارف المدينة المنورة..

وهو راكب على ناقته فيسأله عمر : هل أنت من العراق؟

فيقول له: نعم.

فيستبشر عمر بن الخطاب، وصاحب الرسالة ما زال فوق الناقة لا يعرف عمر..

وعمر يمشي على الأرض، فيقول له: وما فعل المسلمون بالفُرْسِ؟

فيقول: نصرهم الله وأهلك العدو.

والناقة تسرع في اتجاه المدينة وعمر يجري بجوار الناقة..

وسعد بن عميلة يكلمه من فوق الناقة..

حتى دخلا المدينة فسمع سعد الناس تقابل أمير المؤمنين عمر ..

وتقول له: السلام عليكم يا أمير المؤمنين...

فقفز سعد بن عميلة من فوق الناقة، وقال له: هلاَّ أخبرتني.

فيقول: لا عليك يا أخي,

المهم أن نعرف أخبار المسلمين..

فيأخذ عمر الرسالة، ويصعد فوق المنبر، ويجتمع المسلمون كلهم في المسجد..

ثم يطمئنهم أن الله قد فتح عليهم، وأن الله قد مَنَّ عليهم بالنصر..

وأنه قد أهلك فارس، وأسقط راية الفرس العظمى.

ونقل لهم أخبار استشهاد بعض المسلمين..

وبكى عمر على استشهاد سعد بن عُبَيْد القارئ ..

وقال .. واللهِ لقد كاد قَتْلُ سعد بن عبيد يُنَغِّصُ عليَّ هذا الفتح.

ثم أخذ سعد بن أبي وقاص يعدِّد أسماء الشهداء في الرسالة ..

مثل: عبد الله بن أم مكتوم، وأولاد الخنساء وغيرهم..

ثم يقول: ورجال من المسلمين لا نعلمهم، الله بهم عالم..

ويقول سعد في رسالته : وكانوا يدوون بالقرآن كدويِّ النحل إذا جَنَّ عليهم الليل، وهم آساد الناس لا تشبههم الأسود..

فهذه هي صفات الجيش الإسلامي: عندما يأتي الليل يلجئون إلى الله، تسمع لهم دويًّا كدويِّ النحل..

أما الجيوش التي تأخذ أسماء إسلامية فهي في تعاملها مع الاستعداد للمعركة..

يُدخلون على الجنود بعض الترفيه عن الجيوش، فيأتون بأفلام يعرضونها عليهم..

أفلام كلها معصية يرفهون بها عن الجيش!!

أما الصحابة في حروبهم، كانوا إذا جَنَّ عليهم الليلُ يسرعون إلى القرآن الكريم حتى يقرءوه..

فكانوا يدوون كدوي النحل..

وبدأ سعد بن أبي وقاص في توزيع الغنائم، فكان نصيب الفارس من المسلمين 6000 آلاف..و2000 للراجل..

وكانت غنائم القادسية أكثر الغنائم التي أخذها المسلمون حتى هذه اللحظة..

لفين للرَّاجل، فالفارس يأخذ ثلاثة أضعاف المترجّل.

ثم أعطى سعد بن أبي وقاص أهل البلاء وكان عددهم خمسة وعشرين..

وهم الذين أظهروا الجرأة والشجاعة والإسراع لنيل الشهادة في سبيل الله، ووزع عليهم عطايا أكثر..

لتشجيع المسلمين على أن يستبسلوا دائمًا في المعارك..

وكان منهم طليحة بن خويلد الأسدي، والقعقاع بن عمرو التميمي..

وعاصم بن عمرو التميمي، والربيل بن عمرو، والكثير من المسلمين.

ثم أتى عمرو بن معديكرب وبشر بن أبي رُهْم إلى سعد ..

أتياه يسألانه العطاء وأن يعطيهما كما أعطى الناس..

فبعث سعد بن أبي وقاص برسالة إلى عمر بن الخطاب يقول له: إني قد أعطيت الناس كلهم، وهناك كثير من المال ما زال متبقيًا، فلمن أعطي هذا المال؟

فقال له عمر بن الخطاب : أعطِ حملةَ القرآن.

فقام سعد بتوزيع الأموال على حفظة القرآن.

ولم يأخذ عمرو بن معديكرب وبشر بن أبي رهم ..

فأتياه في اليوم التالي، وقالا له: أعطنا.

فيقول: ما معكما من القرآن؟

فيقول عمرو بن معديكرب: ليس معي شيء، فمنذ أسلمت شغلني الجهاد عن حفظ القرآن.

فلم يعطه سعد ... ولم يقبل منه العذر..

ويأتي بشر بن أبي رهم، فيقول له سعد: ما معك من القرآن؟

فيقول له: معي بسم الله الرحمن الرحيم ..

والحقيقة أنها ثقيلة في الميزان، ولكن سعد بن أبي وقاص يريد حفظ سور وآيات من القرآن الكريم..
ولم يرضَ منه سعد بن أبي وقاص بذلك..

فيبدأ بشر بن أبي رهم وعمرو بن معديكرب في نَظْمِ شعر يهجوان به سعد..
يقول بشر بن أبي رهم:

وسعد أميرٌ شرُّه دون خيرِه *** طويلُ الشذا كأبي الزناد قصير

طويل الشذا، أي: أذاه كثير.
كأبي الزناد قصير، أي: هو ضعيف الحيلة..
وكان سعد بن أبي وقاص في هيئته قصيرًا.

تذكر هداك اللهُ وقع سيوفنا *** بباب قديس والمكر عسير

أي: المكر من أهل الفرس..

عشيةَ ودَّ القومُ لو أن بعضهم *** يُعَار جناحي طائر فيطير

أي: من كثرة شدة بأسهم على الفرس يريدون أن يطيروا من أمام المسلمين.

إذا ما فرغنا من قراع كتيبة *** دلفنا لأخرى كالجبال تسير
وعند أمير المؤمنين نوافـل *** وعند المثنى فضـة وحرير

يقولون بأن أمير المؤمنين يعطي نوافل، والمثنى كان يعطي فضة وحريرًا، وأنت لا تعطي شيئًا.

ثم قام عمرو بن معديكرب يقول:

إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحد *** قالت قريش ألا تلك المقاديرُ

أي: نصيبهما أن يقتلوا.

تُعْطي السويةَ من طعن له نفذ *** ولا سوية إذ تُعْطَى الدنانيرُ

أي عندما يكون هناك قتال فإننا ننال نصيبنا من الطعن والقتل، وعندما يُكتب النصرُ..

وتأتي الأموال لا نُعطى شيئًا.

إنها عظمة الإسلام! وصورة حضارية رائعة من الصحابة ..

فهذان اثنان من المسلمين يشكوان أمير الجيش، ولا يغضب عليهم، ولم يأمر بسجنهم..

وإنما أرسل بشكواهما إلى أمير المؤمنين في المدينة المنورة؛ فيأمر لهما بالعطاء.

أمر عمر سعدا بعد هذا الهجاء أن يعطيهما على بلائهم، أي لا يعطيهما على حمل القرآن..

وإنما يعطيهما على بلائهم، فهما من أهل البلاء..

وأمره أمير المؤمنين أن يعفو عنهم..

فقد كان في الجيش الإسلامي نوع من الحب والترابط الشديد..

حتى إن مثل هذا الأمر لم يكن يعكر من صفو الحرب وصفو الجيش الإسلامي..

وكان سعد بن أبي وقاص من الحكمة الشديدة، ومن الحزم الشديد ..

بحيث يوظِّف كل أمر من الأمور في المكان الذي يرى فيه مصلحة المسلمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   25.09.14 3:47

فتوحات أخرى


ثم فتحت الأهواز ..

ومدن أخرى على شرق نهر دجلة ..

وكان في احدى المعارك على الجانب الفارسي .. أسد مدرب على القتال..

أطلقه الفرس على المسلمين في منطقة ساباط..

فتقدم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى الأسد بقلب لا يعرف الخوف.. وقتله بعدة طعنات وأرداه قتيلاً..

وأثر قتل الأسد على الفرس تأثيرًا شديدًا ..

ثم انطلق الجيش الإسلامي نحو المدائن ..وهي عبارة عن 7 مدن ..

وكانت عاصمة آل ساسان فترة طويلة من الزمن..

ثم فُتحت المدائن ..

ثم جلولاء ..

ثم تكريت..

وكانت الغنائم كثيرة .. منها غنائم من الروم أخذها الفرس حين أنتصروا عليهم في المعركة..

منها سيف هرقل .. ودرعه..

وسيف ودرع خاقان ملك الترك ..

وسيف ودرع ملك الهند..

وسيف ودرع النعمان بن المنذر ملك الحيرة..

ومن ضمن ما غنمه المسلمون في مطاردتهم للفرس حُلَل كسرى..

فغنموا لباسه وغنموا سِوَارَي كسرى وتاجه..

وكان وزن التاج واحدًا وتسعين كيلو جرامًا..

وأخذ المسلمون هذه الغنائم، وغنموا القطف وهو البساط الموجود في الإيوان..

وكان من عجائب هذا العصر، وكان حجمه ستة وثلاثين مترًا في ستة وثلاثين مترًا..

وكانت السجادة مصنوعة من خيوط موشاة بالذهب والفصوص والجواهر..

وكانت عليه الرسوم النادرة التي لا تقدر بمال..

وكانت الأكاسرة تُعِدُّه للشتاء إذا ذهبت الرياحين شربوا عليه، فكأنهم في رياض..

فيه طرق كالصور وفيه فصوص كالأنهار، أرضها مذهبة..

وخلال ذلك فصوص كالدر وفي حافاته كالأرض المزروعة والأرض المبقلة بالنبات في الربيع..

والورق من الحرير على قضبان الذهب، وزهره الذهب والفضة، وثمره الجوهر وأشباه ذلك.

وحرص سعد بن أبي وقاص على أن تكون الغنائم الذاهبة إلى عمر بن الخطاب في المدينة ..

من ممتلكات كسرى نفسه كسيفه ومنطقته ولباسه وحلله وما إلى ذلك..

ليكون ذلك أدعى للمسلمين في المدينة أن يخرجوا للقتال..

بعد أن يجدوا ممتلكات كسرى نفسه غنيمة للمسلمين.

ولما وصلت هذه الأشياء إلى سيدنا عمر بن الخطاب..

استدعى رجلاً اسمه "مُحلِّم" أجسم رجل في المدينة في ذلك الوقت..

وكان جسم يزدجرد ضخمًا جدًّا، فقد كان يشبه يزدجرد في جسمه..

وألبسه سيدنا عمر لباس يزدجرد، وأقام له التاج على عمودين من الخشب وألبسه محلمًا..

وجعل الناس ينظرون إليه..

وقال للناس: هذا يشبه ملك كسرى، أعزنا الله بالإسلام، وأذل الله مثل هؤلاء بالإسلام.

وكانت نظرة سيدنا سعد بن أبي وقاص ثاقبة، فلما رأى الناس في المدينة هذه الغنائم...

ورأوا سيف كسرى وتاجه ومنطقته، وقد انتقل كل ذلك من أرض فارس إلى أرض المسلمين..

زاد ذلك في عزيمتهم، وتطوع كثير من الناس للجهاد في أرض فارس وأرض العراق.

ولما وصل القطف (السجادة) إلى عمر بن الخطاب بالمدينة ورآه الناس أخذ القطف بعقولهم وألبابهم..

فهم لأول مرة يرون مثله، وكما قلنا: كان من عجائب الدنيا في هذا الوقت.

وتحيَّر سيدنا عمر بن الخطاب في هذا القطف، فجمع الناس فاستشارهم في البساط..

فمن بين مشير بقبضه، وآخر مفوِّض إليه، وآخر مرقِّق..

فقام علي فقال: لِمَ تجعل علمك جهلاً، ويقينك شكًّا، إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيتَ، أو لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت.

فقال: صدقتني...

فقطِّعْه. فقسَّمه بين الناس، فأصاب عليًّا قطعة منه فباعها بعشرين ألفًا، وما هي بأجود تلك القطع.

ثم فتحت حلوان ..

ووزع سيدنا عمر بن الخطاب سبي جلولاء وكان كثيرًا..

فكان المسلم ينال أكثر من واحدة من السبي..

