منتدى عباد الرحمن الإسلامي الاجتماعي

لتوعية المسلمين بشؤون دينهم ودنياهم ونبذ التحزب والتمذهب والطائفية ولإنشاء مجتمع متوحد على ملة أبينا إبراهيم وسنة سيدنا محمد (عليهم الصلاة والسلام)
 
الرئيسيةاليوميةالتسجيلدخول
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا * فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا * أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
الموسوعة الحديثية http://www.dorar.net/enc/hadith
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ http://tanzil.net
إِنَّ هُدَى اللَّـهِ هُوَ الْهُدَىٰ
قال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع (الا أخبركم بالمؤمن: من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده ، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)
شاطر | 
 

 بين الفــاروق والمهــدي .. !

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3, 4  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: بين الفــاروق والمهــدي .. !   03.09.14 23:59

لماذا عمر بن الخطاب هو ثاني الخلفاء الراشدين؟


لا أدري كيف يكون الحديث عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ..

فهو أعلى من الكلمات..

وأجل من العبارات..

وهو أكبر من هذا كله.

ومختصر ذلك كله في حديث ..

فلما سأل عمر عن "الفتنة التي تموج كما يموج البحر"..
قال له حذيفة بن اليمان "ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين..
إن بينك وبينها بابًا مغلقًا"
قال عمر : أيُكسر أم يُفتح؟
قال حذيفة : يُكسر..
قال عمر : إذًا لا يُغلق أبدًا"..


ولما سُئل حذيفة عن هذا الباب... قال: "الباب عمر".

نعم كان عمر بن الخطاب بابًا مغلقا بين الأمة وبين الفتن..

فهو يملك نفسًا فريدة في كل شيء..

تجمع بين الخلافة وبين التراحم ..

بين إدارة بيت المال والزهد في الدنيا..

بين قيادة الجيوش ودموع العابدين..

في تناغم واضح لا يتجاوز هذا على ذاك..

فمن يقدر على هذا مثل عمر؟

هو صاحب النفس الطموحة والعقلية الفذة الراشدة..

التي عاشت العدل سلوكًا وسيرة..

فنظر إلى الأمة من حوله...

فأقام فيها العدل..

ثم رأى أن هذا ليس كافيًا..

وأنّ للأجيال التالية حقا عليه..

فلم يهمل المستقبل..

ولم يترك دولته مكبلة بالديون..

ولا أورثهم أرضًا محروقة..

وإنما وضع خطة راشدة لكل ولي أمر في النظر للأجيال اللاحقة والعمل لها..

مثلما يعمل للأجيال الموجودة.. سواء بسواء.

وما أروع قول عمر رضي الله عنه: "لولا آخر المسلمين.. ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها..
كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر"

وفي رواية أخرى يقول عمر: "أما والذي نفسي بيده.. لولا أن أتركَ آخر الناس بَبَّانًا ليس لهم شيءٌ..
ما فُتِحَتْ عَلَيَّ قريةٌ إلا قسمتُها كما قَسَمَ النبي صلى الله عليه وسلم خيبرَ..
ولكني أترُكُها خِزَانةً لهم يقتسمونها"

قال ابن الأثير: "لأنه إذا قسم البلاد المفتوحة على الغانمين بقي من لم يحضر الغنيمة ..
ومن يجئ بعدُ من المسلمين بغير شيء منها... فلذلك تركها لتكون بينهم جميعهم".

لقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر على الناس..

إذْ كان عدد المسلمين آنذاك محدودًا..

وكانت الفتوحات تتوالى..

ولا يزال الإسلام بحاجة لتأليف قلوب الناس..

لكن تغير الحال زمن عمر..

فاتسعت رقعة الدولة جدا..

وقويت شوكة الإسلام..

ولم يعد الناس بحاجة لتأليف..

فاستقرّت الدولة من داخلها..

فنظر عمر حينئذ للأجيال اللاحقة ولم يحرمها من عدله وتفكيره..

وأراد أن يضمن لها حياة كريمة..

وأن يسلمها راية مرفوعة عزيزة قوية غير مكبلة بالديون الخارجية أو الداخلية.

ولم تكن تقنعه أنصاف الحلول.. وانظر إليه يقول: "لئن سلمني الله..
لأدعنّ أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدًا"..

فهو يفكر في حلول نهائية دائمة وليست مجرد مسكنات وقتية..

ويضع الحلول الكبيرة ويثق في أن الله معينه على تنفيذها..

كيف لا وهو راوي حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..

«لو أنّكم توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصًا، وتروح بطانًا»

وهذه العقلية الفذة والإيمان العميق بحقوق الإنسان الموجود..

وحق الأجيال اللاحقة..

هو ما جعل خطوات الدولة الإسلامية تختلف عن خطوات غيرها من الدول..

ففي الدولة الإسلامية تحدث التغيرات الكبيرة في الأزمنة القليلة..

وقد غيّرت وجه الدنيا في سنوات معدودة..

ولك أن تتخيل أن هذا الاتساع الهائل في الدولة الإسلامية زمن عمر..

وهذا الميراث العظيم من العدل والإدارة قد صنعه عمر في 10 سنوات هي مدة توليه الخلافة..

وستعجب أكثر عندما يتولى أحد أحفاده الخلافة وهو عمر بن عبد العزيز..

فتمتلئ خزائن الدولة.. ويفيض المال.

إنَّ حياة الفاروق عمر بن الخطاب صفحة مُشْرقة من التاريخ الإسلامي..

الذي بهر كل تاريخ وفَاقَه..

إن حياة الفاروق عمر إنما هي قدوة للدعاة والعلماء والساسة ورجال الفكر..

وقادة الجيوش وحكام الأمة وطلاب العلم وعامة الناس...

لعلهم يستفيدون بها في حياتهم..

ويقتدون بها في أعمالهم..

فيكرمهم الله بالفوز في الدارَيْن..

صاحبنا اليوم كما قيل عنه..

كان طويلاً جسيمًا أصلع صلعة عرف بها..

فكان يقال له: أصلع قريش أو الأصيلع...

شديد الحمرة..

كان يَفْرَع الناسَ طولاً كأنَّه على دابة...

ويصفه ابنه عبد الله فيقول: كان أبي أبيض لا يتزوج النساء لشهوة إلا لطلب الولد..
أعسر يعمل بكلتا يديه... كأنَّه من رجال بني سَدُوس..


إنّ حياة عمر بن الخطاب تُمثل نموذجًا في غاية الروعة لمن يريد أن يصنع مَجدا..

أو يحقق هدفا..

أو يغيّر من حياته إلى الأحسن..

ونحن إذ نعيش دقائق من حياتنا مع هذا العملاق العظيم ..

يجدر بنا أن نضع نصب أعيينا هدفا واضحا نحاول تحقيقه..

بل وننتقل من حياة الترف والبذخ والتنافس في الدون..

إلى حياة الجد والاجتهاد والتسابق إلى النعيم الدائم والعيش الرغد..


(فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   07.09.14 15:36

شخص عمر بن الخطاب


عمر بن الخطاب في عداد أشراف مكة نسبًا.. ومن أرفعها قدرًا..

وأعلاها منزلة..

فهو عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي.

وكان يقال لهاشم جد عمر: ذو الرمحين.

أما مولده ..

فقد ولد في السنة 13 من ميلاد الرسول (صلى الله عليه وسلم) بمكة..

وذلك بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة.

ولقد كان عمر يدافع عن كل ما أَلِفته قريش من عادات وعبادات ونظم حينما كان في الجاهلية..

وكانت له طبيعة مخلصة تجعله يتفانى في الدفاع عما يؤمن به..

وبهذه الطبيعة ...قاوم عمر الإسلام في اللحظات الأولى..

ووقف بالمرصاد أمام الدعوة في بدايتها..

وخشي عمر أن يهز هذا الدين النظام المكي الذي استقر..

والذي يجعل لمكة بين العرب مكانة..

ولقد ظل عمر يضرب جارية أسلمت حتى عيت يده.. ووقع السوط منه..

ومر أبو بكر فرآه يعذب الجارية فاشتراها منه وأعتقها...

ومع ذلك كان رجلاً بليغًا حصيفًا..

قويًّا..

حليمًا..

شريفًا..

قوي الحجة..واضح البيان..

مما أهّلهُ لأن يكون سفيرًا لقريش...

ومفاخرًا ومنافرًا لها مع القبائل..

قال ابن الجوزي: كانت السفارة إلى عمر بن الخطاب.. إن وقعت حرب بين قريش وغيرهم بعثوه سفيرًا.. أو نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر... بعثوه منافرًا ومفاخرًا... ورضوا به متحدثًا بلسانهم وهم أفصح الناس..
وسفيرًا لهم وهم أعرق الناس نسبًا وأعظمهم جاهًا.

ومن الصفات الإيجابية البارزة لدى عمر بن الخطاب صفة القيادة..

وما زال الإسلام ينمي فيه هذه الصفة ويؤكد عليها ..

إلى أن وصل بعمر أن يكون يومًا ما أميرًا للمؤمنين..

وخليفة للصديق أبي بكر رضي الله عنهما.

وقد استفاد الإسلام أيضًا من صفة الشدة عند عمر ...

وجعلها بمثابة الدرع الواقي الذي يحمي هيبة الإسلام ..

أمام من تُسول له نفسه المساس بقدسية هذا الصرح العظيم -الإسلام- ..

ففي كثير من المواقف نجد الفاروق يشهر سيفه قائلاً: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله.

لقد عاش عمر في الجاهلية وعرف حقيقتها وتقاليدها وأعرافها،..

ودافع عنها بكل ما يملك من قوة..

ولذلك عندما دخل الإسلام عرف جماله وحقيقته وتيقن الفرق الهائل بين الحق والباطل..

لذلك قال قولته المشهورة: "إِنَّمَا تُنْقَصُ عُرَى الإِسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إِذَا نَشَأَ فِي الإِسْلامِ مَنْ لا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ".

وهذه هي شهادة الفاروق عمر بن الخطاب عن الإسلام وعزته: "إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلامِ".

ورغم السيادة التي كان فيها عمر في جاهليته من قيامه بأمر السفارة في قريش..

ومكانته المرموقة بين القوم..

إلا أنه أدرك بعد إسلامه البون الشاسع بين من يؤمن بالله ...

وبين من يعبد الأحجار والأوثان والأنصاب والأزلام التي لا تنفع ولا تضر.

وكان عمر يخاف من ربه خوفًا صادقًا..

وهذا هو الخوف الإيجابي الذي يعين المرء على المزيد من طاعة الله..

فليس الخائف من يبكي وتسيل دموعه... ثم يمضي قدمًا في معاصي الله...

وإنما الخائف هو من يترك معصية الله خوفًا منه.

فماذا عساه أن يكون عمر ...لو لم يدخل في هذا الدين العظيم ؟!

أليس كان سيمحى من ذاكرة التاريخ والإنسانية ويتساوى مع أساطين الكفر..

وأئمة الضلالة كأبي جهل بن هشام وأُبي بن خلف وأبي لهب بن عبد المطلب وعتبة بن ربيعة ؟!!

لكنه بإسلامه سطر اسمه في سجل العظماء ..

الذين نصروا الله في كل المواطن التي شهدوها..

وهكذا ينصر الحق تبارك وتعالى من يقوم بنصره..

ومن يتحمل المتاعب من أجل الدعوة ومن أجل الدفاع عن الحق.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   07.09.14 15:39

لماذا لم يتول عمر الخلافة قبل أبي بكر مع قوته وعلمه؟

من تلك الأسباب .. هو أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اثناء مرضه ..

أن يصلي أبا بكر بالناس .. وليس عمر ..

ومنها ..

تروي عائشة رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فِي مَرَضِهِ: "ادْعِ لِي أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاك، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ".

ففي الحديث إخبار من رسول الله ..

على أن المسلمين لا يرضون بغير أبي بكر خليفة لهم.

ومنها..

يروي عمرو بن العاص فيقول: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلاسِلِ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَبُّ النِّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ الرَّسُولُ : "عَائِشَةُ". قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ : "أَبُوهَا". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ : "عُمَرُ". فَعَدَّ رِجَالاً، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ.

وفي هذا الحديث نرى مكانة أبي بكر وابنته عائشة ...

وبيان فضل عمر إذ تأتي منزلته بعد منزلة الصديق جميعًا.

ومنها ..

دعوة الرسول للأمة أن تقتدي بالصديق..

وإن شاركه عمر بن الخطاب إلا أنه ذكر بعده..

فقد ذُكر أبو بكر أولاً لفضله وعلمه.