وكان سيدنا عمر بن الخطاب يخاف على المسلمين من هذا السبي أن يقعدوهم عن الجهاد في سبيل الله..

وكان دائم الاستعاذة من سبي جلولاء لكثرته.

ثم فتحت الموصل .. وهيت ..

وعاد المسلمون إلى سيدنا عمر بن الخطاب من بلاد الفرس بوجه آخر فيه من النعمة ما فيه..

فقد خرجوا من الجزيرة العربية في حالة تقشف ..

إلى المدائن حيث الأشجار الوارفة والظِّلِّ العظيم.

وأرسل سيدنا حذيفة بن اليمان -وكان من قواد جيش سعد بن أبي وقاص في المدائن..

إلى سيدنا عمر بن الخطاب برسالة ..

يقول له فيها: إن المسلمين قد أُتْرِفَتْ بطونُهُم, وخفَّت أعضادهم, وتغيرت ألوانهم؛ فانظر ماذا ترى

وما إن وصلت الرسالة إلى سيدنا عمر بن الخطاب ...حتى اتخذ قرارًا تغير به مسار الفتوحات الإسلامية...!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   25.09.14 3:50

فتح الجزيرة في شمال العراق


يبدو أن الغنائم غيرت في طباع بعض المسلمين..

فقد لاحظ عمر بن الخطاب تغيرًا في حال الرسل القادمين إليه من المدائن وبلاد الفرس ..

بعد التقشف الذي عهده عليهم..

فاتخذ عمر قرارًا يأمر فيه سعدًا بالتخلي عن المدائن عاصمةً..

وأمره بالبحث عن أرض أخرى صلبة ليست كأرض المدائن..

وأمرهم بالبحث عن أرض برية وبحرية ..

أي تكون على نهرٍ ويكون النهر غربها لكي لا يفصلها عن المدينة..

ولا يفصل بينهم وبين سيدنا عمر جسر ولا بحر...!

فطلب سعد من حذيفة ابن اليمان وسلمان الفارسي أن يرتادا للمسلمين منزلاً مناسبًا يصلح لإقامتهم..

فمرَّا على أرض حصباء في رملة حمراء..

وكان العرب يطلقون على الأرض التي صفتها هكذا الكوفة.

وفي أوائل العام السابع عشر الهجري بدأ المسلمون تأسيس المدينة الجديدة..

فكان أول ما بنوا المنازل بالقصب، فاحترقت في أثناء السنة..

فبنوها باللَّبِن بإذن عمر، بشرط أن لا يُسرفوا ولا يجاوزوا الحد..

وأن لا يزيد على ثلاث حجرات، وألاّ يتطاولوا في البنيان..

وأن يتذكروا الله تعالى، ويتذكروا الجنة والنار..

واتخذ المسلمون الكوفة عاصمة لهم..

وتحركت القوات الإسلامية الرئيسية من المدائن إلى الكوفة.

وأقام سعد بن أبي وقاص اجتماعًا مع قواد الحاميات ليضع الأسس التي تقوم عليها المدينة الجديدة..

فأتى القعقاع بن عمرو من حلوان إلى الكوفة ..

وترك عليها قباذ بن عبد الله الفارسي، وهو أول فارسي يستخلفه القعقاع على حامية حلوان..

وأول من يُولَّى إمارة في بلاد فارس.

وفي ذلك بيان أنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى..

في هذا الوقت وعلى الجبهة الأخرى في بلاد الشام..

نجد بعض القوات الموجودة في هذه المنطقة شمالي نفوذ المسلمين في منطقة تسمى منطقة الجزيرة

(وهي محصورة بين نهري دجلة والفرات في شمال العراق وجنوب تركيا وشرق سوريا)

وهذه المنطقة بها كثير من العرب النصارى اتحدوا مع قيصر الروم في حربه مع القوات الإسلامية في الشام.

وكانت المعركة شديدة جدًّا .. انتهت بانتصار المسلمين ..

ثم يخطط عمر لانتصار المسلمين في الشام..

فيرسل إلى سعد أن يجهز جيوشًا لقتال عرب الجزيرة..

ليلهيهم عن نُصْرَة هرقل ملك الروم في حربه مع المسلمين..

ولما نفَّذ سعد طلب أمير المؤمنين وعرف عرب الجزيرة بذلك ..

تركوا حربهم مع جيش هرقل..

ليعودوا إلى بلادهم ليحموها من هجوم المسلمين المرابطين في فارس..

وبتخلي عرب الجزيرة عن هرقل تضعف كفة الروم ..

وينتصر أبو عبيدة بن الجراح على الجيش الرومي بعد انسحاب قوات عرب الجزيرة مباشرة..

وتم هذا الانتصار قبل وصول القعقاع بن عمرو التميمي إلى الشام حيث أرسله عمر ..

ثم يطلب عمر من ابي عبيدة بأن يشرك القعقاع وجيشه في الغنيمة..

لأنه قادم للقتال مع الجيش الموجود في الشام...

ثم افتتح المسلمون مدينة الرقة..

ثم مدينة نصيبين في الجزيرة .. وكانت من أجمل مدن الجزيرة ..

فهي وافرة الظلال والأشجار والمياه العذبة والأنهار..

وكان بها حامية قوية..

وما إن علمت هذه الحامية بسقوط الرقة حتى استسلمت دون قتال..

ثم افتححت حران .. وقبلت بدفع الجزية..

ورغم هذه الفتوحات ..

لم يأمر عمر بن الخطاب بالانسياح في بلاد فارس ..

لأنه يخشى على المسلمين الإكثار من الغنائم والأموال...

واستسلمت الجزيرة للمسلمين بدون قتال يذكر..

وقبل أهلها بدفع الجزية للمسلمين في مقابل الدفاع عنهم..

وتم ذلك السقوط في العام الـ 17 الهجري..

وفي هذا العام انتشر الطاعون والوباء بين المسلمين..

والعرب تطلق كلمة الطاعون على أي وباء أو مرض..

وكان منبع الوباء في الشام في قرية تسمى "عِمْوَاس" وهلك في هذا الطاعون الكثير من المسلمين..

ومنهم أبو عبيدة بن الجراح أمير المسلمين في الشام ..

كما مات معاذ بن جبل ..

ومات كثير من أبناء خالد بن الوليد..

وكثير من أشراف الصحابة والناس ..

حتى تخوفت قلوب المسلمين من طمع أعدائهم فيهم..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   25.09.14 3:54

معركة طاوس


لم يكد ينتهي المسلمون من طاعون عمواس حتى وافاهم أمر آخر..

فإن العلاء بن الحضرمي الذي كان يقود الجيش السابع في حروب الردة..

وولاه أبو بكر على البحرين .. وأبقاه عمر في مكانه..

كان للعلاء نفس تواقة إلى الجهاد ..

فأراد أن يشترك في الجهاد ضد الفرس..

رغم القرار الذي أصدره عمر بوقف التوغل في الأراضي الفارسية..

فقرر اجتهادًا منه إرسال بعض الفرق للجهاد شرقي خليج فارس..عبر الخليج العربي..

وأخذ معه 3 جيوش... ثم عسكر في منطقة طاوس..

وبمجرد نزولهم في طاوس يخرج لهم جيش فارس على رأسه قائد من قواد الفرس يدعى "هربذ"..

وتدور بين الجيوش الثلاثة وهربذ معركة شديدة على المسلمين..

ويفلح هربذ هذا في الالتفاف حول الجيش الإسلامي ويغرق السفن في المياه..

ولم يكن أمام المسلمين إلا القتال أمام الفرس، ولم يكن أمامهم خط رجعة للبحرين..

وكانت هذه المعركة شديدة على المسلمين وعلى الفرس..

وأحدث المسلمون خسائر فادحة في صفوف الفرس لكن على حساب شهداء كثير من المسلمين..

وكان ذلك تكرارًا لمشكلة الجسر بمعصية القائد المباشر للقائد الأعلى..

ثم بدأ التحفيز من أحد المسلمين للنصر ..فانتصروا في المعركة ..

لكن لم يجدوا سفنا تعيدهم إلى البحرين ..

ولم يجد أمامه إلا اللجوء إلى أرض البصرة ليستنجد بجيش المسلمين الذي يعسكر في البصرة..

وفي طريقه إلى البصرة يعترضه جيش آخر فارسي من "إِصْطَخْر" على رأسه قائد يدعى "شَهْرَك"..

ويحاصر الجيش الإسلامي في مكان قريب من مدينة طاوس..

في ذلك الوقت تصل الأنباء إلى عمر بن الخطاب في المدينة أن العلاء أرسل جيشًا لحرب الفرس..

وأن الجيش قد انتصر في المعركة ودخل في معركة أخرى..

وأنه حُوصِرَ ولم يجد أمامه حلاًّ..

وبمجرد وصول هذا الخبر إليه يقرر عزل العلاء بن الحضرمي من الإمارة..

وأرسله إلى سعد بن أبي وقاص تحت إمرته جنديًّا من جنوده في الكوفة..

فكان هذا أول عقاب عاقبه عمر بن الخطاب له على معصيته الشديدة ..

التي ألحقت الأذى بالمسلمين في معركة طاوس..

ثم أرسل رسالة إلى عتبة بن غزوان بأن يُخرِج جيشًا كثيفًا من المسلمين..

لنجدة الجيش الإسلامي الموجود في هذه المنطقة على خطورتها..

فهي منطقة جبال والمسلمون لم يتعودوا على هذه الأرض..

فخرج الجيش وسار بجوار شط العرب..

ثم بجوار شاطئ خليج فارس على الجبال يُجَنِّبون الخيل ويركبون البغال سِراعًا..

لأن البغال الفارسية التي غنموها من فارس تستطيع السير على الجبال بخلاف الخيول العربية..

وفي ذلك مرونة شديدة للجيش الإسلامي واستغلالاً للمواقف.

ويصل الجيش الإسلامي إلى الجيش المحاصَر في منطقة فارس..

ويدخل في معركة شديدة مع الفرس .. ثم ينتصر المسلمون..

وبعد انتهاء عتبة بن غزوان من الحج يأمره عمر بالرجوع إلى البصرة أميرًا كما كان..

فيرفض عتبة ..

وفي ذلك الوقت كان عمر يعرض الإمارة على أكثر من مسلم..

وكلهم يرفضها على عكس أزمانٍ أخرى يتقاتل الناس فيها عليها..

ولما أصر عتبة بن غزوان على رفضه أقسم عليه عمر ليرجعَنَّ إلى عمله.

وفي الطريق إلى البصرة يدعو عتبة بصوت يسمعه أصحابه ..

ويقول: اللهم إن كان لي عندك خيرٌ فخُذْني ولا تبلِّغْني البصرة..

فاستجاب الله دعاءه، فيسقط من فوق ناقته ويموت في طريقه إلى البصرة.

وبعد موت سيدنا عتبة بن غزوان ..

يُقِرُّ عمر بن الخطاب للمغيرة بن شعبة على البصرة..

ثم يستخلف بعده بقليل أبا موسى الأشعري .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   25.09.14 4:01

فتح تستر


لم يكتفِ يزدجرد بوقف عمر بن الخطاب للقتال والتوغل في الأراضي الفارسية..

فظل يحفز الجيوش الفارسية للإغارة على القوات الإسلامية المسيطرة على هذه المنطقة..

فيطلب من القواد الفارسيين الذين ما زالوا في أماكنهم محاربة المسلمين..

ومن ضمن رسائله ..

أرسل رسالة إلى الهرمزان وكان قد عاهد المسلمين للمرة الثالثة على دفع الجزية وعدم قتال المسلمين..

وما إن وصلت رسالة يزدجرد إلى الهرمزان حتى تذكر الأمجاد السابقة..

وتذكر الملك والانتصارات وجرت الخيانة في دمه كما عهده المسلمون..

فثار على المسلمين معلنًا نقض العهد مع المسلمين للمرة الرابعة..

وما إن وصلت تلك الأنباء إلى عمر بن الخطاب وعلم بنقض الهرمزان للعهد..

حتى قرر أن يدكَّ قوات الهرمزان..

فبدأ عمر يدبر أمرا أكثر من أمر لتدور معركة من أعنف معارك التاريخ..

أمر عمر بخروج جيش كثيف من الكوفة عاصمة المسلمين في أرض فارس ..

على رأسه النعمان بن مُقَرِّن أحد صحابة النبي..

ويتوجه من الكوفة رأسًا إلى الأهواز ليقاتل الهرمزان وفرقته..

ثم يُتْبِع جيشَ النعمان بن مُقَرِّن بجيشين: على أحدهما سويد بن مقرن..

وعلى الآخر جرير بن عبد الله البجلي وهو من الصحابة أيضًا..

وهو الذي جمع قبيلة "بجيلة" بعد تفرقها..

ثم يوصي عمر بتحرك الجيوش العظيمة..

جيش الكوفة والأهواز والبصرة في اتجاه واحد نحو مدينة تُسْتَر لحرب الفرس..

على رأس كل الجيوش أبو سبرة بن أبي رهم، الذي استطاع أن ينقذ المسلمين في موقعة طاوس..

فمن الكوفة يخرج جيش النعمان ويخترق سواد الجزيرة ويعبر نهر دجلة..

ويتجه جنوبًا ويعبر نهر "كارون" ناحية الأهواز..

ومن البصرة يخرج سيدنا سهل بن عدي بجيشه..

وكان جيش سيدنا النعمان بن مقرن أسرع من جيش سيدنا سهل بن عدي..

فاخترق السواد في سرعة رهيبة جدًّا حتى وَصَل إلى منطقة سوق الأهواز..

فعبرها حتى وصل إلى مدينة "رَامَهُرمُز" وعليها الهرمزان..

فحاصرها وخرج له الهرمزان فالتقى معه في موقعة سريعة انتصر فيها على الهرمزان.

ويرجع الانتصار الذي حققه النعمان على الهرمزان لعدة أمور من أهمها..

سرعة النعمان بن مقرن، ومباغتته لعدوه قبل أن يجهّز الهرمزان جيشه..

وقبل أن تصل القوات الإسلامية من البصرة.

ولما انهزم الهرمزان جمع فلول جيشه وانسحب به متجهًا نحو مدينة "تُسْتَر" حيث الحصون العظيمة للفرس..

وعلم سهل بن عدي وهو في طريقه إلى رامهرمز ..

أن النعمان بن مقرن انتصر على الهرمزان في رامهرمز.. واتجه نحو تُسْتَر ..

فغيَّر سهل بن عدي اتجاهه من منطقة الأهواز رأسًا إلى تُسْتَر ليحاصرها مع النعمان بن مقرن ..

وتوجهت جيوش الأهواز إلى مدينة تُسْتَر ..

ثم يخرج معهم أبو موسى الأشعري على رأس جيش من البصرة..

ويتوجه بهذا الجيش إلى تُسْتَر أيضًا..

وتصل الجيوش الإسلامية إلى مدينة تُسْتَر، بينما تختبئ الجيوش الفارسية داخل الحصون..

وكما ذكرنا أن مدينة تُسْتَر من أعظم الحصون الفارسية على الإطلاق..

ويقال: إنها أقدم مدينة في بلاد فارس، وبها أول سور بُنِيَ على وجه الأرض..

وبُنِيَتِ المدينةُ في منطقة عالية وحولها سور ضخم عالٍ، وعلى السور أبراج عالية..

وهذه الأبراج لم تكن متوفرة في حصون فارس..

وهذه ميزة للفرس فباستطاعتهم رمي المسلمين بالسهام من فوق الأبراج ..

ولا تصل سهام المسلمين إلى أعلى البرج..

فكانت هذه في صف الفرس؛ بالإضافة إلى خندق حول المدينة كعادة الفرس..

لكن الفارق بينه وبين الخنادق الأخرى أن هذا الخندق مملوءٌ بالماء مما يُصَعِّبُ على المسلمين اجتياز المدينة..

وكان سور المدينة من طبقتين وبينهما فراغ والماء حول المدينة من معظم الجهات..

وهناك منطقة واحدة لم يكن بها ماء ولكن على رأسها جيش كبير من الفرس..

والأسهم تُلْقَى من فوق الأبراج على من يُحَاوِل اجتيازَ هذه المنطقة..

فكانت المنطقة في شدة الحصانة..

ولها سور ضخم عالٍ يحيط بالمدينة كلها..

وبداخل المدينة الزروع والطعام وخارجها نهر بجوارها..

فأقاموا الشواديف والروافع لرفع الماء من النهر إلى داخل المدينة..

وبذلك كانت لديهم قدرة كبيرة على الصبر على حصار المسلمين.

وبدأ المسلمون في حصار الفرس، وكان هذا الحصار من أشد أربعة حصارات حاصرها المسلمون..

وكعادة الفرس الخروج من داخل الحصن لقتال المسلمين من وقت لآخر ..

كما فعلوا في جَلُولاء وفي تكريت وفي المدائن..

فتخرج فرقة لقتال المسلمين وسرعان ما تعود إلى داخل الحصن..

وتكررت هذه الزحوف 80 مرة..

ودام الحصار لمدينة تُسْتَر قرابةَ 18 شهرًا ..أي عام ونصف ...!

وكانت هذه أطول مدة تُحَاصَر فيها مدينة في التاريخ..

ورغم طول المدة لم يستسلم الجيش الفارسي المحاصَر ولم ييأس الجيش الإسلامي من الحصا..

وكان أمرًا شاقًّا على المسلمين فَهُم مُعَرَّضون لسهام الفرس..

وبداخل الحصن أعداد كبيرة من الجنود وعلى رأسهم الهرمزان..

وكان من أشد قادة الفرس قوة في ذلك الوقت بعد مقتل رستم في موقعة القادسية..

فيصبر المسلمون على الحصار الشديد..

وكان النصر في كل ما قام به الفرس من مهاجمة المسلمين حليفَ المسلمين..

لكن كان الفرس يلجئون إلى الحصون في كل زحف قبل تحقيق النصر الكامل..

فَشَقَّ الأمر على المسلمين، وشق الأمر أيضًا على الفرس..

ثم تذكر المسلمون أن معهم رجلاً قال عنه النبي (صلى الله عليه وسلم) ..

"كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لاَ يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ"

والبراء هو الذي أوصى به عمر بن الخطاب أن يكون في جيش المسلمين..

فذهب المسلمون إلى البراء بن مالك قائلين له: يا براء، ألا ترى ما نحن فيه؟! أَقْسِمْ على ربك.

فيقول: أقسمت عليك يا رب أن تمنحنا أكتافهم، وتملكنا رقابهم، وتلحقني بنبيك.

وبعد 18 شهرا قطعها المسلمون في حصارهم للفرس في تُسْتَر..

وبعد أن طلبوا الدعاء من رجل بشَّره النبي باستجابة الدعاء..

وبعد أن فرغ البراء بن مالك من دعائه ..

سقط سهم بجوار أبي موسى الأشعري..

وفي هذا السهم رسالة...!

فقرأ أبو موسى الأشعري الرسالة فوجدها من أحد الفُرْسِ داخل الحصن..

يطلب الأمان من المسلمين لنفسه ولأمواله على أن يصف للمسلمين طريقًا للدخول إلى تُسْتَر..

فذهب أبو موسى الأشعري من وقته بالرسالة إلى قائد جيش المسلمين أبي سبرة بن أبي رهم..

وتناقش معه في أمر الرسالة..

فوافق أبو سبرة على تأمين هذا الرجل..

فكتب له أمانًا في ورقة ووضعها في سهم..

ورمى بالسهم في المكان نفسِه الذي جاء منه السهم الفارسي..

فسقط السهم بداخل حصن تُسْتَر..

ثم يَقْدُم أحد الفرس خفية في الليل يحمل معه ورقة الأمان على نفسه ودمه وأمواله..

وقال للأمير: فإني أريد منك رجلاً واحدًا أدلّه على الطريق، وبعد ذلك يعود ليأخذ الجيش.

فاستدعى أبو سبرة بن أبي رهم .. مَجْزَأَة بن ثور من صحابة النبي ليستشيره..

وكان من الذين أوصى بهم عمر أن يكونوا في جيش المسلمين ..

وقال له: يا مجزأة، من ترى يكون هذا الرجل الذي يتبع هذا الفارسي؟

فقال سيدنا مجزأة: اجعلني ذلك الرجل.

فيقول الفارسي: إن الأمر شديد، وإني أريد رجلاً يجيد السباحة.

فيقول سيدنا مجزأة: أنا ذلك الرجل.

ويضحي مجزأة بنفسه ويخوض المجهول مع هذا الفارسي..

فيقول له أبو سبرة بن أبي رهم: أوصيك أن تعرف الطريق جيدًا وتعود إلينا دون أن تُحْدِث أمرًا.

وهذا أمر من أبي سبرة بن أبي رُهْم قائد المسلمين إلى مجزأة الجندي في جيش المسلمين..

فيحفظ مجزأة الوصية جيدًا..

ويذهب مع الفارسي في منطقة من الخندق ..

ثم يتجه الفارسي إلى المنطقة التي بها مياه..

ويسبح في الماء فيسبح وراءه مجزأة بن ثور..

ثم يغطس تحت الماء فيغطس وراءه..

فيجد نفسه قد دخل في نفق داخل السور الكبير الذي يحيط بمدينة تُسْتَر فيدخل في هذا النفق..

وكان نفقًا شديد الصعوبة..

فتارة يضيق فيعبره مجزأة بمنتهى الصعوبة، وتارة يتسع ويتشعب..

وتارة يكون سقف النفق منخفضًا فإذا أراد العبور لا بد من الغطس تحت الماء..

ويختفي تمامًا حتى يعبر المنطقة التي بعدها فيرتفع مرة أخرى فوق سطح الماء..

وكان هذا النفق شديد الصعوبة شديد الظلمة..

ثم وصل مَجْزَأَة إلى باب النفق الذي يؤدي إلى مدينة تُسْتَر ..

فيذهب الفارسي ويحضر لباسًا فارسيًّا، ويلبسه مجزأة بن ثور ويدخل به إلى المدينة..

وبمجرد دخول مجزأة بن ثور المدينة بدأ يتفقدها..

فتفقَّد باب الحصن الرئيسي..

وتفقد الحصن الكبير أو القصر الكبير بداخل تُسْتَر الذي فيه الهرمزان..

وتفقد المناطق الرئيسية المؤدية إلى مداخل المدينة..

وفي أثناء هذا التفقد يرى رجلاً نازلاً من القصر ليلاً بخُيَلاء وعظمة عليه تاجه ويلبس ذهبه..

وعرف مجزأة أنه الهرمزان..

فيقول مجزأة: واللهِ إني أعلم أني لو أطلقتُ عليه سهمًا ما أخطأته، ولكني أذكر وصية أبي سبرة بن أبي رهم "لا تحدث أمرًا"؛ فأعيد سهمي في جَعبتي طاعةً لأمير الجيش.

ولقد رأينا أن معصية الأمير أو القائد لا تأتي إلا بالخسارة الفادحة على المسلمين..

ثم يعود مجزأة أدراجه مرة أخرى إلى النفق، ويترك الفارسي داخل المدينة..

ويعود إلى أبي سبرة بن أبي رهم ويخبره بإتمام أمره..

قائلاً له: انتخب لي بعض المسلمين حتى أفتح لك الأبواب..

ولم يرضَ أبو سبرة أن يكلف الناس بهذا الأمر الشاقِّ..

ففتح للناس باب التطوع لعبور النفق بشرط أن يكونوا ممن يجيدون السباحة..

فتطوع المسلمون من جيش الكوفة ومن جيش البصرة ومن جيش الأهواز..

فأتى 300 .. وكان منهم عاصم التميمي أخو القعقاع..

ووُضع مجزأة قائدا على هؤلاء الـ 300 ..

لأنه دليل المسلمين في الطريق، وهو أول من تطوع للذهاب إلى داخل مدينة "تُسْتَر"..

وتتقدم هذه الفرقة لتدخل مدينة تُسْتَر..

ويوصيهم القائد أبو سبرة بن أبي رهم: "إذا التقيتم مع عدوكم فتذكروا الله، وافتحوا لنا الأبواب، وعلامتنا التكبير".

فيدخل الثلاثمائة إلى النهر بعد منتصف الليل بساعة أو ساعتين..

وقبل الفجر بثلاث ساعات..

وتقدم مجزأة المسلمين وكان النفق شديد الصعوبة على المسلمين..

فكان يرشد الناس إلى الطريق بصوت خافت لظلمة النفق ولئلا يسمعه الفرس..