يروي حذيفة بن اليمان أن رسول الله قال: "اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ".

وفي رواية أخرى: "إِنِّي لا أَدْرِي كَمْ قَدْرُ بَقَائِي فِيكُمْ فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ".

ومنها..

روى عن النبي أنه قال: "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي وُزِنْتُ بِأُمَّتِي فَرَجَحْتُ، ثُمَّ وُزِنَ أَبُو بَكْرٍ فَرَجَحَ، ثُمَّ وُزِنَ عُمَرُ فَرَجَحَ".

وفي هذا بيان واضح في فضله على عمر.

وقال عمر : "مَا سَابَقْتُ أَبَا بَكْرٍ إِلَى خَيْرٍ قَطُّ إِلاَّ سَبَقَنِي إِلَيْهِ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي شَعَرَةٌ فِي صَدْرِ أَبِي بَكْرٍ".

أما مكانة عمر بن الخطاب في الآخرة :

روى البخاري بسنده أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، قُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَبَكَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغَارُ

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   07.09.14 15:40

دعاء النبي لعمر بن الخطاب


روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال..

"اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ، بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ...
فَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ عُمَرُ"

لماذا أحد هذين الرجلين؟

كان أهل الإسلام يجتمعون في بدء الإسلام سرًّا... في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي..

لقلة عددهم وشدة قريش عليهم.

وكان ممن عرف بالشدة على المسلمين عمر بن الخطاب وأبو جهل..

وكان لهما من المكانة الشيء الكبير..

وفي هذا الوقت كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يتوقع خيرًا للإسلام والمسلمين..

بإسلام أحد هذين الرجلين.

أما عمر بن الخطاب... فكان من أشراف قريش..

لا من الأشراف اللاهين العابثين تفاهة وانغماسًا في الملذات..

فما كانت أيام شبابه لهوًا وعبثًا..

لكن كان يأخذ نفسه بمعالي الأمور ويدع سفاسفها..

لا يرضى الدنية..

وقد عرفت قريش عنه كل ما يشرفها..

ويجعله في الصدارة مع إخوانه ..

فأعطته المكانة التي شرفت بتقلده إياها..

ولعل أبا جهل كان يتصف بصفات عديدة من قوةِ جسدٍ وثروة كبيرة وعائلة عريقة...

غير أن كليهما يشترك في صفة عزيزة الوجود في الرجال...

في حين كان الإسلام في حاجة شديدة إليها.. ألا وهي صفة القيادة..

ولعل هذا كان سر دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يعز الله الإسلام بأحدهما.

وقد استجاب الحق تبارك وتعالى لتلك الدعوة النبوية...

فقر الإسلام بالفاروق، وعز به أهل الإسلام.

ولقد بلغ عمر أوجًا شاهقًا في محراب الإيمان والتقوى والتبتل والتخشع..

حتى إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليرى رؤيا عجيبة ورؤيا الأنبياء حق فيقول..

"بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهُمْ مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمْرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ". قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الدِّينُ".

وروى البخاري بسنده عمن سمع أبا هريرة قال سمعت النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول:

"بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَن"

ومعنى الكلمات..

استحالت غربًا: تحولت إلى دلو كبيرة كناية عن قوة أخذه وعمله..

ضرب الناس بعطن: أي رووا ورويت إبلهم فأقامت على الماء.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   08.09.14 2:32

بعد وفاة الصديق


حينما تولَّى عمر بن الخطاب إمارة المسلمين بعد موت أبي بكر ..

وقد مات أبي بكر بين المغرب والعشاء..

ذهب فدفنه بعد العشاء بجوار رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

ثم نادى في منتصف الليل: "الصلاةُ جامعة"..

فَجَمَعَ أهلَ المدينة وندب الناس للخروج مع "المثنى"...!

ومن العجيب أن أحدًا لم يستجب لنداء عمر بن الخطاب ..

وكان هذا شيئًا غريبًا على أهل المدينة ألا يستجيبوا لنداء الجهاد في سبيل الله..

ولم يكن عمر بن الخطاب متوقعًا لهذا الأمر على الإطلاق...

فانتظر حتى صلاة الفجر وأَمَّ الناس في صلاة الفجر..

وبايعه الناس على الإمارة..

وأصبح هو أمير المؤمنين بعد هذه المبايعة من الناس..

فندب الناس للقيام بفتح فارس..

ولم يستجب أحدٌ أيضًا..!

وظل يدعو الناس بعد كل صلاة مدة 3 أيَّام... ولم يستجب لندائه أحد!!

وكان هذا شيئًا غريبًا وعجيبًا..

ولكن ما نستطيع أن نفسِّر به هذا الموقف من المسلمين عدة أمور:

أولاً

لم يكن موجودٌ بالمدينة 50 ألفًا من خيرة أهلها..

فقد خرج 30 ألفًا لحرب الروم..

و20 ألفًا لحرب العراق..

ومن كان موجودًا -بلا شك- أقل درجة ممن ذهب للجهاد..

خاصة أن من خرج إنما خرج تطوعًا ولم يخرج مجبرًا..

كما في وصية أبا بكر لخالد بن الوليد في حينه..

ثانيًا

ربما لم يستجب الناس حزنًا لوفاة الصدّيق ..

فقد كانت المصيبة عظيمة..

ولا شك أن مصيبة وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) كانت أعظم على المسلمين..

ثالثًا

كان تولِّي عمر بن الخطاب -مع شدته- قد أدخل المسلمين في حالة ترقب وخوف...

ولم يعرف المسلمون ما سيفعل...

حتى إن طلحة بن عبيد الله دخل على أبي بكر الصديق يوما وقال له: يا خليفة رسول الله، استخلفت عمر على المؤمنين وأنت ملاقٍ ربك، وأنت تعلم ما به من الشدة وأنت معه، فكيف إذا خلَّيْتَ بينه وبينهم؟!

وكان أبو بكر مضطجعًا... فقال: أجلسوني.

فأجلسوه..

فيمسك بطلحة ويقول له: أباللهِ تخوفني! واللهِ إن سألني ربي عن عمر لقلت له: استخلفتُ خير أهلك على أهلك...

فهذه الأمور جعلت الناس تتردد في أمر الخروج مع المثنى بن حارثة ..

وكما نرى فالموقف كان صعبا جدا..

وكلما ندب عمر بن الخطاب الناس لم يقمْ أحد..

فقام المثنى بن حارثة في اليوم الرابع وخطب خطبة عظيمة في أهل المدينة وما حولها ..

حيث جاء الناس لمبايعة عمر بن الخطاب على الإمرة..

فقال المثنى .. يا أهل الاسلام مما تخافون! لقد ملَّكنا الله رقاب أهل فارس..
والله لقد تبحبحنا في ريفهم، وجرَّأنا الله عليهم، وكانت لنا الغلبة عليهم.

ومع هذا لم يقم أحد...!

فقام عمر بن الخطاب وقال: أين المهاجرون لموعود الله؟ لقد وعدكم الله أن يورثكم الأرض..
فأين المهاجرون إلى ميراث الأرض؟! أين عباد الله الصالحون؟..

وبكى عمر ..

فصاح رجل من المسلمين: أنا لها...!

جلٌ واحد بعد كل هذه الصيحات المؤمنة من عمر !

كان هذا الرجل هو أبو عبيد بن مسعود الثقفي من قبيلة ثقيف..

وهي احدى القرى التي ثبتت بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

ثم قام رجل آخرمن الانصار ومن الصحابة يُسمَّى سعد بن عبيد، وقال: أنا لها يا عمر...

ثم قام رجل ثالث صحابي شهد المشاهد مع النبي وهو سليط بن قيس ..

وانتظر المسلمون مدة دون أن يقوم أحد غير هؤلاء الثلاثة..

ثم تحركت النفوس وأوقع الله الإيمان في القلوب..

فقام من المسلمين الكثير حتى وصل تعدادهم إلى 1000 ..

منهم 300 من قبيلة ثقيف...

والباقي من أهل المدينة ممن شهدوا بدرًا... وشهدوا المشاهد مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

بعدما قام هؤلاء الألف كانت هناك مشكلة جديدة أمام عمر بن الخطاب ..

وهي اختيار القائد لهؤلاء الألف من الجنود...

ويشير عليه الصحابة بأن يختار رجلاً ممن له صحبة من السابقين..

فقال: لا والله، أندبهم للقاء فلا يخرجون، وعندما تأتي الإمرة أضعهم...

ووضع أبا عبيد بن مسعود على رأس الجيش... وهو أول من لبى النداء...

وفي الحقيقة كان هذا الاختيار من عمر بن الخطاب .. كما يقول الناس .. هفوة لعظيم ..

لأن التاريخ هو من أثبت ذلك ولسنا نحن ...

وكان الاختيار الأَمثل لعمر أن يختار مثلاً المثنى بن حارثة لقيادة الجيوش..

فقد استخلفه خالد بن الوليد على الإمرة ...

وكان أول من بدأ الحروب بفارس بأمر أبي بكر الصديق ..

ثم كانت له الجرأة على أهل فارس وله علم كبير بهم..

كما أن له من الحنكة الحربية والشجاعة والإيمان الكثير..

وإن كان يريد صحابيًّا فالصحابة كثير..

لكن كان الموقف شديدًا على عمر ..

إذ كيف ينادي الناسَ ثلاثة أيام دون أن يخرج أحد..

واختياره لأبا عبيد بن مسعود الثقفي وهو لا تنقصه أبدًا الشجاعة ولا الإيمان...

لكن الحروب ليست شجاعة وإيمانًا فقط..

لكنها تحتاج إلى الحكمة والحنكة والقدرة على التصرف في الأمور في هذه الحروب.

ونادى عمر على سعد بن عبيد وعلى سليط بن قيس.. الثاني والثالث في تلبية النداء..

ويقول لهما: واللهِ لو أنكما سبقتماه لجعلتُكما أمراء؛ فكونا له عون الرأي.

وأرسل إلى أبي عبيد بن مسعود الثقفي ويقول له: والله إني وضعتك في هذا المكان لسبقِكَ، ولو سبقك سليط بن قيس أو سعد بن عبيد لجعلتهما الأمراء؛ فاستمع لرأيهما، ولا تتصرف في أي أمر من الأمور إلا بعد أن تستشير أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..

ثم يقول له: ولا تُفشِينَّ سرًّا، فإنك مالكٌ أمرك ما دام سرُّك في داخلك.

وجعل المثنى بن حارثة تابعًا لأبي عبيد بن مسعود الثقفي..

وهذا الأمر لم يؤثر مطلقًا في تحركات المثنى للإسلام وفي سبيل الله..

فقد كان رجلاً مؤمنًا حقًّا..

واستجاب لرأي عمر ..

وذهب إليه عمر وقال له: اذهب إلى أهلك وانتظر النجدة..

وانطلق المثنى سريعًا نحو الجيش الإسلامي في فارس..

انتظارًا للجيش الذي سيأتي بقيادة أبي عبيد بن مسعود الثقفي من المدينة..

ووصل المثنى مبكرًا للجيش..

وعندما وصل علم أن بوران بنت كسرى تجهِّز الجيوش لحرب المسلمين..

وقد تولَّى رستم إمارة جميع الجيوش الفارسية..

وبدأ المثنى يرتِّب القوات استعدادًا لقدوم أبي عبيد بن مسعود ومن معه مددًا له..

وفي هذه الأثناء يعلم المثنى -بفضل المخابرات الإسلامية الموجودة في المنطقة-

أن رستم قد أرسل مجموعة كبيرة من الأمراء..

إلى أماكن مختلفة على حدود الجيش الإسلامي الموجود في فارس.

وكانت هذه المنطقة على صلح مع المسلمين على أن يدفعوا الجزية..

وقال لهم رستم: إن على كل أمير أن يثور في المنطقة التي هو فيها..
وأول مَن يقوم بالثورة سيكون هو الأمير على جميع الأمراء...

وذلك تشجيعًا لهم على الثورة.

ثم يصل جيش عبيد بن مسعود الثقفي .. ووضع المثنى نفسه تحت إمرة عبيد الثقفي..

وبدأ أبو عبيد بن مسعود ينظم الجيوش لحرب الفرس..

فكانت موقعة النمارق ...

وأتت الجيوش الفارسية بقيادة جابان وهو أول من ثار في المنطقة ..

وتوجه بجيشه مرة أخرى لمقابلة المسلمين بعد أن هُزم في موقعة أُلَّيْس..

واتجه إليه أبو عبيد بن مسعود..

والتقى الجيشان في موقعة شديدة وهي أول موقعة لأبي عبيد بن مسعود في منطقة العراق..