وتحرر المسلمون من كل شيء إلا جلبابًا خفيفًا والسيف مربوط على صدورهم..

ويجتاز المسلمون النفق ويصل مجزأة بن ثور إلى باب النفق ..

بعد أن فقد في النفق 220 جنديا غرقا .. !

ولم يتبقَّ معه سوى 80 فقط .. !

دخل مجزأة بن ثور مع المسلمين خُفْيَة وتحسَّسَ الطريق حتى وصلوا إلى باب الحصن..

فتقاتلوا مع قادة حرس الباب في معركة شديدة..

وكان الجيش الفارسي في سُبَاتٍ عميق..

ولم تبقَ إلا الحامية التي دخل معها المسلمون في قتال عنيف وسريع..

وأثناء القتال تتوجه مجموعة من المسلمين ناحية الباب لتفتحه للجيوش الإسلامية،..

ثم بدأ المسلمون من داخل الحصن في التكبير..

وكانت هذه التكبيرات إشارة للقوات الإسلامية خارج الحصن إلى السيطرة على الموقف..

وأَنَّ عليهم أنْ يكونوا على أُهْبَةِ الاستعداد، فوقف المسلمون على باب الحصن قبل أن يُفتحَ الباب..

وما إن فُتِحَ باب الحصن حتى انهمر المسلمون داخل حصن "تُسْتَر" كالسيل..

والتقى المسلمون مع الفرس في معركة من أعنف المعارك في الفتوحات الفارسية ..

يُقَدَّر عنفها بعنف ليلة "الهرير" في القادسية، وبعنف ليلة جَلُولاء..

وكانت الميزة بالنسبة للمسلمين عنصر المفاجأة والمباغتة التي داهموا بها القوات الفارسية..

ولم يَدُرْ بخَلَدِ الفُرْسِ أبدًا أن يقتحم المسلمون الحصن في ذلك الوقت من الليل..

فاستيقظ الجنود الفرس وقد باغتهم وجود المسلمين ولم يأخذوا أهبتهم بعدُ..

وألقى الله الرعب في قلوبهم، وأعزَّ الله جنده، وبدأت سيوف المسلمين تُعمل في رقاب الفرس.

وممن كتب الله لهم الشهادة في ذلك اليوم ...البراء بن مالك.. صاحب الدعاء المستجاب..

وقد لمحت عينه الهرمزان من بُعد، فأراد الوصول إليه..

وكانت أمامه أمواج من البشر تتقاتل..

لكنه كان يقتل رجلاً رجلاً ليصل إلى الهرمزان ليفتك به..

وتجاوز عدد قتلى البراء بن مالك في معركة تُسْتَر إلى 100 قتيل من الفرس مبارزة..

ويلتقي بعد ذلك بالهرمزان ويتقاتلان معًا..

فيسدد البراء ضربة ويسدد الهرمزان ضربة..

فيخطئ البراء ويصيب الهرمزان..

لينال البراءُ بنُ مالكٍ الدرجات العُلا من الجنة بالشهادة في سبيل الله كما دعا اللهَ..

فاستجاب له الله دعوته بفتح تُسْتَر وهزيمة الفرس واستشهاده..

وما زالت السيوف المسلمة تعمل عملها في رقاب الفرس، ولم يجد الفرس خيارًا سوى الفرار..

ولم يجد الهرمزان حيلة إلا الاختفاء داخل قصره الكبير، وأغلق عليه بابه الكبير..

فقد كان قصرًا أقرب إلى الحصن، أما القوات الفارسية فما بين قتيل أو جريح أو أسير أو هارب.

وبعد أن صعد الهرمزان إلى قصره وأغلق بابه..

نادى على المسلمين: إن معي في جعبتي مائة سهم، لو أطلقتُها لقتلتُ مائة منكم؛ فسهمي لا يخطئ، فأي نصر تحققونه إذا أخذتموني وقتلت منكم مائة؟!

فقالوا له: ماذا تريد؟

قال: أريد أن أنزل على رأي عمر.

وبعد أن تناقش المسلمون قَبِلَ أبو سبرة بن أبي رهم عَرْضَ الهرمزان..

فألقى الهرمزان بالسهام وسلَّم نفسه للمسلمين وتم القبض على الهرمزان..

ووفاءً للعهد مع الهرمزان قرر المسلمون إرساله إلى عمر بن الخطاب ليرى فيه رأيه وليحكم فيه..

ووصلت الأنباء إلى عمر بتمام النعمة على المسلمين بفتح تستر بعد عام ونصف العام من حصارها..

وأَسْرِ الهرمزان الذي طالما نقض عهده مع المسلمين..

ثم أمر عمر أن يؤتى بالهرمزان ومعه فرقة لحراسته لأنه لايأمن مكره
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
صيد الخواطر



عدد المساهمات : 22
تاريخ التسجيل : 22/09/2014

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   25.09.14 4:28

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يا اخي لا أدري ماذا عساني اقول لكن ...
زادك الله من قضله وثبتك ورفعك .

إستوقفتني هذه العبارة للفاروق رضي الله عنه كثيرا،علي أنام عليها :
"إِنَّمَا تُنْقَصُ عُرَى الإِسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إِذَا نَشَأَ فِي الإِسْلامِ مَنْ لا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ" ..


أستودعكم الله خير الحافظين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   25.09.14 16:06

اللهم آمين

نسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة

السلام عليكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   25.09.14 16:20

لقاء عمر مع الهرمزان


تقدم الوفد الإسلامي بأسيرهم الهرمزان إلى المدينة المنورة ليرى فيه عمر بن الخطاب رأيه..

وكان على رأس الوفد .. أنس بن مالك والمغيرة بن شعبة والأحنف بن قيس..

وتوجه الجميع من "تُسْتَر" إلى المدينة، وكانت المسافة كبيرة جدًّا تُقدَّر بـ 1000 كم ..

وكان الهرمزان تحت حراسة مشددة..

فلما اقتربوا من المدينة ألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب وتاجه، وكان مكللاً بالياقوت..

وأساوره وأعقاده الذهبية ومنطقته وسيفه الذهبي..

ليدخل المدينة في هذه الهيئة..

فيرى المسلمون هذا العزّ وهذه العظمة كيف سقطت في أيدي المسلمين..

وكيف أعز الله المسلمين وأذل هؤلاء بالإسلام..

ثم طلبوا عمر فلم يجدوه في بيته، فسألوا عنه فقيل: جلس في المسجد لوفد من الكوفة.

وعمر بن الخطاب هو رئيس الدولة التي أسقطت عروش أعظم دولتين في الأرض: الفرس والروم..

وما زالت هذه الدولة في بداية نشأتها..

فرآهم بعض الصبية وهم يلعبون في طرقات المدينة..

فقالوا لهم: ما تلددكم؟ تريدون أمير المؤمنين؟ والله إنه لنائم في المسجد.

فذهب الوفد إلى المسجد ومعهم الهرمزان..

وتجمع الناس في المسجد لما رأوا الهرمزان في هذه الهيئة..

ليحضروا هذا اللقاء التاريخي بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وبين الهرمزان أحد قواد الفرس..

وعندما دخل الوفد المسجد بحثوا عن عمر بن الخطاب في المسجد يمينًا ويسارًا ..

فوجدوه متوسدًا بُرْنسًا له كان قد لبسه للوفد..

فلما انصرفوا عنه توسّد البرنس ونام، وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره..

والدِّرَّة في يده معلقة، فكان نائمًا بدون حرّاس أو حجّاب.

دخل الهرمزان المسجد..

وتأهب لمقابلة رئيس الدولة التي أسقطت عروش كسرى وقيصر..

والذي أرسل جيوشًا مخرت "فارس" من الجنوب إلى الشمال، ومن الغرب إلى الشرق..

رئيس الدولة التي زلزلت "الروم" و"فارس..

رئيس الدولة الذي تطيعه كل هذه الجيوش فتتحرك بكلمة منه في بلاد الروم وفارس..

منتظرًا لأن يقابل الرجل الذي يضع خططًا وهو في المدينة ..

حيث لا يستطيع أمراء وقادة فارس وضعها وهم في أرض المعركة وفي بلادهم..

فقال الهرمزان: أين عمر؟

فقالوا: هو ذا.

فوجده في وضع غريب جدًّا..

وجده نائمًا في ركن من أركان المسجد، لباسه متواضع، ليس له حرّاس أو حُجَّاب..!

ومن المؤكد أن تحضر صورة يزدجرد ملك الدولة الفارسية في ذهن الهرمزان..

فقد كان الداخل على يزدجرد يقف على مسافة منه..

وكان أقرب من يقف مع يزدجر يقف على بعد 5 أمتار.. وهم كبار الأساورة والأمراء..

وعلى بعد 10 أمتار يقف كبار قواد الجيش والعلماء..

ثم على بعد 15 مترًا يقف المهرجون والمطربون وأصحاب اللهو..

وإذا أراد أحد مقابلته فليس له أن يتجاوز هذه المسافة..

وكان الداخل على يزدجرد يرتمي على الأرض، ولا يتكلم حتى يأذن له كسرى بالكلام..

وإذا تكلم أحد مع يزدجرد لا يذكر اسم يزدجرد أبدًا تعظيمًا لهذا الاسم..

وإذا دخل رجل على يزدجرد وضع على فمه غلالة من القماش الأبيض ..

حتى لا تُلوِّثَ أنفاسُه الحضرة الملكية ..!

ولك أن تنظر إلى العظمة التي كان يعيش فيها كسرى فارس وأمير الأهواز الهرمزان..

وغيره من أمراء الدولة الفارسية..

وكيف يستطيع هذا الرجل المتواضع الذي ينام في ركن من أركان المسجد أن يسقط كل هذه العروش..

ويهز هذه الأبنية التي ملأها الكبر والعظمة..

وكان المسلمون في المسجد يخضون أصواتهم لئلا ينبهوا نومة عمر..!

قال الهرمزان : وأين حجّابه؟ أين حَرَسه؟

فقالوا: ليس له حجاب ولا حرس..

فقال الهرمزان: ليس له حاجب ولا حارس! ينبغي أن يكون نبيًّا.

فقالوا: لا، بل يعمل عمل الأنبياء.

فتعجب الهرمزان؛ رجل على مثل هذا وليس بنبيٍّ..

وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالسًا ..

ومن هذه اللحظة يبدأ اللقاء التاريخي المهم في أطهر بقعة من بقاع الأرض ..

في بيت من بيوت الله عز وجل..

وفي مسجد الرسول على ما كان عليه من البساطة..

نظر عمر إلى الهرمزان، فقال: الهرمزان؟

قالوا: نعم.

فتأمله وتأمل ما عليه، ثم قال: أعوذ بالله من النار وأستعين بالله.

ثم قال عمر متجاهلا الهرمزان: الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيكم..
ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غدارة.

فقال له الوفد: هذا ملك الأهواز فكَلِّمْهُ.

فقال: لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شيء.

ففعلوا ذلك وألبسوه ثوبًا صفيقًا..

فقال عمر: يا هرمزان، كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟

فقال: يا عمر، إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلَّى بيننا وبينكم فغلبناكم، إذ لم يكن الله معنا ولا معكم..
فلما كان الله معكم غلبتمونا.


ولك أن تتأمل في كلام الهرمزان وبُعد نظره، فهو يشعر بل يؤكد أن الله ينصر هذا الجيش.

فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا.

ثم قال: ما عذرك وما حجتك في انتقاضك مرة بعد مرة؟

فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك.

قال: لا تخف ذلك.

فاستسقى الهرمزان ماء ..فأُتي به في قدح غليظ، فقال: لو مِتُّ عطشًا لم أستطع أن أشرب في هذا..

فأتي به في قدح آخر يرضاه.

ونلاحظ أنه ليس لهذا اللقاء أهمية عسكرية كبيرة..

بل تُظهِر هذه المقابلة بوضوح أخلاق المسلمين ..

فلما أخذه جعلت يده ترعد، وقال: إني أخاف أن أُقْتَلَ وأنا أشرب.

فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه فَأَكفأه.

فقال عمر: أعيدوه عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش.

فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأمن به.

فقال له عمر: إني قاتلك.

فقال: إنك أمَّنتني.

قال: كذبت.

فقال أنس: صدق يا أمير المؤمنين.

فقال عمر: وَيْحَكَ يا أنس! أنا أُؤَمِّنُ من قتل مجزأة والبراء؟! والله لتأتينَّ بمخرج أو لأعاقبنك. قلتُ له: لا بأس عليك حتى تخبرني... وقلتُ: لا بأس عليك حتى تشربه.

وقال له من حوله مثل ذلك مثل كلام أنس..

فأقبل عمر على الهرمزان فقال: خدعتني، والله لا أنخدع إلا لمسلم.

فأسلم، ففرض له على ألفين، وأنزله المدينة.

ولا أحد يعلم إن كان إسلام الهرمزان تقية وخوفًا من القتل..

وأحضر له المسلمون لباسًا يرضاه، وعلَّموه الإسلام واغتسل، وأصبح مسلمًا بعد هذا اللقاء التاريخي..

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ)

هنا وقفة .. !

فالهرمزان .. هو من قتل البراء من مالك كما ذكرنا ..

والبراء هو أخو أنس بن مالك ..!

فانظر كيف يتعامل أنس مع الهرمزان لأنه أسير ..

وأنظر كيف يدافع عنه مخافة أن يكون أمير المؤمنين قد وعده بالأمان ..

هذه هي أخلاق الإسلام .. مع أن دم أخيه لم يجف بعد .. !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   25.09.14 19:59

فتح السوس


بعد إسلام الهرمزان..

أرسل عمر إلى أبي سَبْرَة بن أبي رُهْم أن يعيد أبا موسى الأشعري إلى البصرة مرة أخرى..

ويؤمِّر على الجيش المقترب بن ربيعة..

ويتوجه هذا الجيش العظيم من تُسْتَر إلى مدينة السُّوس..

وكان على رأس مدينة السوس شهريار أخو الهرمزان.

وتتفاعل في نفس شهريار عدة عوامل تزيده ضراوة في حربه ضد المسلمين..

أولها: أوامر يزدجرد للقادة الفرس بمحاربة المسلمين..

ثانيها: ملكه هو فهو أمير السوس وهي عاصمة الأهواز.. فلو هزم لضاع ملكه وضاعت إمرته.

ثالثها: العامل الانتقامي.. فهو يريد أن ينتقم لأخيه من المسلمين بسبب أسرهم لأخيه..

ومن المؤكد عنده قتل الهرمزان.

فجمع شهريار قواته وعسكر في السُّوس..

وأرسل رسائل شديدة اللهجة إلى المسلمين يقول فيها: "إنما أنتم كلاب، وإنما أنتم كذا وكذا".

وكانت هذه محاولات لإهانة المسلمين حتى يشعرهم أنه غير مهتم بالقوات الإسلامية..

وكأنه يريد محاربة المسلمين حربًا نفسيَّة..

لكن المسلمون لم يشتغلوا بمثل هذه الأمور..

فقد توجّهت الجيوش الإسلامية من تُسْتَر مباشرة إلى السُّوس لفتحها..

وكان حصار مدينة السوس أقل من حصار مدينة تُسْتَر..

وبدأ المسلمون بقذف حصون السوس بالمقلاع (والمقلاع آلة كالمنجنيق)..

ورمي السهام داخل الحصون..

وكان أهل الحصن يخرجون لمحاربة المسلمين المرة بعد المرة..

ولم يحصدوا إلا الهزيمة في كل مرة كعادة الفرس..

وتقهقروا مرة أخرى إلى الوراء داخل حصنهم خوفًا من فتك المسلمين بهم..

الطريف في الأمر ..

أنه بعدما دام الحصار شهرًا أو يزيد لم يستسلم فيه الفرس، ولم يتهاون المسلمون في حصارهم..

وعلى المسلمين -كما ذكرنا- سيدنا أبو سبرة بن أبي رهم..

فأنه أثناء محاصرة المسلمين للسوس أشرف عليهم الرهبان..

فقالوا: يا معشر العرب، إن مما عهد إلينا علماؤنا أنه لا يفتح السوس إلا الدجال أو قوم معهم الدجال.!!!!!!

حاول النصارى الموجودون في السوس إرهاب المسلمين نفسيًّا..

فالدجال -كما نعلم- شخصٌ منكر وبغيض..

ولن يرضى المسلمون أن يكون بينهم الدجال، وقد حذرهم النبي منه..

ولم يؤثر مثل هذا الكلام في المسلمين..

فأصروا على الحرب وشددوا في حصارهم وقذفهم للسوس..

وكسر المسلمون الأبواب ودخلوا مدينة السوس عنوة واستسلم كل أهلها..

وكان فتحها يسيرًا على المسلمين بخلاف مدينة تُسْتَر.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   25.09.14 20:03

عزل سعد بن أبي وقاص

وصل إلى عمر بن الخطاب نبأَيْنِ..

النبأ الأول

هو تجمع أعداد كبيرة من الفرس وصل تعدادهم إلى 150 ألف جندي لقتال المسلمين في نَهاوَنْد..

وهي من المدن المهمة في عمق الدولة الفارسية.

وأرسل هذا الخبر قُباذ بن عبد الله أمير حُلوان.

والنبأ الثاني

شكاية أهل الكوفة بأن أميرهم سيدنا سعد بن أبي وقاص لا يقسم بالسويَّة..

ولا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية..

فقرر عمر بن الخطاب التحقيق في الأمر.

فأرسل عمر رجلا من رجال المهمات الصعبة .. ليحقق في الأمر

الرجل الذي كان يبعثه (صلى الله عليه وسلم) في مهام عظيمة ..هو محمد بن سلمة..

فلما قدم محمد بن مسلمة الكوفة ..

طاف على القبائل والعشائر والمساجد بالكوفة..

فوجد الكل يثني على سعد خيرًا..

حتى انتهى إلى سوق فقابل رجلاً يقال له: أبو سعدة أسامة بن قتادة..

فقال: أنشدك بالله ما فعل سعد فيكم؟

فقال الرجل: أما إذ ناشدتنا فإن سعدًا لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية.

وما إن تجرأ هذا الرجل على ما قاله حتى تبعه خلق كثير في مقالته..

وقالوا: إنه يلهيه الصيد عن القتال في سبيل الله، وأنه لا يحسن يصلي...

فأرسل محمد بن مسلمة بما سمعه من أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب ..

فبعث إليه عمر بالقدوم عليه إلى المدينة ومعه سعد بن أبي وقاص وأسامة بن قتادة..

فيأتي سعد ومحمد بن سلمة .. وأسامة بن قتادة..

ويقر أسامة بن قتادة أمام عمر بن الخطاب ما قاله من قبل.

فيدعو عليه سعد ويقول: "اللهم إن كان قالها كذبًا ورياء وسمعة فأعمِ بصره، وكثر عياله، وعرضه لمضلات الفتن؛ إنه ظلمني".

وسأل عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة عن هذه المقالة، فقال: إن كثيرًا من أهل السوق يقولونها.

فقال عمر: يا سعد، كيف تصلي؟

فأخبره أنه يطول في الركعتين الأوليين، ويخفف في الأخريين..

وما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .

فقال له عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، والله أعلم أن ما يقولونه عليك ما هو بحق، ولكني أخشى الفتنة.

فآثر السلامة وعيَّن مكانه من استخلفه..

ثم قال عمر لسعد: من استخلفت على الكوفة؟

فقال: عبد الله بن عبد الله بن عتبان.

فأقرَّه عمر على نيابته الكوفة..

ثم بكى سيدنا سعد بن أبي وقاص، وقال: يزعمون أني أشتغل بالصيد عن قتالي في سبيل الله، وأنا أول من أراق دمًا في الإسلام، ولقد جمع لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أبويه، وما جمعهما لأحدٍ قبلي..

ويدرَأُ عمر بن الخطاب الفتنة بعزله، وهو يعلم أنه بريء من هذه التهم الباطلة..

وتمر الأيام ويطول الزمن بأسامة بن قتادة حتى كبر في السن وعمي بصره..

واجتمع عنده عشر بنات..

وكان يسمع بالمرأة فلا يزال حتى يأتيها فيتعرض لها وهو شيخ كبير فانٍ..

فإذا عثر عليه قال: مفتون أصابته دعوة الرجل المبارك سعد بن أبي وقاص..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   25.09.14 20:07

رسائل يزدجرد


بعد سلسلة من الفتوحات في بلاد فارس وبلاد الترك وشمال الجزيرة العربية والعراق..

وصل جيش الأحنف بن قيس إلى بَلْخ لقتال يزدجرد شخصيًّا في حاشيته الملكية..

ولم يتمكن يزدجرد من الفرار واضْطُرَّ إلى قتال الأحنف بن قيس بنفسه..

وكان يزدجرد قد أقام معاهدات مع الممالك المحيطة بالدولة الفارسية..

فأرسل خطابًا إلى ملك الصين، وخطابًا إلى ملك الصُّغْد، وخطابًا إلى ملك الترك..

أما ملك الروم فكان يعيش في الحروب التي تدور في مملكته..

غير الحروب الطاحنة التي كانت بين الفرس والروم مما أثَّر على علاقتهما..

فأجابه ملك الترك بإرسال جيش لنجدته..

ووافق ملك الصُّغْد على طلب يزدجرد وأرسل جيشًا لمساعدة كسرى فارس.

أما ملك الصين فكان أحكمَ من ملكي الترك والصغد..

فقد حاور رسول كسرى، وقد سُجِّلَ هذا الحوارُ؛..

أن كثيرًا ممن سمعوا هذا الحوار قد أسلموا، ويقال: إن رسول يزدجرد نفسه أسلم.

ابتدأ ملك الصين قائلاً للرسول: إن حقًّا على الملوك إنجادُ الملوك على من غلبهم؛ فصِفْ لي هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم، فإني أراك تذكر قلةً منهم وكثرةً منكم، ولا يبلغُ أمثالُ هؤلاء القليل الذين تصف منكم -مع كثرتكم- إلا بخير عندهم وشرٍّ فيكم.

فقال الرسول: سلني عما أحببت.

فقال ملك الصين: أيوفون بالعهد؟

قلت: نعم.

قال ملك الصين: وما يقولون لكم قبل القتال؟

قال الرسول: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إما دينهم، فإن أجبنا أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنعة، أو المنابذة.

ويتضح من أسئلة ملك الصين أنه كان يتابع الحروب الإسلامية..

فالحروب تدور رحاها في المملكة المجاورة واستمرت 12 عامًا..

فهو يسأل عن أمور محددة يريد أن يستوثق منها من رسول يزدجرد.

قال ملك الصين: فكيف طاعتهم أمراءهم؟

قال الرسول: أطوع قوم لمرشدهم.

وهذه هي مفاتيح النصر، يجيب بها رسول كسرى على أسئلة ملك الصين.

قال ملك الصين: فما يُحِلُّون وما يحرِّمون؟

فعدَّد عليه الرسول بعض الأمور، وقد أثَّر ما ذكره في ملك الصين..

لكن ما يهمّ هو السؤال التالي الذي طرحه ملك الصين على الرسول ..

فقال له: هل يحلون ما حرم عليهم، أو يحرمون ما حلل لهم؟

قال الرسول: لا.

قال ملك الصين: فإن هؤلاء القوم لا يزالون على ظَفَر حتى يحلوا حرامهم أو يحرموا حلالهم.

وإذا كنا نعيش في وضع من الضعف والهزائم ..

غير الوضع الذي عاش فيه المسلمون من قبل..

فقد يكون ما ذكر ملك الصين هو السبب..

والحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها، ولو كان قائلها ملك الصين.

ثم قال ملك الصين: أخبرني عن لباسهم؟

فيشرح له الرسول بساطة ثيابهم.

ثم قال ملك الصين: أخبرني عن مطاياهم؟

فقال الرسول: الخيلُ العِرَابُ الأصيلة..والإبل العظيمة ..

ووصفها له..

فكتب ملك الصين إلى يزدجرد: إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجند أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحِقُّ عليَّ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولُك لو يطاولون الجبال لهدوها، ولو خلا لهم سربهم أزالوني ما داموا على ما وصف، فسالمهم وارضَ منهم بالمساكنة، ولا تهْجُهُم ما لم يهجوك.

ورفض ملك الصين أن يرسل إليه بمدد ينجده خوفًا من حرب المسلمين.