وكانت في 7 من شعبان سنة 13هـ..

وأبلى الجيش الإسلامي وقائدُه أبو عبيد بلاءً حسنًا في هذه الموقعة..

وتم النصر للمسلمين..

وأُسِرَ جابان..

لكنه مكر بأحد المسلمين وخدعه بأنه سيعطيه كذا وكذا إذا أطلقه..

ولم يكن يعرف هذا الرجل أن هذا هو (جابان) أمير فارس في الجيش فأمَّنه..

وعندما علم أبو عبيد أن هذا الرجل هو جابان ..

قال: لا نخون عهدًا أعطاه أحدُ المسلمين.

فأطلق سراحه وكان في يده أن يقتله.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   08.09.14 3:02

موقعة الجسر


بعد أن انتصر المسلمون في معركة النمارق..

انتصروا أيضًا في موقعة السقاطية على (نورسي)..

وكان قد ثار في تلك المنطقة وهو من الفرس أيضًا..

وكان رستم قد أرسله..

لكن أبا عبيد لم يمهله وتوجه إليه وانتصر عليه في 12 من شعبان سنة 13 هـ..

وبعدها بخمسة أيام تقدم أبو عبيد إلى "باقسياثا" بالقرب من بابل وانتصر على الجيوش الفارسية..

ثم انسحب أبو عبيد بن مسعود الثقفي بجيشه إلى الحيرة..

وأخذ يدبر الأمر ويوزع الحاميات.. واتخذ الحيرة مركزًا له.

تعجب رستم كثيرًا وأصابته الحيرة والدهشة مما يحدث..

إذ كيف ينتصر هؤلاء بعد غياب خالد بن الوليد ومعه نصف الجيش؟!

ينتصرون على الفرس في 3 مواقع متتالية في 9 أيام..

فقال رستم: مَنْ أشدُّ الفُرْسِ على العرب؟

فقالوا له: بهمن جاذويه...

وكان أحد كبار قادة الفرس... ولم يشترك في الحروب مع المسلمين حتى هذه اللحظة.

فقال رستم: إذن فهو القائد.

وبذلك أعطى رستم إمرة الجيوش الفارسية لـ "بهمن جاذويه"..

وأخرجه مع جيش كبير يزيد على 70 ألف فارسي..

وأرسل مع هذا الجيش أكثر من 10 أفيال..

ونحن نعرف ما كان يثيره فيل واحد في صفوف المسلمين من فزع وهلع..

لأن الخيول لا تجرؤ على مواجهة الأفيال..

فكانت تحدث ارتباكًا داخل صفوف الجيش المسلم... فما بالنا بعشرة أفيال؟

وأعطى رستم لـ "بهمن جاذويه" أيضًا راية الفرس العظمى وكانت تُسمى "دارفن كابيان"..

وكانت هذه الراية لا تخرج إلا مع الملوك...

لكنه أخرجها معه تشريفًا لهذا الجيش وتشجيعًا له على حرب المسلمين..

وكان كسرى فارس في هذه اللحظة "بوران بنت كسرى" وكانت من أحكم سيدات فارس...

توجّه الجيش الفارسي بهذه الجموع الجرارة لقتال المسلمين..

وعلم أبو عبيد بذلك فتوجه بجيشه إلى منطقة في شمال الحيرة تسمى "قِسّ النَّاطِف"..

وعسكر بجيشه في هذه المنطقة انتظارًا لقدوم جيش الفرس..

وقَدِمَ الفُرسُ، ووقفوا على الجانب الآخر من نهر الفرات..

فالمسلمون على الناحية الغربية، والفرس على الناحية الشرقية بقيادة بهمن جاذويه..

وكان بين الشاطئين جسرٌ عائم أقامه الفرس في هذه الآونة للحرب ..

وكان الفرس مهرة في بناء هذه الجسور..

وأرسل بهمن جاذويه رسولاً إلى الجيش الإسلامي يقول له: إما أن نعبر إليكم، وإما أن تعبروا إلينا.

ونذكر نصيحة عمر إلى أبي عبيد حين قال له: لا تُفشِينَّ لك سرًّا؛ لأنك مالكٌ أمرك حتى يخرج سِرُّك من بين جنبيك، ولا تحدِثَنَّ أمرًا حتى تستشير أصحاب رسول الله...

وأخطأ أبو عبيد الخطأ الأول ...فأخذ يناقش أصحابه ويشاورهم أمام رسول الفرس..وهذا إفشاء للسر..

ولأمور التنظيم الحربي، وأخذته الحميَّة عندما وصلته الرسالة..

وقال: والله لا أتركهم يعبرون ويقولون: إنا جَبُنَّا عن لقائهم.

واجتمع الصحابة على عدم العبور إليهم: وقالوا له:كيف تعبر إليهم وتقطع على نفسك خط الرجعة..
فيكون الفرات من خلفك؟!

وقد كان المسلمون وأهل الجزيرة العربية يجيدون الحرب في الصحراء..

ودائمًا كان المسلمون يجعلون لأنفسهم خط رجعة في الصحراء..

وإذا حدثت هزيمة يستطيع الجيش أن يرجع إلى الصحراء ولا يهلك بكامله..

لكن أبا عبيد أصرَّ على رأيه بالعبور..

وذكّره أصحابه بقول عمر أنِ اسْتشر أصحاب رسول الله..

فقال: والله لا نكون عندهم جبناء..

وهذا كله يحدث أمام رسول الفرس.. !!!!!!!

الذي استغل الفرصة ليثير حميَّة أبي عبيد..، فقال: إنهم يقولون إنكم جبناء ولن تعبروا لنا أبدًا.

فقال أبو عبيد: إذن نعبر إليهم..!!!

وسمع الجنود وأطاعوا ..

وبدأ الجيش الإسلامي يعبر هذا الجسر الضيِّق للوصول للناحية الأخرى التي يوجد بها الجيش الفارسي.

ونلاحظ في هذا الموقف أن الجيش الإسلامي يدخل في منطقة محصورة بين نهر يُسمى النيل ..

وهو نهر صغير وأحد روافد نهر الفرات..

وكلا النهرين يمتلئ بالمياه..

والجيش الفارسي يغلق باقي المنطقة..

فلو دخل المسلمون هذا المكان فليس أمامهم إلا القتال مع الجيش الفارسي..

والفرس يدركون أهمية هذا الموقع جيدًا، فأخلوا مكانًا ضيقًا ليعبر المسلمون إليهم..

ويتكدس الجيش الإسلامي في منطقة صغيرة جدًّا..

ويرى المثنى بن حارثة ذلك ويعيد النصيحة لأبي عبيد قائلاً له: إنما تلقي بنا إلى الهَلَكَة.

ويصرُّ أبو عبيد على رأيه...!

وعبر الجيش الإسلامي بالفعل إلى هذه المنطقة..

وكان مع الفُرْسِ كما ذكرنا عشرة أفيال منها الفيل الأبيض.. وهو أشهر وأعظم أفيال فارس في الحرب..

وتتبعه كل الفيلة إن أقدم أقدموا وإن أحجم أحجموا..

وتقدمت الجيوش الفارسية يتقدمها الفيلة ..

وتراجعت القوات الإسلامية تدريجيًّا أمام الأفيال..

لكن خلفهم نهرين فاضطروا للوقوف انتظارًا لهجوم الفيلة وقتالها..

وكانت شجاعة المسلمين وقوتهم فائقة ودخلوا في القتال..

لكن الخيول بمجرد أن رأت الأفيال فزعت وهربت..

وكانت سببًا في إعاقة إقدام المسلمين على القتال..

وعادت الخيول إلى الوراء وداهمت مشاة المسلمين..

ولم تفلح محاولات المسلمين لإجبار الخيول على الإقدام لعدم تمرُّسها على مواجهة الأفيا..

وفي هذه اللحظة -وبعد أن أخطأ أبو عبيد في إفشاء السر أمام رسول الفرس..

وأخطأ في العبور مخالفًا مشورة أصحاب رسول الله..

وأخطأ باختياره هذا المكان للمعركة..

كان لابد عليه أن ينسحب بجيشه سريعًا من أرض المعركة كما فعل خالد مرة ..

لكن أبا عبيد استقتل وقال: لأقاتلنَّ حتى النهاية.

وإن كانت هذه شجاعة فائقة منه، فإن الحروب كما تقوم على الشجاعة ..

لا بد أن يكون هناك حكمة في التعامل مع الحدث..

وبدأت أفيال الفرس تهاجم المسلمين بضراوة..

وأمر أبو عبيد أن يتخلَّى المسلمون عن الخيول ويحاربوا الفرس جميعًا وهم مشاة..

وفقد المسلمون بذلك سلاح الخيول وأصبحوا جميعًا مشاة أمام قوات فارسية مجهزة بالخيول والأفيال..

واشتد وَطِيسُ الحرب ولم يتوانَ المسلمون عن القتال..

وتقدم أبو عبيد بن مسعود الثقفي وقال: دُلُّوني على مقتل الفيل.

كما قال من قبل المثنى بن حارثة ، فقيل له: يُقتَلُ من خرطومه...

فتقدم ناحية الفيل الأبيض بمفرده..

فقالوا له: يا أبا عبيد، إنما تلقي بنفسك إلى التهلكة وأنت الأمير.

فقال: والله لا أتركه إما يقتلني وإما أقتله.

وتوجه ناحية الفيل وقطع أحزمته التي يُحمل فوقها قائدُ الفيل..

ووقع قائد الفيل وقتله أبو عبيد بن مسعود.. ولكن الفيل لا يزال حيًّا..

وهو مُدَرَّب تدريبًا جيدًا على القتال..

وأخذ أبو عبيد يقاتل هذا الفيل العظيم ..

ويقف الفيل على قدميه الخلفيتين ويرفع قدميه الأماميتين في وجه أبي عبيد..

لكنَّ أبا عبيد لم يتوانَ عن محاربته ومحاولة قتله..

وعندما شَعَر بصعوبة الأمر أوصى من حوله: إن أنا مِتُّ، فإمرة الجيش لفلان ثم لفلان ثم لفلان..

ويعدد أسماء من يخلفونه في قيادة الجيش. وهذا أيضًا من أخطاء أبي عبيد..

لأن أمير الجيش يجب أن يحافظ على نفسه ليس حبًّا في الحياة لكن حرصًا على جيشه وجنده في تلك الظروف..

وليس الأمر شجاعة فحسب..

ولأنه بمقتل الأمير تنهار معنويات الجيش، وتختل الكثير من موازينه...

ومن الأخطاء أيضًا أن أبا عبيد أوصى بإمرة الجيش بعده لسبعة من ثقيف..

منهم ابنه وأخوه والثامن المثنى بن حارثة...!

وكان الأَوْلى أن يكون الأمير بعده مباشرة المثنى أو سليط بن قيس.. كما أوصاه عمر بن الخطاب .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   10.09.14 14:24

استشهاد أبي عبيد وتولِي المثنى


يواصل أبو عبيد قتاله مع الفيل ويحاول قطع خرطومه..

لكن الفيل يعاجله بضربة فيقع على الأرض..

ويهجم عليه الفيل ويدوسه بأقدامه الأماميتين فيمزِّقهُ أشلاءً ...

وكان موقفًا صعبًا على المسلمين حينما يرون قائدهم يُقتَل هذه القتلة البشعة..

ويتولى إمرة الجيش بعده مباشرة أول السبعة ويحمل على الفرس ويستقتل ويقتل..

وكذا الثاني والثالث وهكذا..

وقد قتل في هذه المعركة ثلاثة من أبناء أبي عبيد بن مسعود الثقفي كان أحدهم أميرًا على الجيش..

وقُتِل كذلك أخوه الحكم بن مسعود الثقفي وكان أحد الأمراء على الجيش بعد استشهاد أبي عبيد..

وتأتي الإمرة للمثنى بن حارثة والأمر كما نرى في غاية الصعوبة..

والفرس في شدة هجومهم على المسلمين..

وفي هذه اللحظة يبدأ بعض المسلمين في الفرار عن طريق الجسر إلى الناحية الأخرى من الفرات..

وهذه أول مرة في فتوح فارس يفِرُّ فيها بعض المسلمين من القتال..

لكن يُخطِئ أحد المسلمين خطأً جسيمًا آخر..

فيذهب عبد الله بن مرثد الثقفي ويقطع الجسر بسيفه، ويقول: والله لا يفِرُّ المسلمون من المعركة..
فقاتلوا حتى تموتوا على ما مات عليه أميركم.

ويُسقَطُ في أيدي المسلمين.. ويستأنف الفُرْسُ القتال مع المسلمين..

ويزداد الموقف صعوبة..