وحوى هذا الحوار حِكمًا كثيرةً من الممكن أن نستفيد منها فالتاريخ يعيد نفسه..

ونحن الآن في وضع يدعونا لاستخراج الحكمة والبحث عنها، والحكمة كاملة في ديننا..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   25.09.14 20:09

كنز يزدجرد


وكان الأحنف بن قيس أسرع من ملك الترك وملك الصغد فوصل بجيشه إلى بلخ قبلهما..

وحارب يزدجرد والتقى الجيشان في أول معركة يحارب فيها يزدجرد بنفسه..

فقد تعود الهرب منذ دخول الجيوش الإسلامية إلى أرض فارس..

وكأنما كُتِبَ عليه الهروبُ منذ ميلاده..

فقد هربت به أمه وهو طفل خوفًا عليه من كسرى ليقتله..

ثم أحضروه ليتولى الحكم وكان عمره يومئذ إحدى وعشرين سنةً.

وبدأ القتال وتخيل حال جيش ظل يهرب من مكان إلى آخر ..

حتى ألجأته الظروف للحرب مع جيش يتقدم من مكان إلى آخر..

وكيف حاله وهو يقابل جيشًا يحرص على الموت حرصهم على الحياة..

وكانت هذه المعركة من أقصر المعارك في الفتوحات الإسلامية..

فما هي إلا ساعات قليلة حتى عملت السيوف الإسلامية في رقاب الجيش الفارسي..

وكان يزدجرد يقاتل في مؤخرة الجيش..

وكالمعتاد لما رأى سيوف المسلمين تأخذ مأخذها من جيشه..

لاذ بالفرار بقلة من جيشه عابرًا النهر داخلاً في مملكة الترك..

ويقف الأحنف بن قيس على آخر حدٍّ من الحدود الفارسية..

ولم يكن للأحنف بن قيس أن يعبر إلى مملكة الترك دون أن يأذن له عمر بن الخطاب..

وكان قد أرسل إلى الأحنف رسالة بأنه إذا وصل إلى هذه النقطة فلا يعبر إلى مملكة الترك..

فلم يفكر عمر في الدخول في الأراضي التركية..

لأن جيوش المسلمين متفرقة في أماكن واسعة..

وبعد الانتصار الذي حققه سيدنا الأحنف بن قيس في بلخ، وسقوط الدولة الفارسية..

وبعد أن اطمأن على الوضع فيها تركها عائدًا بجيشه إلى مرو الروذ بعد أن ترك بها حامية لتحميها.

لم ينته الأمر بالنسبة ليزدجرد بعدُ..

فبالأمس القريب كان ملكًا على مملكة كبيرة من أقوى الممالك في ذلك الوقت..

واليوم أصبح فارًّا مطارَدًا، وقد فَقَدَ كنزه المدفون في مرو الشاهجان، وفقد وضعه الاجتماعي..

وما بين عشية وضحاها سُلِبَ منه كُلُّ ما يملك، وبعد أن كان يتقلب في النعيم أصبح من أهل الجحيم.

واستنجد يزدجرد بملك الصغد وملك الترك على الجيش الإسلامي رغبة في الانتصار عليه..

أو تحرير الكنز المدفون في مرو الشاهجان على أن يقاسمه الكنزَ ملكُ الترك..

ووافق ملك الترك، وعبرت الجيوش التركية التي تحالفت مع الجيش الفارسي..

واضطرت الحامية المرابطة في بلخ إلى الانسحاب إلى الأحنف بن قيس في مرو الروذ..

لما رأت كثرة عدد الجيش القادم من مملكة الترك، ويستولي يزدجرد والخاقان على بلخ مرة أخرى.

لكن عاد إليهم جيش الأحنف بن قيس .. ودارت معارك هائلة ..

وأوقع بهم هزيمة رهيبة.

ونعلم أن يزدجرد كان مع الجيش التركي وكان بينهما اتفاق..

ولم يكن المسلمون على علم بتلك الاتفاقية.

وأثناء القتال قام يزدجرد بالانصراف بحاميته الفارسية إلى مرو الشاهجان..

وكان بها حامية إسلامية صغيرة على رأسها حاتم بن النعمان..

وكان الجيش الفارسي أكبر نسبيًّا من الجيش الإسلامي، فضرب عليهم الحصار..

واستطاع يزدجرد ومن معه الدخول إلى مرو الشاهجان بعد انسحاب الحامية الإسلامية..

وانكشف ما اتفق عليه يزدجرد والخاقان..

فقد شغل الترك جيش المسلمين في مرو الروذ ليتمكن يزدجرد من الحصول على الكنز المدفون..

ثم يعود إلى مملكة الترك..

ولما علم يزدجرد أن الأحنف لحقه وقادم إليه أُسْقِطَ في يده..

فهو لم يكن يتوقع أن تأتي إليه الجيوش..

بل توقع أنها ستذهب إلى الجيش التركي، فهرب يزدجرد كعادته.

ولما جمع يزدجرد خزائنه، وكانت كبيرة عظيمة، وأراد أن يلحق بخاقان..

قال له أهل فارس: أي شيء تريد أن تصنع؟

قال: أريد اللحاق بخاقان فأكون معه أو بالصين.

قالوا له: إن هذا رأي سوء، ارجع بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم؛ فإنهم أوفياء وهم أهل دين، وإن عدوًّا يلينا في بلادنا أحب إلينا من عدو يلينا في بلاده ولا دين له، ولا ندري ما وفاؤهم.

فأبى عليهم..

فقالوا: دع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يلينا، لا تخرجها من بلادنا.

فأبى..

فاعتزلوه وقاتلوه فهزموه وأخذوا الخزائن واستولوا عليها وانهزم منهم ولحق بخاقان..

وعبر النهر من بلخ إلى فرغانة..

وصالح الجنود الفارسيون سيدنا الأحنف بن قيس على الجزية وأعطوه كنز يزدجرد..

فباعه المسلمون بـ 150 مليون درهم...!

وقسم 120 مليون درهم على الـ 20 ألفًا..

فكان نصيب الفرد 6000 درهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   26.09.14 0:03

أخبار النصر تصل المدينة


أرسل إلى عمر بن الخطاب خبر الفتح ومعه 30 مليون درهم خُمس الغنائم..

فما كان من عمر إلا أن جمع الناس وقرأ عليهم كتاب الأحنف بن قيس..

ثم خطب خطبة فقال: "إن الله تعالى ذكر رسوله، وما بعثه به من الهدى، ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة..(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).. الحمد لله الذي أنجز وعده ونصر جنده، ألا إن الله قد أهلك مُلْكَ المجوسية وفرَّق شملهم، فليسوا يملكون بأيديهم شبرًا يضر بمسلم، ألا إن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون، ألا وإن المِصْرَيْن (الكوفة والبصرة) من مسالحها (المدن الصغيرة التابعة) اليومَ كأنتم والمصرين فيما مضى من البعد، وقد أوغلوا في البلاد، والله بالغ أمره، ومنجز وعده، ومتبع آخر ذلك أوله؛ فقوموا في أمره يوفِ لكم بعهده، ويؤتكم وعده، ولا تُبدِّلوا ولا تغيروا؛ فيستبدل الله بكم غيركم؛ فإني لا أخاف على هذه الأمة إلا أن تُؤتَى من قِبَلِكُم".

ونضع كلمات سيدنا عمر بن الخطاب نصب الأعين لتكون لنا درسًا من الفتوحات الفارسية..

تعيه قلوبنا وخاصة آخر كلامه..

فهو لا يخاف على هذه الأمة من الفرس أو الروم أو الصين أو من غير ذلك ..

بقدر ما يخاف أن تؤتى هذه الأمة من قبلها..

وذلك إذا أحلَّت الأمة حرامها وحرَّمت حلالها..

وإذا حدثت الفرقة بين المسلمين حتى لو حقق كل فرد أعلى درجات التقوى..

طالما أنه يعمل بمفرده ولا يتعاون مع الآخرين لتحقيق أمة مترابطة ومتماسكة وقوية البنيان.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   26.09.14 0:05

مقتل كسرى يزدجرد


تزامن سقوط الدولة الفارسية مع فتح المسلمين لبرقة في تونس..

وتوغلهم في أرض الروم حتى حدود المملكة التركية.

وبعد هذا السقوط المفزع الذي لحق بيزدجرد، إضافة إلى محاربة جنده له وأخذ كنزه..

وصل يزدجرد إلى خاقان الترك فاستُقْبِل استقبال الملوك..

ثم سأله أحد عماله (وكان على مرو الشاهجان وكان اسمه ماهويه) ابنته ليتزوجها..

فغضب يزدجرد غضبًا شديدًا..

وقال له: إنما أنت عبد من عبيدي.

فعمل ماهويه على تقليب الحاشية على يزدجرد، وقررت الحاشية قتله..

فهرب يزدجرد من الحاشية الفارسية حتى انتهى إلى بيت طحَّان فآواه وأطعمه ثم سقاه الخمر فلعبت برأسه..

فأخرج تاجه ووضعه على رأسه فعرفه الطحان، ثم أخبر ماهويه..

وتشاءم ماهويه من قتل يزدجرد بنفسه أو أحد من حاشيته..

فقد كانوا يعتقدون أن من قتل كسرى أو قتل ملكًا عُذِّبَ بالنار في الدنيا..

فأوحى إلى الطحان بقتله، فأخذ فأسه وضرب يزدجرد فاحتز رأسه بها..

وبعد قتل الطحان لكسرى قال ماهويه: ما ينبغي لقاتل ملك أن يعيش.

فقتل الطحان...!

وألقى جثة يزدجرد في نهر جيحون، وحملت المياه جثته إلى مكان قريب من مرو الشاهجان..

وتعرف عليه مطران على مرو يقال له: إيلياء..

فجمع من كان قبله من النصارى، وقال لهم: إنَّ ملك الفرس قد قتل..

وانتهت بذلك قصة آخر ملك تولى حكم فارس..

وكان من عادة الفرس أن يبتدئوا التقويم من اعتلاء كسرى لكرسي العرش..

وبموت الملك ينتهي التقويم ويبتدئ تقويم جديد ببداية عهد كسرى جديد..

ولم يأت بعد يزدجرد أحد ليسير المجوس -إلى هذه اللحظة- بالتقويم اليزدجردي..

وما زالت هذه الطائفة باقية وموجودة وتعرف بالزرادشتية.

وانتهى عصر الفتوحات الفارسية والانتصار العظيم الذي حققه المسلمون..

الذي لا نستطيع إعطاءه حقه إلا بعد قيام من ينشر الخير..

ويبشر بهذا الدين وينشره في ربوع الأرض، وفي كل مكان في العالم..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   26.09.14 0:07

هدف الفتوحات الإسلامية


هل يوجد تعارض بين الفتوحات الإسلامية التي كانت عن طريق حروب شديدة ..
مع قوله تعالى (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ؟!

الحقيقة أن هذا الأمر من الأهمية بمكان ولا بد من الوقوف على حقيقته..

وفي هذا يقول أحد العلماء: إن حركة الفتوحات الإسلامية لم تكن لمجرد الدفاع عن الدولة الإسلامية..
كما يحاول بعض المسلمين الدفاع عن الإسلام..
والقول بأن الإسلام لا يحارب إلا دفاعًا..
ويظن أنه يخدم الإسلام بذلك، حتى لا يُطْلَق على الإسلام أنه دين إرهاب..
أو أنه يحاول الضغط على هذه الدول لتعتنق الإسلام..

ونذكر أن الإسلام ليس دينًا دفاعيًّا فقط..

بل فرض عين على المسلمين أن ينشروا الدعوة خارج حدودهم حتى يَعُمَّ الإسلام ربوع الأرض..

والمسلمون لم يفرضوا الإسلام على أية أمة من الأمم..

لكنه يحرر هذه الشعوب من الطواغيت التي تحكمهم وتمنعهم من اختيار الدين المناسب..

فمثلاً كان الشعب الفارسي يتبع ولاته في عبادة النار..

ولا يحق لهم اختيار ما يدينون به..

لكن دين الله لا بد أن يصل إلى هذه البلاد.. وإلى كل فرد..

ثم يترك له حرية الاختيار في اعتناقه للإسلام أو عدم اعتناقه..

أما إذا تركه المسلمون دون إبلاغ فهم آثمون..

فكانت مهمة الجيوش الإسلامية محاربة الطبقة الحاكمة التي تأبى أن تطيع أمرَ الإسلام..

بعد عرض الإسلام عليهم وبعد عرض الجزية..

والجزية حلٌّ أفضل للمعاهِدين من الأموال والضرائب التي يدفعونها لحكوماتهم

وأقل مما يدفعه المسلمون زكاةً؛ ولذا كانت هذه الشعوب تغتبط بالحكم الإسلامي.

بعد عرض هذه الأمور الثلاثة: الإسلام أو الجزية أو المنابذة..

فإن رفض القوم الإسلام أو الجزية قاتل الجيش الإسلامي الجيش الفارسي والجيش الرومي..

ولا علاقة له في الحرب بمن لا يحارب..

فلا يقاتل الفلاحين..

ولا من يعبد الله في محرابه أو في كنيسته أو في صومعته أو حتى في معبد النار..

لكنه يقاتل من يقفون أمام نشر دين الله ..

حتى إذا خلَّى بين الناس وبين الاختيار، ترك لهم المسلمون حرية العقيدة..

يعبدون ما شاءوا أن يعبدوا بعد توضيح الإسلام لهم..

فإن رضوه دينًا كان بها، وإن لم يرضوه أقرُّوهم على ديانتهم..

ورغم أن الدولة الفارسية تعبد النار وليسوا أهل كتاب..

ومع دفعهم الجزية يتركهم المسلمون يعبدون النار..

وفي مقابل الجزية يمنعهم المسلمون ويدافعون عنهم..

فلم يكن غرض المسلمين من الفتوحات التكالب على الدنيا..

بل أوقف عمر بن الخطاب الحروب خشية كثرة الغنائم على نفوس المسلمين..

فهل هناك قائد أي جيش فاتح يوقف الحروب؛ لأنه يخاف على أتباعه من كثرة الغنائم؟!

ولم تحمل الرسائل التي بعثها عمر بن الخطاب بين طياتها أي غرض من أغراض الدنيا..

بل كان جُلُّ همه الآخرة وترك الدنيا..

ولو وضعوا أعينهم على الآخرة لربحوا الدنيا والآخرة..

وإذا وضعوا أعينهم على الدنيا خسروهما معًا..

وهذا هدف نبيل من أهداف الفتوحات الإسلامية..

ولا نخجل من ذكر انتشار الإسلام في هذه البلاد بهذه الحروب..

بل الإسلام أعطى الفرصة لهؤلاء الناس ليتعرفوا عليه، تاركًا لهم حرية الاختيار.

ونتساءل..

هل سيأتي اليوم الذي نفرح فيه عندما نرى انتشار الإسلام في أوربا وأمريكا وروسيا وكل ربوع الأرض؟

نعم، سيأتي هذا اليوم ..

لكن بجدٍّ واجتهاد من المسلمين في تعريف البشرية بديننا الحنيف..

وقد وعد الله بتحقق ذلك، ونحن نؤمن بموعود الله وأن دين الله سيعمُّ كُلَّ الأرض..

ويعز الإسلام كما كان من قبل ويَذِلُّ الشرك..

لكن الفكرة تكمن فينا..

وهل سيكون لنا دور في ذلك أم نتولى..

فيحق علينا قول الله تعالى.

(وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)

فبداية الهَلَكَة كما وضحها ملك الصين: يحلُّوا حرامهم ويحرِّموا حلالهم.

ولا بد أن يستشعر كل إنسان أن النصر يتأخر بمعصيته وذنبه..

ويؤخر النصر أيضًا .. إذا انصرف كلٌّ إلى نفسه لا يفكر في الآخرين..

بل لا بد لهذه النفوس التقية أن يجتمع بعضها مع بعض في دولة واحدة..

وليس من الصعب على المسلمين أن يعيشوا تحت لواء دولة واحدة..

تنشر الخير وتنشر الإسلام في أرجاء المعمورة..

فليبدأ كلٌّ منا بنفسه، ويقربها من الله مبتعدًا عن الحرام، مقتربًا من الحلال، مكثِرًا من الطاعات..

وكل هذه الأشياء من عوامل النصر..

ثم يقوم بدعوة غيره إلى الخير والكفِّ عن المعاصي..

وليكن لك دور في مجتمعك، لا أن تعيش لنفسك فقط..

ويكون جُلُّ همِّك جمع الأموال، أو تحقيق منافع شخصية..

حتى ولو كانت على المستوى العبادي والإيماني.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   26.09.14 11:46

التعريف بعمر بن الخطاب


لا تقتصر الاستفادة من تاريخ عمر بن الخطاب على المسلمين فحسب، بل تعم الفائدة الجميع..

مسلمين وغير مسلمين..

ولا ننس أن نقول..

إنه صاحب الفضل في ابتكار الكثير من الوسائل التي ما زال الناس ينتفعون بها إلي اليوم فهو:

فهو أول من دوّن الديوان وعمل فيه..

والديوان سِجِل أو كتاب تُدوّن فيه وتُسجَّل أسماء أفراد الجيش والذين يُعطَون والعمال..

وهو أول من سُمِّي أمير المؤمنين..

وهو أول من سَنَّ قيام شهر رمضان، وجمع الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان..

وهو أول من ضرب في الخَمْر..

وهو أول من فتح الفتوح وهي الأرضون والكور التي فيها الخراج والفيء..

فتح العراق كله السواد والجبال، وأذربيجان، وكور البصرة وأرضها، وكور الأهواز، وفارس..

وكور الشام ما خلا أجنادين فإنها فتحت في خلافة أبي بكر الصديق رحمه الله..

وفتح عمر كور الجزيرة، والموصل، ومصر، والإسكندرية..

وهو أول من وضع الخراج على الأرضين..

والجزية على جماجم أهل الذمة فيما فتح من البلدان..

فوضع على الغني 48 درهمًا، وعلى الوسط 24 درهمًا، وعلى الفقير 12 درهمًا..

وقال: لا يعوز رجلاً منهم درهم في شهر..

فبلغ خراج السواد والجبل على عهد عمر رحمه الله مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم ودانقين ونصف.

وهو أول من مصّر الأمصار: الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، والموصل وأنزلها العرب..

وخَطَّ الكوفة والبصرة خططًا للقبائل.

وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار.

وهو أول من كتب الناس على قبائلهم، وفرض لهم الأعطية من الفيء، وقسم القسوم في الناس..

وفرض لأهل بدر وفضّلهم على غيرهم..

وفرض للمسلمين على أقدارهم وتقدمهم في الإسلام.

وهو أول من حمل الطعام في السفن من مصر في البحر حتى ورد البحر..

ثم حمل من الجار إلى المدينة"

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   26.09.14 11:47

عمر رضي الله عنه المؤسس


عندما يُذكر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يتحدث الناس عن إسلامه الذي كان فتحًا..

وعن عدله الذي بهر العقول..

وعن تقواه وخشيته وتقشفه في ملبسه ومأكله..

ويذكرون عمر الفاتح الذي فتحت في عهده بلاد الشام بأكملها والعراق وفارس وخراسان ومصر..

ويذكرون عمر المجتهد الفقيه..

وقد وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبقرية فقال..."لم أرَ عبقريًا يفري فريه"

ووصفه بأنه مُحَّدث (ملهم)..

ولن نتحدث عن شخصية عمر الذي يداوي إبل الصدقة بيده..

ويمشي في السوق وحده..

ومع ذلك يصل من هيبته أن القادة الكبار يفرقون منه..

ولكن سنتحدث عن شخصية عمر المؤسس للدول، المخطط للعمران..

وعن اهتماماته الحضارية والاجتماعية والاقتصادية..

وهو جانب قد يغيب عن بعض الناس..

وهو جانب لم يُشتهر به كما اشتهر في الجوانب الأخرى..

وكيف كان يشغله أمور الناس المعاشية..

وكيف كان يفكر فيما يُسمى اليوم (البنية التحتية)..

وهذا الجانب لا أقول تغفل عنه الدول فقط -أو لا تريد تنفيذه-

ولكن تغفل عنه المؤسسات الإسلامية والجمعيات الإسلامية..

فأين هؤلاء من اهتمامه بالنواحي الصحية للمجتمع الإسلامي ..

وقد وسعت سياسته كل ما جَدَّ وكل ما تطلبته حياة الناس.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   26.09.14 11:48

عمر بن الخطاب والقضاء


لا تنتظم أمور الناس إذا لم يكن هناك قضاء مستقل..

وقضاء في أعلى درجات النزاهة والتقوى والعلم والخبرة..

وإن أُولى مقدمات التقدم الحضاري هو أن تقام إدارة للعدل مستقلة عن إدارة الحكم..

ويُقال: "أرني قوانين أمة، أدلك على حظها في الرقي أو الانحطاط "

وقد قام عمر -رضي الله عنه- بفصل القضاء عن إدارة الحكم..

وأقام المحاكم في كل ولاية..

وعين القضاة حسب شروط معينة..

وكان يختار القضاة بعد أن يختبرهم في علمهم وذكائهم..

ورسالته في القضاء إلى الصحابي أبو موسى الأشعري تعتبر وثيقة قضائية بالغة الأهمية، وهذا نصها:

"أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة
فافهم إذا أدلي إليك..
وأنفذ إذا تبين لك.. فإنه لا ينفع حق لا نفاذ له..
آس بين الناس في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك..
البينة على من ادعى واليمين على من أنكر..
والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرّم حلالاً ..
ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، فراجعت فيه نفسك وهُديت لرشدك أن ترجع إلى الحق..
فإن الحق قديم لا يبطله شيء..
ومراجعة الحق خير لك من التمادي في الباطل..
الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك، مما ليس في كتاب ولا في سنة..
واعرف الأشباه والأمثال، ثم قس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أحبها لله، وأشبهها بالحق فيما ترى..
المسلمون عدول في الشهادة بعضهم على بعض..
إلا مجلودًا في حد أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة..
فإن الله قد تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم الشبهات..
وإياكم والقلق والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر للخصوم في مواطن الحق"..

ويستنبط من هذه الرسالة:

1- معاملة الناس جميعًا بالمساواة.

2- يجب أن يحدد تاريخًا معينًا لتقديم الدعوى.

3- إذا لم يحضر المدعي عليه في التاريخ المحدد يمكن أن يحكم في القضية غيابيًا.

4- كل مسلم يصلح للشهادة عدا من وقع عليه عقاب أو ثبت كذبه في الشهادات.


ولم يكتفِ عمر بهذا..

بل كان يكتب الفتاوى المتعلقة بالأمور المهمة والشائكة ويرسلها للقضاة بين الحين والآخر..

وقد وضع عمر كثيرًا من القيود لمنع وسائل الدخل غير المشروع..

وقرر الرواتب المناسبة..

ولم يكن يسمح لأي قاض بالبيع والشراء والتجارة ..

وهذه هي القواعد التي تتبعها اليوم الدول المتقدمة بعد عهود من التجربة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   26.09.14 11:51

عمر بن الخطاب والدواوين والاهتمام بالنظام المالي في الإسلام


اتسعت رقعة الدولة زمن عمر -رضي الله عنه- اتساعًا كبيرًا..

وأصبحت الحاجة ملحة لضبط الأمور، وخاصة في النواحي المالية..

ولذلك أُنشئت الدواوين (الوزارات) وهو -رضي الله عنه- أول من دَوّنها..

فكان ديوان (الجند)

وديوان (الخزانة)

وديوان العطاء (التأمينات الاجتماعية).

وبعد فتح العراق واجه مشكلة تقسيم الأرض، فقد طلب الفاتحون أن تقسم الأرض بينهم..

وعارضهم في هذا الرأي..

وكان -رضي الله عنه- يتوخى الحذر في القضايا الكبيرة الاجتهادية..

فكان لا يفصل في قضية دون أخذ رأي الصحابة..

ويظل ثلاثة أيام يشاور الصحابة..

وقد أيده في رأيه علي وعثمان وزعماء الأنصار..

وعارضه عبد الرحمن بن عوف وبلال..

وكان رأي عمر أنّ الأرض إذا وزعت على الفاتحين ..
فمن أين ستأتي بعدئذ نفقات الدولة ونفقات الجهاد والدفاع عن البلاد..
ومَنْ للذرية بعدئذ...