ويُؤتَى بالرجل الذي قطع الجسر إلى قائد الجيش المثنى بن حارثة..

فيضربه المثنى.. ويقول له: ماذا فعلت بالمسلمين؟

فقال: إني أردت ألا يفرَّ أحد من المعركة...

فقال المثنى : إن هذا ليس بفرار.

وبدأ المثنى -وفي هدوء يُحسب له- يقود حركة الجيش المسلم المتبقي بعد الهجمات الفارسية القاسية والشديدة..

ويقول لجيشه محمِّسًا لهم: يا عباد الله، إما النصر وإما الجنة.

ثم نادى على المسلمين في الناحية الأخرى أن يصلحوا الجسر ما استطاعوا..

وكان مع المسلمين بعض الفرس الذين كانوا قد أسلموا وكانوا ذوي قدرة على إصلاح الجسور..

فبدءوا يصلحون الجسر من جديد..

وبدأ المثنى يقود إحدى العمليات الصعبة..

وهي عملية انسحاب في هذا المكان الضيِّق أمام القوات الفارسية العنيفة..

فأرسل إلى أشجع المسلمين واستنفرهم ولم يستكرههم،..

وقال: يقف أشجع المسلمين على الجسر لحمايته.

فتقدَّم لحماية الجسر عاصم بن عمرو التميمي وزيد الخيل وقيس بن سليط صحابي رسول الله ..

ولمثنى بن حارثة على رأسهم..

ووقف كل هؤلاء ليقوموا بحماية الجيش أثناء العبور..

ويحموا الجسر لئلا يقطعه أحد من الفرس..

ويقول المثنى بن حارثة للجيش في هدوء غريب: "اعبروا على هيِّنَتِكم ولا تفزعوا؛ فإنا نقف من دونكم..
، والله لا نزايل (لا نترك هذا المكان) حتى يعبر آخرُكم".

ويبدأ المسلمون في الانسحاب واحدًا تلوَ الآخر ويقاتلون حتى آخر لحظة..

وتكسو الدماء كل شيء وتكثر جثث المسلمين ما بين قتيل وغريق في النهرين..

ويكون آخر شهداء المسلمين على الجسر هو سويد بن قيس أحد صحابة النبي..

وآخر من عبر الجسر هو المثنى بن حارثة ..

فقد ظل يقاتل حتى اللحظة الأخيرة ويرجع بظهره والفرس من أمامه..

وبمجرد عبوره الجسر قطعه على الفُرسِ..

ولم يستطع الفرس العبور إلى المسلمين..

وعاد المسلمون أدراجهم ووصلوا إلى الشاطئ الغربي من نهر الفرات قبل غروب الشمس بقليل..

وكما نعرف فالفرس لم يكونوا يقاتلون بالليل؛ لذا تركوا المسلمين..

وكانت فرصة للجيش الإسلامي لكي ينجو منسحبًا إلى عمق الصحراء..

لأنه لو ظل في مكانه لعبر إليه الجيش الفارسي في الصباح وقضى على من تبقى منه.

في هذا الوقت كان قد فَرَّ من المسلمين 2000 ..ومنهم من قد وصل في فراره إلى المدينة..

واستُشهِد من المسلمين في هذه الموقعة 4000 شهيد.. بعد أن كانوا 8000 مقاتل بالمجموع..

ولولا فضل الله تعالى ثم تولية المثنى بن حارثة الأمر..

ما كان لمن نجا أن ينجو من هذه المصيدة المحكمة التي أعدها الفرس للمسلمين..

وصحيح أن أبو عبيد بن مسعود (رحمه الله) هو رجل تملؤه الشجاعة والإيمان والإقدام..

وهو أول من استُنفِرَ فخرج للجهاد وفي وجود الكثير من الصحابة ..

وأُمِّرَ على الجيش..

ودخل الحروب في منتهى الشجاعة ولم تأخذه في الله لومةُ لائمٍ..

وتقدم لمهاجمة الفيل وهو يعلم أنه سيُقتَل فيوصي بالإمرة لمن بعده..

ولم يتوانَ عن القتال..

لكن إمارة الجيوش ليست شجاعة وإيمان فقط ..

إذ لا بد من المهارة العالية والكفاءة الحربية..

حتى قال بعض الفقهاء: إذا وُجِدَ قائدان أحدهما من الإيمان بمكان ولكنه لا يدرك قيمة القيادة والإمارة، والآخر يصل إلى درجة الفسوق لكنه مسلم، ويستطيع قيادة الحروب بمهارة، فلا بأس أن يَلِيَ هذا الفاسقُ قيادة الجيش في الحروب؛ لأنه يستطيع أن ينجو بجيش المسلمين كله، والآخر ربما يؤدي بالجيش إلى الهلكة مع إيمانه وشجاعته.

ولم يبق مع المثنى غير 2000 من المقاتلين.

وأرسل المثنى بالخبر إلى المدينة مع عبد الله بن زيد...

وعندما يصل إلى المدينة يجد عمر على المنبر فَيُسِرّ إليه بالأمر نظرًا لصعوبته على المسلمين..

فيبكي عمر على المنبر..

وكان لا بد أن يعلم المسلمون حتى يستنفر الناس للخروج مرة أخرى لمساعدة بقايا الجيش في العراق..

ثم قال عمر.. رَحِمَ الله أبا عبيد! لو لم يستقتل وانسحب لكُنَّا له فئة، ولكن قدَّر الله وما شاء فعل...

ويأتي بعد ذلك إلى المدينة ..

الفارون والهاربون من المعركة يبكون أشد البكاء، يقولون: كيف نهرب؟! وكيف نفر؟!

وكان هذا الأمر يمثِّل للمسلمين الخزي والعار..

ولم يتعودوا قبل ذلك على الفرار من أعدائهم..

لكن عمر بن الخطاب يطمئنهم ويقول لهم: إنني لكم فئة، ولا يُعَدُّ هذا الأمر فرارًا..

وظل يحمسهم ويحفزهم، وكان معهم معاذ القارئ وكان أحد مَن فرُّوا..

وكان يَؤُمُّ المسلمين في التراويح..

فكان كلما قرأ آيات الفرار من الزحف يبكي وهو يصلي..

فيطمئنه عمر ، ويقول له: إنك لست من أهل هذه الآية.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   10.09.14 14:45

عودة الروح إلى الجيش المسلم


بعد أن انسحب المثنى بقواته من الجسر.. فعل شيئًا غريبًا..

فقد وصل إلى منطقة الحفير...

وتابعتهم بعض قوات الفرس في اليوم الثاني للمعركة 24 من شعبان..

وكانت هذه القوات على يقين بعدم وجود أي قوات إسلامية في المنطقة..

فيأخذ المثنى مجموعة من الجيش ويقرر الهجوم على الجيش الفارسي لسحب فرحة النصر منهم..

مجرد غارة دون الدخول في قتال عنيف معهم..

وتقدم صوب منطقة أُلَّيْس..

وكانت مكان الموقعة التي انتصر فيها المسلمون قبل ذلك بقيادة خالد..

فتقدم نحوها ووجد حامية صغيرة من الفرس تسير على نهر الفرات...

فيسرع بفرقته ويحاصر هذه الفرقة الصغيرة.. ويقتل من فيها..

وكان من بينهم (جابان) وهو الذي فرَّ من أُلَّيْس هَرَبًا...

وفرَّ مرةً مكرًا من موقعة النمارق..

وقُتِلَ في هذه الحادثة التي سُمِّيَت (أُلَّيْس الصغرى)..

وقُتل فيها أيضًا مردنشاه وكان رسولاً لبهمن جاذويه إلى أبي عبيد بن مسعود في موقعة الجسر..

وعلى صغر حجم هذه الموقعة إلا أنها أحدثت هزّة عنيفة في الجيش الفارسي..

فلم يكن الفرس يتوقعون على الإطلاق أنه ما زالت لدى المسلمين قوة..

تمكنهم من الدخول في أي قتال أو معارك بعد الجسر..

كما أحدثت هذه الموقعة الصغيرة رفعًا لمعنويات الجيش الإسلامي.. وهو الأهم...

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   10.09.14 14:56

استنفار عام بالجزيرة العربية


نعود إلى المدينة ..

وها هو عمر بن الخطاب يُطمْئِنُ العائدين من الجسر أنهم ليسوا فارِّين..

وأنه لهم فئة..

ويحفّزهم للقتال ومساعدة بقايا الجيش الإسلامي الموجود مع المثنى..

وتعود القوات الإسلامية مرة أخرى من المدينة ..

وتصبح قوة الجيش الموجود مع المثنى 4000 مقاتل..

وهو عدد قليلٌ بالنسبة للأعداد الجرارة للفرس الموجودة في الناحية الأخرى..

فقام عمر بن الخطاب بالنفير العام لكل المسلمين في الجزيرة العربية..

وأرسل لكل قبيلة رسولاً أن يُخرِجوا من يستطيع منهم الحرب لقتال الفرس..

وانتظر المثنى قدوم المدد الإسلامي له من المدينة..

ويأتي لعمر ببعد أن أعلن الاستنفار العام جرير بن عبد الله وهو أحد صحابة النبي..

وكان في الشام مع الجيوش الإسلامية الموجودة هناك..

ولما علم بأمر موقعة الجسر أتى من فوره بعد أن استأذن قائدَه في الشام..

وطلب أن يأتي بقبيلته (بجيلة) للمشاركة في حرب الفرس..

وبجيلة هذه كانت إحدى قبائل العرب الموجودة في اليمن..

ولما حدث انهيار سد مأرب وفرّت معظم القبائل من اليمن.. سكنت كل منها في مكان..

وتفرقت قبيلة بجيلة وسكن أهلها كلٌّ في مكان..

فاستأذن جرير أن يجمع بجيلة وكان ذا رأي فيها..

ويأذن له عمر لصعوبة الموقف..

مع أن قبل ذلك بعام رفض أبو بكر هذا الطلب من جرير..وأمره بالذهاب للقتال مع خالد .

انطلق جرير في جميع أنحاء الجزيرة العربية يجوب القبائل مجمِّعًا قبيلته..

ومحمِّسًا لهم بأنه لا تُؤتى العرب وبجيلة موجودة فيهم..

وظل يستثيرهم بهذا الأمر حتى جُمِع له منهم 2000..

وهو عدد ضخم جدًّا مقارنة بالعدد الذي خرج من المسلمين بعد استنفار عمر للمسلمين 3 أيام ..

دون أن يخرج أحد إلا بعد ذلك.. فقد خرج 1000 فقط من المسلمين.

وقد كان جرير من كبار سادات العرب قبل الإسلام وأشرافهم..

وقد أسلم سنة 10هـ، أي قبل وفاة النبي بفترة وجيزة..

وبعد أن أسلم جرير ...

كان يخدم كل المسلمين حتى من هو أصغر منه سنًّا..

تواضعًا منه واحتسابًا للأجر..

يقول أنس بن مالك: والله كان يخدمني جرير بن عبد الله، وكان أكبر مني سنًّا.

ودخل عليه عمر يومًا وهو يجلس مع أصحابه.. فيُحْدِث أحدُ مَنْ حضر من الناس..

فيقول عمر : أقسمتُ على من أحدث أن يقوم فيتوضأ.

فيقول جرير : أقسمت عليك يا عمر أن تأمرنا أن نتوضأ جميعًا..

وذلك لئلاّ يُحرِج مَن أحدث..

فيقول عمر : يا جرير، والله كنت سيدًا في الجاهلية وأنت سيد في الإسلام..

ويذهب جرير بالـ 2000 من الجنود معه إلى عمر بن الخطاب..

فيقول لهم عمر: أي الوجوه تحبون؟

فيقولون: الشام الشام أسلافنا.

فيقول عمر : بل العراق العراق، لقد فتح الله على أهل الشام، وعَضَّ الألم المسلمين في العراق..
فاذهبوا وانصروا إخوانكم.

فوافقوا..

ويحفِّزهم عمر بأكثر من ذلك فيقول: لـ"بجيلة" ربع الخمس من الغنائم.

فيكون لهم 5 % من الغنائم إن تم النصر للمسلمين، وهذا نوع من تأليف القلوب والتحميس لهم.

وتخرج قبيلة بجيلة إلى العراق بقيادة جرير بن عبد الله عليهم..

والجميع تحت إمرة المثنى بن حارثة .

كما تخرج أيضًا قبيلة كنانة وعلى رأسها غالب بن عبد الله أحد صحابة النبي القدامى...

وشهد كل المشاهد مع رسول الله..

وكان النبي يعتمد عليه كثيرًا في العمليات الحربية التي يقوم بها..

وأتى غالب بن عبد الله مع قومه من بني كنانة..

وأمَّره عمر بن الخطاب على بني كنانة، وأطلقه تجاه العراق.

ثم أتى من قبيلة الأزد 700 ، ومنهم عرفجة بن هرثمة..

وكان قائدًا للجيش التاسع من جيوش أبي بكر في حروب الردة.

ووجهه عمر على رأس قبيلته إلى العراق لنصرة الجيوش الإسلامية.

وأرسلت قبيلة تَيْم بعض أفرادها... وأمَّر عليهم عمر هلال بن علَّفة.

كذلك أرسلت قبيلة بني عمرو بعض أفرادها .. وهي فرع من فروع قبيلة تميم..

فأمّر عليهم عمر ...ربعي بن عامر وهو من أشراف العرب قبل الإسلام وبعده..

ومن كبار الصحابة ، وله مواقف مشهودة سوف تأتي في فتوح فارس.

وأتت مجموعات أخرى من قبائل كثيرة..

وبدأت الجيوش الإسلامية تزداد بهذا المدد القادم إليها من المدينة وما حولها.

ووصل تعداد هذا المدد 4000 من المقاتلين..

وكان عمر قد أذن لمن ارتد وعاد إلى الإسلام أن يشارك في الحروب..

فكثير من هؤلاء الآلاف الأربعة كان ممن ارتد عن الإسلام وعاد مرة أخرى..

جاءوا إلى هذه المعركة وهم يطلبون الشهادة في سبيل الله تكفيرًا لذنوبهم..

وهي فرصة سانحة لأن يرفعوا راية الله في العراق وفي فارس.

ويعلم المثنى بن حارثة -وهو في مكانه منتظرًا المدد الإسلامي-

أن الجيوش الفارسية قد علمت أن المسلمين ما زالوا معسكرين في أماكنهم..

وأن المدد قادم إليهم ولم تنتهِ الحرب كما توقعوا..

فأخرجت بوران بنت كسرى جيشًا لقتال المسلمين..

وأمَّرت عليه رجلاً يُسمّى مهران..

وكان رستم هو الذي يدير هذه العمليات الحربية حتى إمارة "بوران بنت كسرى"..

فيخرج هذا الجيش وفيه أكثر من 70 ألفًا كلهم من الفرسان ومعهم ثلاثة أفيال...!

فهي أكبر قوة عسكرية تخرج من فارس.. وذلك للقضاء بشكل نهائي على الجيش الإسلامي.

فماذا سيحدث بين الجيشين؟!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   15.09.14 1:33

معركة البويب


كان الفيرزان -وهو أحد قادة الفرس..

لكنه أقل درجة من رستم- قد قام بتمرد على رستم..

وكانت له قواته الخاصة، وبعد تمرده قام الأساورة -وهم رجال الدين في فارس- بالصلح بينهما..

وقالوا لهما: إن الخلاف بينكما هو الذي جرَّأ العرب علينا، وتسبب فيما تعانيه فارس من انقسام ومحن.

واستجاب الاثنان -رستم والفيرزان- وذهبا إلى "بوران بنت كسرى"..

وطلبا منها توجيه جيش موحَّد من جنود رستم والفيرزان لكي يقضوا على المسلمين في معركة فاصلة..

ووافقت "بوران" على هذا الأمر..

وخرج الجيشان من فارس..

وكان تعداد المقاتلين ما بين الستين والسبعين ألف مقاتل وكلهم من الفرسان..

ومعهم ثلاثة أفيال وعلى رأس الجيش قائد يُسمَّى مهران بن باذان..

وكان أحد قادة رستم..

وكان يعرف العربية جيدًا ويعرفه العرب جيدًا..

وتوجّه الجيش الفارسي الجرَّار من المدائن في طريقه إلى الحيرة..

وذلك لمقابلة المثنى بن حارثة الذي يعسكر بجوار الحيرة..

وعلمت المخابرات الإسلامية بهذا الأمر..

واستفاد المثنى من الأخطاء السابقة ومن خبراته مع خالد بن الوليد..

فقرر أن يختار هو مكان المعركة..

وتوجه بجيشه إلى منطقة تُسمَّى "البُوَيْب" ..

وأرسل رسالة إلى جرير بن عبد الله، ورسائل أخرى إلى أمراء القوات الإسلامية القادمة من المدينة ..

بأن يتوجهوا إلى البُوَيب..

لأنه قد عجل له أمر لا يستطيع معه البقاء في مكانه القريب من الحيرة..

وتقدّم المثنى واختار المكان قبل أن يأتي الجيش الفارسي وعسكر في المكان..

وكان المكان الذي اختاره في غرب نهر الفرات.

فهذا النهر يفصل بين الجيش الإسلامي والجيش الفارسي القادم من المدائن..

وبعد فترة جاء المدد الإسلامي وانضم إلى جيش المثنى .. وكان المجموع لهم 8000 مقاتل..

وجاء الجيش الفارسي.. ومجموعه بين 60 و 70 ألف مقاتل .. !

وعلى نهر الفرات يوجد جسر، وكأن الأحداث تتكرر مرة أخرى....!!

وأرسل الجيش الفارسي كالعادة رسالة إلى المثنى فيها: إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم...

فأجاب المثنى الفرس بأن يعبروا هم إلى المسلمين..

وعاد الرسول إلى أهل فارس وأخبرهم بالأمر.

وكان المثنى قد نظَّم جيشه جيدًا..

وكان هو في مقدمة الجيش.. وجعل فرقة في الجيش باسم فرقة الاحتياط..

كانت في المؤخرة لا تشترك في القتال وعلى رأس هذه الفرقة مذعور بن عدي..

وفرقة للخيول وفرقة للمشاة ..

وكان يمر على كل فرقة يقول لهم .. والله لا نحب أن نُؤْتَى من قِبَلِكُم اليوم، ولا أكره شيئًا لي إلا أكرهه لكم.

ولم يذكِّر المسلمين على الإطلاق بموقعة الجسر.

حتى لا يتذكروا الهزيمة في هذا الموقف الذي يحتاجون فيه إلى قوة عزيمة، وبأس شديد.

وأمر الشعراء، فقام كل الشعراء يحمسون الناس بأشعارهم للقتال..

ويذكرونهم بالله تعالى، وبموعوده الجنة أو النصر.

رتَّب المثنى الجيش بصورة دقيقة ومنظمة للغاية..

حتى قال المؤرخون: إن صفوف المقاتلين كانت كصفوف المصَلِّين..

ورأى المثنى رجلاً متقدمًا من مكانه في الصف فسأل عنه..

فقال الناس: إنه كان ممن فروا يوم الجسر، وهو الآن يستقتل..

فضربه المثنى على صدره، وقال له: أتستقتل وتهلك المسلمين؟ والله إنه إما النصر أو الشهادة.

وأصبح الجيش المسلم مهيئًا للقتال جيدًا..

وبدأ الجيش الفارسي يعبر الجسر الضيِّق إلى أرضٍ قد حاصرها المسلمون من كل مكان، ويتكرر المشهد.

وتدخل القوات الفارسية وهم ما بين الستين والسبعين ألفًا في هذه المنطقة الضيقة..

ويفتقد جيش الفرس عنصر الكثرة..

لأن المساحة التي تركها المسلمون للفرس ضيقة..

ويقف جيشهم بكامله صفوفًا خلف بعضهم.. ويقابل صفهم الأول فقط صفَّ المسلمين الأول..

ولا يستطيع أحد الدخول في المعركة غير الصف الأول من كلا الجيشين..

فلا قيمة لعدد الجيش إذن..

وكان على المسلمين أن يحاربوا وقتًا طويلاً نظرًا لكثرة الجيش الفارسي..

وكان هذا اختيارًا موفقًا من المثنى ، وتعويضًا لما حدث في معركة الجسر من اختيار سيئ لأرض المعركة.

دخل الجيش الفارسي المصيدة، والجيش الإسلامي في المنطقة الأمامية..

وعلى مقدمة جيش الفرس ثلاثة أفيال..

ويتبعها الجيش الذي لم يكن فيه أي مشاة وإنما كانوا جميعًا من الفرسان..

وتقدم الفرس وهم يصيحون صيحات مزعجة حتى يُوقِعُوا الرعب في جيوش المسلمين..

وبهدوء عجيب يقول المثنى لجيشه: عليكم بالصمت والزموا أماكنكم؛ فإن ما يفعلون إنما هو فشل منهم..

وَأْتَمِروا بهمس...!

ونظرًا للتدافع الشديد من قبل الفرس ..

بدأ الفرس يهجمون على ميمنة الجيش الإسلامي ..

وكان المثنى -وهو في المقدمة- قد رأى اعوجاجًا في صف البشير..

فأشار إلى أحد الرسل أن يذهب إليهم ويقول لهم: الأمير يُقرِئُكُم السلام، ويقول لكم: لا تفضحوا المسلمين اليوم.

واعتدلت هذه الصفوف..ونظروا إلى المثنى فوجدوه يضحك..

فازدات معنوياتهم كثيرًا.. !

وفكر المثنى بعد أن رأى صفوف الفرس الكثيرة متلاحمة تلاحمًا قويًّا..

ويصعب السيطرة عليها وهي بهذا الوضع..

فقرر أن يفرقها لينتصر عليها..

فنادى على جرير بن عبد الله وقبيلته بجيلة وتقدمها هو (المثنى)..

وبدأ يضاعف الضربات على وسط الجيش الفارسي..

واستطاع الجيش الإسلامي بالفعل أن يفصل الجيش الفارسي إلى جزأَيْن..

أحدهما على اليمين والآخر على اليسار..

وكلا الجزأين يفتقد الاتصال بالآخر..

وازداد ضغط القوات الإسلامية حتى فُصِلَ الجيش الفارسي عن بعضه تمامًا..

ووفَّق الله جرير بن عبد الله البجلي فقتل مهران بن باذان قائد الفرس..

وكان لقتله أثر كبيرٌ على الفرس..

وبدأت قوى الجيش الفارسي تنهار أمام الضغط الإسلامي على جزأي الجيش المنقسم..

وهذا كله يحدث دون أن تشترك المجموعة الاحتياطية في المؤخرة..!

بعد هذا القتل في الجيش الفارسي بدأ الفرس يفكرون في الهرب...

وذهب المثنى بنفسه وقطع الجسر على الفرس الذين يريدون الهروب..

وانحصر الفرس في هذا المكان وليس لهم إلا أن يقاتلوا..

وبدأ المسلمون في معركة تصفية مع الجيش الفارسي.

فانتصر المسلمون انتصارًا ساحقًا..

وقُتِلَ أكثر من 50 ألفًا من أهل فارس..

ولضيق المكان كانت جثثهم يعلو بعضها بعضًا..

ومع أن قطع المثنى للجسر كان أحد أسباب النصر للمسلمين والهزيمة للفرس ..

إلا أن المثنى حزن لهذا الأمر..

لأنه قال بأنه لا يجب أن يُكْرَه أحدٌ على القتال..

وكان يجب ألاّ يُقطع خط الرجعة على الفرس..

بل كان يجب مطاردة فلولهم الهاربة، وإحداث الرعب في مَن بقي منهم..

ومن هنا نَدِم المثنى على قطعه للجسر..

وأوصى جيشه بعدم تكرار هذا الأمر في المعارك الأخرى.

فمع كون المثنى هو القائد إلا أنه عندما ظن أنه أخطأ جمع جيشه..

وعلَّمه الصواب معترفًا بخطئه، غير متعالٍ على جنده.

بعد هذه الموقعة ارتفعت المعنويات الإسلامية إلى درجة عالية، فقد انتصروا في المعركة..

واسترجعوا الأرض التي كانوا قد أخذوها قبل ذلك..

وكما نرى "الفرس" فقد فَرَّ من استطاع منهم إلى المدائن قبل قطع الجسر، وهبطت معنوياتهم إلى الحضيض.

لم يكتفِ المثنى بما تم، ولكنه أرسل قواته لتتبع الفارِّين...

ولفتح الأراضي التي كانوا قد تركوها منذ فترة قصيرة..

وأرسل مجموعة من القواد مع جيوشهم إلى منطقة السواد ما بين دجلة والفرات..

وانتشرت القوات الإسلامية تفتح هذه الأراضي التي كانت قد عاهدت المسلمين من قبل ثم نقضت عهودها معهم..

واستخلف المثنى ...بشير بن الخصاصية على الحيرة، وظل هو في البُوَيب يدير الموقف.

وقد تم للقوات الخمسة التي أرسلها المثنى فتح الجزيرة..

وبهذا سيطر المسلمون على هذه المنطقة كلها ما بين الأبلَّة وحتى المدائن..

وهي المنطقة التي كان يسيطر عليها خالد بن الوليد بعد فتحه للحيرة.

ووصل المسلمون حتى قرب المدائن، ووصلوا إلى شمال الحيرة.

ونجد أن المثنى بن حارثة يقاتل الفرس في مجالين مختلفين، ويفكر في البدء في القتال في المجال الثالث.

المجال الأول..

القتال في المواقع الضخمة حيث تكون القوات أمام القوات، مثل موقعة البُوَيب، وبابل من قبلُ.

المجال الثاني..

السرايا والفرق التي تستطيع مهاجمة الأماكن التي تخلو من القوات الفارسية الكبيرة..

وتسيطر على هذه الأراضي وتحميها من القوات الفارسية الضعيفة الموجودة في تلك المناطق.

المجال الثالث

الذي كان يفكر فيه المثنى هو ما يسمى في العصر الحديث بـ"حرب الاستنزاف"..

أي القيام بغارات مفاجئة على الجيش الفارسي في عمق أراضي الفرس..

دون أن يحتفظ بتلك الأراضي لقلة القوات الإسلامية..

فيحدث ذلك نوعًا من الرعب والفزع عند الفرس..

وتعود بعد ذلك هذه القوات ومعها بعض الغنائم والأموال.

ففكر المثنى في الهجوم على أسواق فارس، وكانت أسواقهم من الشهرة بمكان في التاريخ..

فقد كان فيها ثراء كبير، وكانت تُدِرُّ الكثير من الأموال على القصر الفارسي..

وكان بهذه الأسواق بعض الحاميات لحراستها..

وكانت تأتيها التجارة العظيمة من الهند والسند والصين ومن فارس أيضًا..

وكانت تلك التجارة في الذهب والفضة والحرير وأشياء من هذا القبيل، لكن كان أهم ما فيها الذهب والفضة.

قرر المثنى أن يقوم بغارة على تلك الأسواق..

وقرر أن يبدأ بالغارة على سوق الخنافس وكان ذلك في شهر شوال..

وكانت هذه المنطقة قد فتحها خالد لكنها ثارت على المسلمين وفقدوها..

ولم يكن الجيش الإسلامي قد وصل إليها.

وتعمية على الجيش الفارسي لم يتحرك المثنى شمالاً تجاه الخنافس..

وإنما تحرك جنوبًا تجاه الحيرة.. ثم غربًا عند أُليِّس..

ثم توغل في عمق الصحراء بعيدًا عن العيون حتى وصل إلى الخنافس في أول الصبح..

وهاجم الحامية الفارسية التي تحرس السوق وقتلهم..

وأمر الجنود ألا يحملوا إلا ما يستطيعون العودة به، فحمل الجنود الذهب والفضة.

وقبل أن تصل الأخبار إلى الأنبار، كان المثنى قد توجه إلى منطقة الأنبار التي كانت فيها موقعة ذات العيون..

وعندما رأى أهل الأنبار قوة المسلمين استسلموا على الفور وقالوا: عهدنا مع الأمير كما هو.

فقبل منهم المثنى ووضع على الأنبار حامية..

وأخذ منهم دليلاً يدله على منطقة بغداد -وهي بغداد التي جعلها العباسيون بعد ذلك عاصمة لهم..

وهي بغداد الحالية..

وهي تقع على حوالي 40 كم شمال المدائن- ولم يكن المسلمون قد دخلوها من قبل..

ومن ثَمَّ أخذ معه هذا الدليل، وكان قد استصحب لهذا الأمر دليلاً آخر أتى به معه من الحيرة..

وكان يسمع من كلا الدليلين كلٍّ على حدة؛ وذلك لئلا يُخدع.

وتحرك من الأنبار متجهًا إلى بغداد، وقبل أن يصل المثنى إلى بغداد عسكر في الطريق..

وبدأ ينظم القوة الصغيرة التي معه ويرتبها، وأرسل طلائع صغيرة على كل الطرقات المؤدية إلى بغداد..

حتى يمنع إيصال أخبار هذه الغارة إلى أحد من أهل بغداد..

تمامًا كما يحدث في التشويش على الرادار Radar.

وبعد استراحة للقوة التي معه على بعد 20 كم من بغداد بدأ التحرك نحوها..

وعسكر ليلاً بالقرب منها، ثم صبَّحهم في السوق بعد أن أُعِدَّ السوق للبيع والشراء، فقتل الحامية..

وأخذ كل ما في السوق، وعاد من فوره إلى منطقة تُسمَّى "السيلحين"، وهي على بُعد 35 كم من بغداد.

استراحت القوة الإسلامية في هذه المنطقة بعد الجهد الذي بذلوه في تلك الغارة..

وسمع المثنى بن حارثة أحد الجنود يقول للآخر: والله ما أسرعَ الفرس في طلبنا؛ فقد توغلنا في أرض فارس!!

فهو يخاف من الفرس أن يتتبعوا هذه الفرقة بعد هذه الغارات..

فغضب المثنى من هذا الأمر، ووقف يخطب فيهم قائلاً: تناجوا بالبر والتقوى ولا تتناجوا بالإثم والعدوان، انظروا إلى الأمور وقدروها ثم تكلموا.

ثم يوضح لهم المثنى حقيقة الأمر فيقول لهم: إنه لم يبلغ النذير مدينتهم بعد (أي لم يبلغ خبر هذه الغارة إلى المدائن)، ولو بلغهم لحالَ الرعبُ بينهم وبين طلبكم، إن للغارات روعاتٍ تنتشر عليها يومًا إلى الليل، ولو طلبكم المحامون من رأي العين، ما أدركوكم وأنتم على الجياد العِرَابِ (الخيول العربية الأصيلة) وهم على المقاريف البطاء (الخيول المهجنة)، حتى تنتهوا إلى معسكركم وجماعتكم. ولو أدركوكم لقاتلتهم لاثنتين؛ التماس الأجر ورجاء النصر، فثِقوا بالله وأَحسِنوا به الظن، فقد نصركم الله في مواطن كثيرة وهم أعدُّ منكم (أي أكثر عدة). وسأخبركم عني وعن انكماشي (أي سرعتي)، والذي أريد بذلك إن خليفة رسول الله أبا بكر أوصانا أن نقلل العُرْجَة (الإقامة في أرض العدو)، ونُسرِع الكَرَّة في الغارات.

وقد استفاد المثنى من الصديق مع أنه لم يره في حياته إلا مرتين..

مرة عندما ذهب يستأذنه لقتال أهل فارس.. والمرة الثانية عندما ذهب إليه ليطلب المدد لجيشه.

وتم النصر للمسلمين في هاتين الغارتين..

في هذه الأثناء تملَّك الجيشَ الفارسيَّ الرعبُ الشديدُ..

إذْ كيف يصل المسلمون إلى عمق الأراضي الفارسية بهذه الصورة..

وبدأ قادة الفرس يلوم بعضهم بعضًا، ودبَّ الخلاف مرة أخرى بين رستم والفيرزان..

واجتمع الأساورة اجتماعًا كبيرًا، وقالوا لرستم والفيرزان: إن ظللتم على خلافكم هكذا لَنقتُلنَّكم، ولا يمنعنا من قتلكم إلا الهلكة، ولكن إن دمتم على هذا الخلاف لقتلناكم وهلكنا، لكننا اشتفينا منكم، فأجمعا أمركما والقيا العدو صفًّا واحدًا...

وكان للأساورة رأي مسموع في البلاط الملكي وعند "بوران بنت كسرى"..

وخشي رستم والفيرزان أن تكون عاقبتهما القتل..

أو التخلِّي عن إمرة الجيوش على الأقل، ومن ثَمَّ قرَّرا التوحُّد والقيام بحرب ضد المسلمين.

وكان حكم فارس حتى هذا الوقت في يد "بوران بنت كسرى"..

وبدأ "يزدجرد" ينظم الجيوش ويدير الأمور وهو حديث عهد بذلك..

وأول ما فكر فيه هو القضاء على قوة المسلمين، وقرر أن يلقي بكل القوة الفارسية لقتال المسلمين..

وتحت قيادة رستم والفيرزان..

فجُمِعت أعداد ضخمة من الجنود، وتوجهوا تجاه الجيش الإسلامي..

ووصلت الأخبار إلى المثنى ...

واستفاد المثنى من خبراته السابقة مع خالد بن الوليد ..

فانسحب بجميع قواته من المناطق التي كان قد استولى عليها الأنبار وساباط ومن الحيرة..

وانسحب أيضًا من الأبلّة وجعل تجمعه في منطقة تُسمى "ذا قار"..

وكان بهذه المنطقة قبل ذلك موقعة بين العرب والفرس في الجاهلية وانتصر فيها العرب..

وظلوا يذكرونها كثيرًا.

وما يميز منطقة ذي قار أنها على أبواب الصحراء..

والجيش الفارسي لا يجيد القتال في الصحراء..

وكان هذا هو المكان الذي اختاره المثنى حتى يعسكر فيه..

ويستطيع الجيش الإسلامي من خلاله أن يفر إلى الصحراء في أسوأ الحالات، عند حدوث هزيمة مثلاً.

واتجه الجيش الفارسي من المدائن إلى "ذي قار"..

وأرسل المثنى رسالة إلى عمر بن الخطاب يخبره فيها أن الفرس يجمعون كل عدتهم وعتادهم لقتال المسلمين..

وبمجرد أن وصلت الرسالة أعلن عمر بن الخطاب النفير العام..

وأرسل الدعاة إلى كل الجهات لحثِّ الناس على الجهاد وقتال الفرس..

لأن الجيش الإسلامي وقوامه ثمانية آلاف لا يقوى على مواجهتهم بهذا العدد الضخم ..

الذي لم يستطع المسلمون أن يحددوه بعد.

وكان المثنى قد أُصيب في موقعة الجسر.. وظلَّ متأثرًا بجرحه طيلة هذه الفترة..

فبعد أن أرسل المثنى رسولاً إلى عمر بن الخطاب ..

وقبل أن يصل الرسول ... مات المثنى .. رحمة الله عليه ..

وكتب وصية لعمر أرسلها مع أخيه المعنى بن حارثة يقول فيها .. لا تقاتل الفرس إلا على أبواب الصحراء..

وفي الوقت نفسه كان رسول المثنى الأول قد وصل إلى عمر ..

ولم يعلم عمر بعدُ بأمر وفاة المثنى، فكتب رسالة له فيها: "لا تقاتل الفرس إلا على أبواب الصحراء"...!

وكان هذا التوافق في الرأي يدل على بُعد النظر وعمق التفكير..

فماذا حصل بعد ذلك؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   15.09.14 21:27

الإعداد للقادسية ووصية عمر


أرسل عمر بن الخطاب إلى الأمراء والخطباء والشعراء في كل أطراف الجزيرة العربية ..

لكي يحثُّوا الناس على الجهاد..

فجاء إلى المدينة حوالي 4000 مسلم من الجزيرة العربية..

جمع عمر الجيش في مكانٍ على بعد 5 كم من المدينة المنورة يُسمَّى "صرار"..

وبدأ في تجهيز الجيش وتنظيمه..

فجعل على الميمنة الزبير بن العوام .. وعلى الميسرة عبد الرحمن بن عوف ..

وجعل نفسه على المقدمة...

واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب ..

لم يكن عمر يرى أن من الحكمة أن يخرج بنفسه وهو أمير المؤمنين مع الجيش..

فكيف يكون الحال إذا قُتِلَ مثلاً؟

لا شك أنها ستكون كارثة..

لكنه خرج ابتداءً استكمالاً لبذل الجهد.. وحثًّا للناس على الخروج للجهاد في سبيل الله.

فقال عمر للناس: أَشِيرُوا عليَّ..

أي في أمر خروجي معكم.

فقال عامة الناس: سِرْ وسِرْ بنا معك.

عامة المسلمين -إذن- يريدون الخروج للحرب تحت إمرة عمر ...

ونذكر قول أبي بكر الصديق: والله إني وددتُ أني أبعث إلى الشام بأبي عبيدة بن الجراح..
وإلى العراق بعمر بن الخطاب. ولكنه احتاجه للرأي والمشورة..

فأبقاه حينها في المدينة..

وقد وافق عمر على رأي العامة وهو لا يراه صوابًا..

لكنه انتظر رأيًا آخر..

فقام علي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله وقالا كما قال العامة: سِر وسِر بنا معك.

فقام العباس بن عبد المطلب وقال: لا والله لا أرى ذلك رأيًا! بل تبقى في المدينة..
ويخرج على المسلمين أحد صحابة رسول الله .

وقام عبد الرحمن بن عوف وقال: والله إني أرى رأي العباس، لا تخرج من المدينة..
وتبقى على إمرة المسلمين ويخرج غيرك على إمرة الجيش...

وكان عمر بن الخطاب يسمع لرأي العباس قبل ذلك كثيرًا..

وهما ذوا خبرة وحكمة في الأمور...

وكان المسلمون إذا احتاجوا شيئًا من عمر بعثوا له عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان..

وإلا أرسلوا له العباس ..

وبدأ المسلمون يتناقشون في هذا الأمر..

فقام عبد الرحمن بن عوف وقال مخاطبًا عمر: اجعلني فداك بأبي وأمي، تبقى للمسلمين في المدينة..
والله أخشى لو خرجت لقتال الفرس في العراق وقُتِلْتَ ألاّ يكبر المسلمون بعد ذلك، ولا يشهدوا أن لا إله إلا الله !

فتراجع على الفور علي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله عن رأيهما..

ووافقوا جميعًا على بقاء الفاروق بالمدينة.. وخروج أحد صحابة النبي على إمرة الجيش.

ثم ظهرت مشكلة أخرى أمام عمر وأمام المسلمين..

هي اختيار قائد لهذا الجيش الخارج لقتال الفرس في هذه الموقعة الفاصلة ..

التي يُعِدُّ لها الفرس كل ما لهم من طاقة للقضاء على المسلمين تمامًا..

فلا بد -إذن- أن تكون القيادة الإسلامية على مستوى عال,,,

واجتمع قادة المسلمين للتشاور في هذا الأمر المهم للغاية..

وبدءوا في عرض الأسماء المؤهلة لهذا الأمر الجلل..

ولم يستقروا بعدُ على اختيار القائد العام للجيش..

وفي هذه اللحظات وهم ما زالوا معسكرين في صرار..

وصلت رسالة من هُذيل -وهي منطقة تقع شرقي مكة..

وكان يحكمها أحد كبار أصحاب النبي.. قد أمَّره عليها أبو بكر الصديق ..

تقول الرسالة: إن أمير هذه المنطقة -وهو هذا الصحابي الجليل- قد جمع الزكاة والصدقات..
وأنه قد أعدَّ ألف فارس من ذوي النجدة..

فقال عبد الرحمن لعمر : واللهِ وجدته.

قال عمر: من؟

قال: الأسد في براثنه.

فعرفه عمر على الفور.. ووافق على قيادة هذا الأسد للجيش.

وأرسل إليه عمر بن الخطاب ردًّا على رسالته أن قبلنا الصدقات، وأَرْسِلِ الجندَ، وأنت أمير الجيوش.

ويأتي هذا الصحابي تلبية لعمر بن الخطاب ، ويصبح أميرًا على هذا الجيش.

فهل عرفتم .. من ذاك الأسد في براثنه؟

إنه الصحابي العظيم .. سعد بن أبي وقَّاص ..

أحد العشرة المبشرين بالجنة ..

وهو خال رسول الله -ابن خالة أمه - ..

وكان النبي يفاخر به القوم مداعبًا صحابته ...

ومفاخرًا للأقوام التي تأتي له..

ويقول (صلى الله عليه وسلم) .. "هَذَا خَالِي، فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ".

كما أن سعد هو خامس من أسلم على وجه الأرض .. وقيل هو السابع..

وهو الوحيد الذي فداه الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأبيه وأمه .. كما في غزوة أحد ..

"ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي"

وكان عمل سعد .. عمله هو بري النبال وسنُّ السيوف..

ومن أثر هذه المهنة عليه أنه كان من أشد الناس إجادة في الرمي..

فقَلَّما كان يخطئ في الرمي..

وكان دائم الحراسة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

وكان ممن يحمون رسول الله في غزوة أُحد..

وقد أطلق في يومه أكثر من مائة سهم..

وكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يدعو له: "اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمَيْتَهُ، وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ".

وبعد أن دعا له النبي بهذه الدعوة لم تُرد له دعوة... ولم تخطئ له رمية.

وعند خروج سعد من صرار متجهًا إلى العراق..

قال له عمر: "يا سعد، لا يغرنّك أن قيل: إنك خال رسول الله ؛ فإنه ليس لله نسب إلا الطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت النبي منذ بُعِث حتى فارقنا، فالزمه فإن ذلك الأمر، هذه عظتي إياك إن تركتَها ورغبت عنها حبِطَ عملك، وكنتَ من الخاسرين"

وعندما خرج بالجيش ناداه عمر موصيًا إياه قائلاً: "إن الله إذا أحب عبدًا حبَّبه، وإذا أبغض عبدًا بغّضه..
فاعتبر منزلتك عند الله تعالى بمنزلتك عند الناس"

وخرج سعد على رأس 4000 مقاتلٍ..

ويتوجه بداية من "صرار" إلى "زرود" وهي على بعد 585 كم من المدينة..

وهي كما نرى مسافة كبيرة..

فيقول له عمر : "اذهب إلى "زرود"، وإذا وصلت إليها فانشر جيشك حول الماء -وكان بهذا المكان آبارٌ كثيرة- حتى يأتيك مدد آخر، واجمع من استطعت ممن حولك".

إذن فسعد يتحرك خطوة بخطوة وَفْقَ أوامر وترتيبات عمر بن الخطاب ..

وهذا على عكس ما كان يتبعه أبو بكر حيث كان يعطي القائدَ الخطة العامة ..

ويتركه يتصرف ويتحرك حسبما يرى..

ومع ثقة عمر رضي الله عنه بقواده ثقة كاملة..

وحسن اختياره لهم ..

إلا أنه يرى أن من مسئولياته أن يتابع تحركات الجيش خطوة خطوة..

وكان يقول لعامة المسلمين: إنني بينكم وبين الله، وإنه ليس بيني وبين الله أحد.

أي أنه يريد أن يقول لهم: إنهم إذا أخطئوا فسيسأله الله عنهم..

أما هو إذا أخطأ في حق المسلمين فلن يُسْأَل عن هذا الخطأ غيره.

ومن ثَمَّ يأمر سعدًا رضي الله عنه أن يبقى في "زرود" ...حتى تأتيه أوامر أخرى بمتابعة التحرك بالجيش.

ويصل سعد رضي الله عنه إلى "زرود"..

ويعسكر هناك منتظرًا المدد، وجامعًا للناس أيضًا من النواحي القريبة..

وفي هذا التوقيت يصل إلى المدينة 2000 من اليمن و2000 من نجد..

فيرسلهم عمر إلى "زرود" حيث يعسكر سعد ..

وكان عمر لا يدع ذا سطوة..

ولا ذا رأي أو جاه..

ولا شاعرًا ولا خطيبًا إلا أرسله تجاه العراق حتى تتبعهم أقوامهم..

وكان يقول: واللهِ لأضربنَّ ملوك الفرس بملوك العرب.

وصل تعداد جيش سعد بعد هذا المدد إلى 8000 جندي.

وتحرك سعد في المنطقة التي يعسكر فيها باحثًا عن جنود ينضمون للجيش..

فذهب إلى قبيلة تميم -تقع شرق زرود- فجنَّد منها 3000 ..

ثم غرَّب وذهب إلى قبيلة أسد فجنَّد منها 3000 ..

ومن منطقة الرَّباب -وهي منطقة قريبة من البحرين- جمع منها 2000 من المسلمين..

ومن منطقة ربيعة تحرك 2000 من المقاتلين..

فوصلت القوة الإسلامية في فارس 10000 مقاتل..

ثم أتت الأوامر من عمر إلى سعد أن تحرَّك من "زرود" وانزل في "شراف" ..

وهي منطقة في منتصف الطريق بين "زرود" والحيرة..

فتحرك ووصل إليها فوصل تعداد الجيوش إلى 25 ألفًا..

ثم جاء مدد آخر من المدينة ومن مناطق أخرى كان قوامه 7000 مقاتل..

فوصل تعداد القوة الإسلامية في "شراف" إلى 32000 مقاتل..

وهي أكبر قوة إسلامية تتوجه إلى فارس حتى هذه اللحظة.

ونذكر أن هناك قوة إسلامية أخرى قوامها 38000 جندي في اليرموك..

لكن هذه أكبر قوة تتوجه إلى فارس، فهي طاقة إسلامية ضخمة متوجهة لفتح فارس.

ويرسل عمر بن الخطاب وصية جديدة إلى سعد ..

وهي من الوصايا التي ظلت محفوظة كأفضل وصية أعطيت لجيش من جيوش المسلمين..

وظل الأمراء بعد ذلك يوصون بها جيوشهم..

وتحمل الوصيةُ المنظور الصحيح للحرب في الإسلام..

كما تحمل الكثير من المعاني العظيمة..

وسنعرض هذه الوصية بشيءٍ من التفصيل..

لعلنا أن ننتفع بها في واقعنا كما انتفع بها أسلافنا في واقعهم.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   15.09.14 21:32

الوصية العمرية الخالدة


يقول عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص في هذه الوصية:

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد..
فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال..
فإن تقوى الله أفضل العُدَّة على العدو.. وأقوى العدة في الحرب".

هذا ما بدأ به الفاروق الحكيم رضي الله عنه وصيته..

فإن أفضل سلاح لمحاربة الأعداء هو تقوى الله..

وإذا لم يتوافر هذا السلاح فلا قيمة لأي سلاح آخر مهما بلغت قوته وعَظُمَ شأنه.

"وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم..
فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم..
وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله..
ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة..
لأن عددنا ليس كعددهم..
وعدتنا ليست كعدتهم..
فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة..
وإلا ننصر عليهم بفضلنا ولن نغلبهم بقوتنا".

يضع الفاروق يد المسلمين على مفاتيح النصر الحقيقة..

ويعلمهم أن النصر إنما يأتي بطاعة الجيش لله..

وليس النصر بالعدة أو العتاد..

وإلا لكان في جانب العدو.. فإنهم أكثر قوة وعتادًا..

فإذا تساوى الجيشان في المعصية فهما عند الله سواء..

فلن يكون الله معنا ولن يكون معهم فينتصروا علينا بالعدة والعتاد..

فقوتنا إنما هي أن الله معنا..

وإذا افتقدنا هذا العنصر -عنصر القوة من الله- كانت لهم الغلبة..

لأنهم دائمًا يكونون أكثر عددًا وعدة...

"واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم..
ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله".

يأمرهم ويذكرهم بالحياء من الملائكة الذين معهم ولا يفارقونهم.. وبالحياء من الله..

لأنهم إنما خرجوا جهادًا في سبيله..

ثم يلفت نظرهم إلى أمرٍ مهم وخطير..

نحن في واقعنا أحوج إليه من غيرنا يقول رضي الله عنه:

"ولا تقولوا: إن عدونا شرٌّ منا ولن يُسلط علينا وإن أسأنا..
فرُبَّ قوم سُلِّط عليهم شَرٌّ منهم..
كما سُلّط على بني اسرائيل -لما عملوا بمساخط الله- كفرةُ المجوس فجاسوا خلال الديار..
وكان وعدًا مفعولاً".

يذكر عمر بن الخطاب لهم نموذجًا عمليًّا يخالف ما قد يعتقده البعض من أن العدو أكثرُ معصية منهم..

لأنهم مسلمون وعدوهم كافر..

فيضرب لهم هذا المثل ليمحوَ من أذهانهم هذا التصور المغلوط..

مؤكدًا لهم أهمية الطاعة وخطورة المعصية عليهم..

وهذه الصورة التي ضرب الفاروق بها المثل منطبقةٌ تمامًا على المسلمين في الواقع المعاصر..

فقد سُلِّط عليهم بمعاصيهم وذنوبهم أخبثُ أهل الأرض..

فنرى اليهود -وهم أشر الخلق- يتحكمون في المسلمين..

ليس في فلسطين فقط بل في العالم كله..

ويذيقون المسلمين في فلسطين سوء العذاب..

ونرى الهندوس وهم عبدة البقر والفئران يذيقون المسلمين العذاب في كشمير..

والشيوعيين وهم لا يعرفون ربًّا ولا إلهًا يعذبون المسلمين في كل الجمهوريات الإسلامية في جنوب روسيا..

ونرى الشيشان وغيرها وما يجري من أحداث في هذه المنطقة..

وكذلك الصِّرْب..

وما من منطقة في العالم إلا والمسلمون مستضعفون فيها من قِبَلِ أُناسٍ هم أكثر معصية..

بل إنهم مشركون ومع ذلك يُسلطون على المسلمين..

وذلك لأن المسلمين عصوا ربهم فسُلِّطَ عليهم العدُوُّ.

ويجب أن نأخذ هذا الأمر بشيءٍ من الاهتمام..

فإن الإنسان -وهو في محيطه الضيِّق- ربما يذيقه أحد اليهود أو النصارى أو الظالمين العذاب..

وربما يتعجب المسلم كثيرًا ويتساءل: كيف يحدث هذا وأنا مسلم وهذا كافر أو ظالم؟!!

والجواب يتضح من وصية الفاروق ..

وهو أن هذا الإنسان المسلم بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في حياته وأعماله من طاعاتٍ ومعاصٍ..

وفي حاجة إلى تنقيةِ قلبه، وعودة إلى ربه، وتوبة من الذنوب والمعاصي والآثام..

وإنما تأخر النصر على المسلمين لكثرة المعاصي منهم.

"واسألوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه النصر على أعدائكم"

إلى هذه اللحظة لم تتطرق الوصية بعيدًا عن إصلاح النفس..

والبُعد بها عن المعاصي والآثام، والاقتراب من الله نظرًا لأهمية هذا الأمر..

وأثره الكبير في إحراز النصر على الأعداء.

ثم ينتقل عمر بن الخطاب في وصيته إلى سعد بن أب وقاص إلى جانب آخر من الجوانب المهمة..

وهو كيفية التعامل مع الجيش والانتقال من مكان لآخر؛ يقول له:

"وترفق بالمسلمين في سيرهم، ولا تجشمهم سيرًا يتعبهم، ولا تقصّر بهم عن منزلٍ يرفق بهم..
فإنهم سائرون إلى عدو مقيم حامي الأنفس".

يشير عمر بن الخطاب في هذه الفقرة من هذه الوصية الخالدة إلى ضرورة راحة الجند ...

وعدم تحميلهم ما لا يطيقون، وتحيُّن أي فرصة يستريحون فيها من عناء السفر الطويل..

ذلك لأنهم قادمون على عدو مقيم..

فينبغي ألا تذهب طاقة الجند هباءً حتى إذا لاقوا عدوهم ...

استطاعوا أن يحاربوا وهم ما زالوا من القوة بمكان..

ثم يقول له:

"وأقم بمن معك كل جمعة (كل أسبوع) يومًا وليلةً؛ حتى تكون لكم راحة تجمعون فيها أنفسكم...
وتلمون أسلحتكم وأمتعتكم".

ثم تأتي هذه الوصية المهمة التي تُذكَر للمسلمين..

وتدل على حسن معاملتهم للغير، يقول عمر:

"ونَحِّ (أي أَبعِدْ) منازلهم عن قرى أهل الصلح وأهل الذمة"

أي: لا تجعل أماكن نزولك وراحة جيشك بجوار قرى أهل الصلح وأهل الذمة..

"فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه، ولا ترزأ أحدًا من أهلها شيئًا..
فإن لهم حرمة ابتُلِيتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها..
فما صبروا لكم فَوَفُّوا لهم، ولا تنتصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح"

هنا يظهر لنا حرص الفاروق عمر على عدم الظلم لأهل الصلح وأهل الذمة..

ممن قد يمر عليهم الجيش المسلم في مسيره..

وإن اضطُرَّ لدخول هذه القرى لأي سببٍ، فلا يُدخِل إلا من يثق بأخلاقه...

وألا يؤذي أحدًا من أهل هذه القرى..

ويأمر بحفظ حرمتهم والوفاء بعهدهم وعدم ظلمهم.

فينتقل عمر إلى جانب مهم من الجوانب الحربية وهو جانب المخابرات العسكرية...

فيوضح الدور الذي تقوم به، ومهمته، وكيفية اختيار أفرادها، يقول رضي الله عنه:

"وإذا وطئت أدنى أرض العدو فأزجِ العيون بينك وبينهم، ولا يخفى عليك أمرهم..
وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تطمئنُّ إلى نصحه وصدقه..
وليكن منك عند دنوِّك من أرض العدو أن تكثر الطلائع وتبث السرايا بينك وبينهم..
فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم، وتتبع عوراتهم (أي مخابئهم وتحركاتهم)..
وانتقِ للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك، وتخيَّر لهم سوابق الخيل..
فإن لقوا عدوًّا كان أول من تلقاهم القوة من رأيك، واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد، والصبر على الجِلاد..
ولا تخصَّ أحدًا بهوى فيضيع من أمرك ورأيك، ولا تبعث طليعة ولا سرية في وجهٍ تتخوف فيه نكاية أو ضيعة.
فإذا عاينت عدُوَّك فاضْمُم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك..
واجمع مكيدتك وقوتك كلها، ثم لا تعاجلهم المناجزة حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله..
وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها، ثم أزج حراسك على عسكرك..
وتحفظ من البيات جهدك..
ولا تُؤتى بأسير ليس له عهد إلا قطعت رقبته؛ لترهب به عدو الله وعدوك".

وقفة مع قضية الأسرى من الناحية الفقهية..

قضية الأسرى متروكة لإمام المسلمين فإما أن يعفو عنهم منًّا بغير فداء...

وإما أن يفديهم بمال..

أو بتعليم كما فعل النبي في غزوة بدر، أو يبادلهم بأسرى..

أو بأي فداء يقرره إمام المسلمين، وإما أن يقتلهم.

فإذا كان المسلمون في قوة ومنعة وسيطرة على أعدائهم..

فللإمام أن يطلق الأسرى منًّا بغير فداء، كما فعل الرسول مع أهل مكة..

وفي ذلك تأليف للقلوب، وترغيب لهم في الإسلام.

أما إذا كانت قوة المسلمين أضعف من قوة الجيش المعادي الذي يفوقهم في العدد والعدة..

فيُقتَل الأسيرُ ليُرهب به عدو الله وعدو المسلمين..

ولأنه ليس لدى المسلمين القدرة أو الطاقة على حماية هؤلاء الأسرى أو إطعامهم أو السيطرة عليهم.

وإذا نظرنا -مثلاً- إلى جيشٍ كجيش خالد بن الوليد في معركة (أُليّس)..

كان قوام الجيش الإسلامي 18000 من المسلمين..

والجيش المقابل له 100.000..

أسر منهم خالد بن الوليد 70.000... فمن يحمي هؤلاء السبعين ألفًا؟!

إن الجيش الإسلامي بكامله لا يستطيع حمايتهم أو السيطرة عليهم..

بل إنهم يمثلون خطورة بالغة على المسلمين، ولا يتحقق استكمال الفتح إلا بقتلهم.

ومع هذا العدد الذي وصل إليه الجيش الإسلامي في قواته إلا أن لدى الفرس من الأعداد ما لا يُحصى..

فقد قُتِلَ من الفرس في معركة (الفراض) مائة ألف..

وفي (أُلَّيس) سبعون ألفًا..

وفي (الأنبار) أكثر من عشرة آلاف..

وفي (عين التمر) ثلاثون ألفًا..

وفي (دومة الجندل) خمسون ألفًا..

وفي (البويب) خمسون ألفًا..

وأعداد لا تنتهي من الفرس، كلما قُتِل منهم جيش جاء جيشٌ آخر

فقد كانت قوة فارس هي والروم أكبر القوى على الأرض..

وكانت حدود فارس من غرب العراق حتى شرق الصين، وهي مساحة شاسعة جدًّا..

لذا لديهم أعداد كبيرة جدًّا من البشر..

وكما نرى من الصعب جدًّا الاحتفاظ بالأسرى..

لأنهم يشكلون خطرًا كبيرًا على الجيش المسلم..

ومن ثَمَّ أمر عمر بقتلهم حتى يَفُتَّ هذا القتل في عَضُدِ فارس..

ويوفر على المسلمين الطاقة التي ستُبذل في حمايتهم.

ثم يقول له: "واللهُ وليُّ أمرك ومن معك، وولي النصر لكم على عدوكم، والله المستعان".

ثم أمره عمر بتنظيم جيشه وترتيبه.

فما الذي فعله سعد بن أبي وقاص بعد ذلك؟

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   17.09.14 15:33

التوجه إلى القادسية


بعد أن تحرك سعد بن أبي وقَّاص بالجيش الإسلامي الذاهب لحرب الفرس من منطقة "زَرُود"

ووصل إلى "شَرَاف"..

وكان قوام الجيش الإسلامي الذي معه قد وصل إلى 32 ألف جندي..

ووصلته الرسالة العمرية الخالدة التي تُعدّ نموذجًا رائعًا للوصايا ..

التي يمكن أن يوصِي بها الأمراء مَنْ يكلفونهم بالجيوش..

واستقرَّ سعد في "شراف" منتظرًا أوامر جديدة تأتي من المدينة المنورة.

ثم وصلت رسالة أخرى من عمر بتعبئة الجيش (أي: بتنظيمه وترتيبه وكأنه على قتال)..

وأمره بالتحرُّك من "شراف" إلى "القادسية" وهو على تعبئةٍ كاملةٍ ..

حتى إذا باغتته جيوش فارسٍ في أية لحظة يكون على استعداد كاملٍ لها.

بدأ سعد يرتِّب جيشه وهو في "شراف"..

فجعل خليفته خالد بن عرفطة وهو أحد فرسان العرب المشهورين..

ولم يتوجه لحرب فارس قبل ذلك..

وجعل على المقدمة زهرة بن الحُوِيَّة..

وكانت لكل الجيوش الإسلامية مقدمات..

لكن سعدًا جعل لجيشه مقدمة وطلائع..

وكانت فرقة الطلائع من أشد فرسان المسلمين مهارة وجسارة وقوة..

واختار لهذه الطلائع قوة من كل القبائل.. وكانت تحت إمرة سواد بن مالك..

وكانت مهمة الطلائع أن تسير في مقدمة الجيش أبعد من مرمى بصر الجيش..

لتكون عيونًا على الجيش الفارسي.. حتى لا يُباغِت الجيشَ الإسلاميَّ..

وجعل على المقدمة عبد الله بن المعتم..

وعلى الميسرة شُرَحْبِيل بن السِّمْط..

وعلى المشاة حَمَّال بن مالك..

وعلى الخيول سلمان بن ربيعة الباهلي..

وكان من المعروف أن أشد خيول العرب في قبيلة باهلة..

وجعل عبد الله الخثعمي على الركبان وهي الإبل..

وجعل على مؤخرة الجيش عاصم بن عمرو التميمي..

صاحب السبق العظيم في حروب فارس قبل هذه الموقعة.

وجعل كل مجموعة من جيشه تحت إمرة أمير..

ثم قسَّم المجموعات إلى رايات...

وتحت أمراء الرايات رؤساء القبائل..

وتحت كل قبيلة العرفاء..

أي على كل عشرة من الجند عريف..

فالسُّلَّمُ هرميٌّ..

فعلى كل عشرة عريف..

وعلى كل مائةٍ رئيس قبيلة..

وعلى كل ألف حامي الراية..

وعلى كل المجموعة أمير الفرقة سواءً كانت مقدمة أو مؤخرة أو ميمنة أو ميسرة..

وذلك حتى تصل الأمور بسهولة ويُسْر إلى كل الأفراد.

وتحرك الجيش الإسلامي الكبير على هذه التعبئة من "شراف" إلى الشمال متجهًا إلى "القادسية"..

وفي طريقه وصلته رسالة من عمر أنِ انْزل بجيشك في عُذَيب الهِجانات

وهي منطقة تبعد عن القادسية بعدة أميال..

وأرسِلْ طلائعك إلى القادسية فهي باب فارس.

وكان في هذا الجيش الإسلامي بضعة وسبعون ممن شهدوا بدرًا..

وكانوا يُسمُّونهم "البدريين"..

وكان في الجيش أيضًا ثلاثمائة ممن له صحبة بعد بيعة الرضوان..

وثلاثمائة ممن شهدوا فتح مكة..

وسبعمائة من أبناء الصحابة.. فكانت هذه ذخيرة قوية للمسلمين.

زوّد عمر بن الخطاب الجيش بالأطباء والقضاة..

فكان على إمرة القضاة عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي.. وهو أخو قائد الخيول ..

وكان رائد الجيش وداعيته سلمان الفارسي ..!.

وجعل كاتب الجيش زياد بن أبي سفيان...

وجعل مترجم الجيش هلال الهجري وكان يُتْقِن الفارسية والعربية..

وأثناء تحرُّك سعد من "شِرَاف" إلى "عذيب الهجانات" ..

أتته الوصية التي كان قد أوصى بها المثنى بن حارثة قبل وفاته ..

"أن لا تقاتل الفرس إلا على أبواب الصحراء.. ولا تعبر نهرًا.. وَضَعِ الصحراء في خلفك..
حتى