واستشهد عمر بالآيات من سورة الحشر

(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ
وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا
وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)

فقد استنبط عمر من هذه الآية أن الأجيال المسلمة القادمة لها الحق في الأراضي المفتوحة..

وهكذا استقر الرأي على بقاء الأرض بأيدي أصحابها ويدفعون الخراج عنها.

إن ترك المال بأيدي الناس ليعملوا أو يربحوا، وتزداد أموالهم هو الرأي الصحيح في قضايا المال..

وهو يدل على عمق فهم عمر لمصلحة الأمة، وعمق نظرته المستقبلية..

وهذا ما أدركته أوروبا في العصور الحديثة..

ولم يكتفِ -رضي الله عنه- بهذه النظرة لمستقبل الأجيال، بل أمر بمسح (جرد) أرض العراق..

حتى يكون كل شيء محسوب بدقة..

ولا يظلم الذين يعملون في الأرض..

ولم يكن مسح الأرض من الفنون التي تعرفها العرب ..

واختار رجلين من الصحابة لهذه المهمة: عثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان..

وكانت لهما خبرة في هذا المجال..

بل يذكر الإمام أبو يوسف في كتابه (الخراج ) أن عثمان بن حنيف كان يقيس بدقة ..

كما لو كان يقيس الأقمشة النفيسة.

وخوفًا من أن تُحمِّل الأرض خراجًا لا تطيقه فقد استدعى هذين الصحابيين ليسألهما..

كما روى البخاري عن عمرو بن ميمون قال:

"رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف فقال: "كيف فعلتما، أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقة، وما فيها كبير فضل، فقال عمر: لئن سلمني الله تعالى لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحد بعدي".

ومن الأمور الغريبة أنه بالرغم من أن عمر حدد الخراج في يسر وسهولة..

لكن مقدار الخراج الذي جبي في عهده لم يجب مثله فيما بعد..

وذلك للعدل الذي كان ولرفقه بالرعية..

وتحت نظام الخراج قضى عمر على نظام الإقطاع الروماني المنتشر في بلاد الشام..

وأقام نظامًا للإنصاف مع البلاد المفتوحة لا يوجد له مثيل في أي بقعة من الأرض.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   26.09.14 11:54

عمر بن الخطاب وديوان العطاء


قرر عمر -رضي الله عنه- لكل مسلم مخصصات مالية مستمرة..

سواء أكان رجلاً أم امرأة، كبيرًا أم صغيرًا (حتى للطفل الرضيع) ..

كما شملت هذه التأمينات الفقراء من غير المسلمين..

وعندما بدأ بتسجيل أسماء الناس قال: بمن نبدأ؟

قال له عبد الرحمن بن عوف: ابدأ بنفسك

قال: لا، بل نبدأ ببني هاشم وبني المطلب ..

وفرض للعباس ثم لعلي رضي الله عنهما..

ثم الأقرب فالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم..

ثم قدم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكان لهم أعلى المخصصات..

ثم أهل بدر..

ثم الذين بعدهم..

وعندما قرر راتبًا لأسامة بن زيد أكبر من راتب ابنه عبد الله قال عبد الله: أسامة ليس أفضل مني..

قال عمر: ولكن أسامة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك..!

وفرض لكل مولود مئة درهم، فإذا ترعرع مائتي درهم، فإذا بلغ رشده زاد له في العطاء..

ويقول: "والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال"

وهذا هو الحق، وهذا هو الفقه لرسالة الإسلام..

فالفرد في الدولة الإسلامية له الحق في المأوى والمأكل والملبس..

ولا يجوز أن يعيش إنسان بين المسلمين ويموت جوعًا.

إن هذه الرواتب هي الحد الأدنى لكل إنسان..

ولا يجهل عمر -رضي الله عنه- أن لا تكون هذه العطايا مدعاة للكسل وترك العمل..

وعندما كتب الإمام الماوردي عن مهمة المحتسب في الإسلام قال: "وهي تنبيه القادرين على كسب عيشهم وتأديبهم إذا كانوا يأخذون الصدقات وهم قادرون على العمل واستدل بفعل عمر قال: وقد فعل عمر ذلك بقوم من أهل الصدقة".

فمن أين لعمر -رضي الله عنه- هذه الثقة في أن يأتي الراعي في صنعاء نصيبه من هذا المال؟

إنه من العدل ومن تنظيم بيت المال..

وقد وضع القرآن الكريم والسنة النبوية أصول النظام المالي وأعطاه صفته التفصيلية عمر بن الخطاب..

وقد استفاد أيضًا من تنظيمات البلاد المفتوحة.

وعندما ورد على المدينة أموال عظيمة من الخراج لم يكن هناك مكان معين لبيت المال..

كان المال يوزع على المسلمين في وقته..

ولكن عندما كثر المال شاور عمر الصحابة..

فكان رأي علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن يقسم المال في نفس السنة..

ولا يوضع شيء منه في الخزانة..

وخالفه في ذلك عثمان -رضي الله عنه-..

وقال الوليد بن هشام: لقد رأيت عند ملوك الشام إدارتين منفصلتين إدارة الحكومة وإدارة الخزانة..

واستحسن عمر هذا الرأي وأسس بيتًا للمال..

وأقام أول خزانة كبيرة في دار الخلافة..

وعين عبد الله بن الأرقم (صاحب بيت المال) وأمر ببنية قوية لبيت المال في الكوفة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   26.09.14 11:56

عمر بن الخطاب والاهتمام بالزراعة وشق الأنهار وتمهيد الطرق


أولى عمر اهتمامًا كبيرًا بتطوير الزراعة واستصلاح الأراضي..

وأصدر بهذا الشأن حكمًا عامًا بأن من يصلح الأراضي البور أينما وجدت في جميع أنحاء الدولة..

فإن ملكيتها تؤول له..

وإذا لم يصلحها في غضون ثلاث سنوات تسترد منه..

فإن الزراعة كما يقول علماء الاقتصاد في العصر الحديث هي أساس الاقتصاد وأساس الصناعة ..

وعلى هذا الأساس، فالأرض هي الوسيلة المأمونة كما يقول اليوم الاقتصاديون ..

الذين يدرسون مشاكل العالم الثالث لضمان (إقلاع) مجتمع ما من مرحلة أولية إلى مرحلة ثانوية..

وإن اهتمام عمر بالزراعة والأرض جعله يهتم أيضًا بإدارة الري..

مثل إقامة السدود وبناء القناطر لتوزيع المياه وشق فروع للأنهار..

وقد استأذن جزء بن معاوية عمر ليحفر أنهارًا كثيرة في مراكز الأهواز وخوزستان..

لاستصلاح كثير من الأراضي غير الصالحة للزارعة.

ومن اهتماماته -رضي الله عنه- ما يسمى اليوم بـ(المنافع العمومية) أو البنية التحتية والحالة المعيشية للناس..

ولهذا أمر بشق الأنهار التي توصل الماء إلى المدن مثل نهر أبو موسى..

وكان طوله 9 أميال..

وكان سبب ذلك أن الأحنف بن قيس اشتكى إلى عمر ملوحة أرض البصرة ..

فيضطر الناس لإحضار الماء من مسافة 6 أميال..

فأمر عمر أمير البصرة أبو موسى الأشعري بأن يحتفر نهرًا لأهل البصرة يتفرع عن نهر دجلة...

وحفر في دجلة أيضًا نهر معقل الذي يضرب به المثل ..

وكلف بمهمة إعداده الصحابي معقل بن يسار..

لكن أعظم الأنهار وأكبرها فائدة ذاك الذي أمر به عمر أيضًا ..

والذي اشتهر باسم خليج أمير المؤمنين ..

وهو قناة تصل ما بين نهر النيل والبحر الأحمر...!

وكانت بداية هذه القناة في الفسطاط، ثم إلى بلبيس، ثم إلى البحر الأحمر..

وقد أنجز المشروع في8 أشهر..!

فكانت السفن تنقل المؤن والبضائع من مصر إلى المدينة بيسر وسهولة..

وبقى هذا المشروع ثم أهمل بعد القرن الأول من الهجرة.

أما إصلاح الطرق وتمهيدها، وهو شيء أساسي في (البنية التحتية) ..

فقد اهتم به عمر اهتمامًا بالغًا ..

وهو الذي يقول (لو أن شاة عثرت في شط الفرات، لخشيت أن أسأل عنها)

وهذا شيء لم يسمع به في أي حضارة من الحضارات السابقة..

لأن تمهيد الطرق هو الذي يؤدي إلى الاتصال السهل بين المدن والقرى والبادية..

ويساعد على انتعاش الزراعة والصناعة..

كما هو الحال في أوروبا اليوم..

كما بنى عمر استراحات بين المدينة ومكة للمعتمرين والحجاج، واتخذ في كل مدينة دارًا للضيافة.

إن نظرة عمر رضي الله عنه للمال واهتمامه بشئون الناس المعاشية واهتمامه بالطرق والقنوات المائية..

وكذلك اهتمامه بتنظيم (النقد) وضبط المعاملات بها..

وضمان تنفيذ العقود وحرية الناس التجارية من خلال القضاء المستقل..

إنما يعطي مثالاً واضحًا لدور الدولة في الإسلام التي لا تتدخل في شؤون الناس المعاشية ..

أو تشاركهم في أموالهم ومشاريعهم..

وإنما هي الحماية ونشر الأمن..

وضبط السوق حتى لا يقع الاحتكار أو أي نوع من الاعتداء على الممتلكات.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   26.09.14 11:58

بناء المدن


يقال :إن الحضارة الإسلامية هي حضارة مدن..

فقد بنى خلال هذه الحضارة مئات المدن، ما يزال كثير منها موجود حتى الآن..

وقد بدأ هذا الاتجاه الحضاري عمر بن الخطاب ..

وذلك حين قدمت إليه الوفود بعد فتح جلولاء وحلوان فلم تعجبه هيئاتهم وأجسامهم..

فقال لهم: ما الذي غيركم؟

قالوا: وخومة البلاد..

فكتب إلى سعد بن أبي وقاص: أن ابعث سلمان وحذيفة رائدان ليرتادا منزلاً بريًا بحريًا.

فظفر بالكوفة وأقرهم عمر وأذن لهم في البنيان ولكن على ألا يتطاولون في البنيان..

وقال لهم: الزموا السنة تلزمكم الدولة..!

وطلب من سعد أن يدعو أبا الهياج بن مالك ..

وأمره أن يجعلها مناهج (شوارع) عرض كل منها أربعون ذراعًا..

وأخرى عرض كل منها ثلاثون ذراعًا..

وأخرى عرض كل منها عشرون ذراعًا لا تضيق عن ذلك شيئًا.

ثم بنيت البصرة وفي مصر بنيت الفسطاط والجيزة..

ولذلك يلقب -رضي الله عنه- أنه (أبو المدن) ..

وهو لا يكتفي بالإذن بالبناء..

بل يخطط لهم موقع المدينة المناسب (ليس بينه وبينهم ما يمنع الوصول إليهم) ومقدار اتساع شوارعها..

وينهاهم عن التطاول في البناء حتى يبقى المسلمون في حالة وسط..

ولا ينتقلون إلى حالة الرفه والإسراف..

وإذا وقع ذلك فعندئذ تذهب عنهم الدولة..

ويروى أن عمرو بن العاص أمير مصر اتخذ منبرًا مرتفعًا..

فكتب إليه عمر: بلغني أنك اتخذت منبرًا ترقى به على رقاب المسلمين
أو ما بحسبك أن تقوم قائمًا، فعزمت عليك لما كسرته..

وبنى خارجة بن حذافة غرفة (فوق البناء الأرضي) ..

فكتب عمر إلى عمرو بن العاص: فقد بلغني أن خارجة بنى غرفة، وقد أراد خارجة أن يطلع على عورات جيرانه فإذا أتاك كتابي هذا فاهدمها إن شاء الله..

إنها عبقرية عمر في النظرة للمستقبل وما سيؤول إليه أمر المسلمين ..

حين يقعون في الترف المهلك، وفي تبديد الأموال على البناء والزخرفة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
 
بين الفــاروق والمهــدي .. !
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 4انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عباد الرحمن الإسلامي الاجتماعي :: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّـهِ :: الملاحم والفتن والنبؤات-
انتقل الى: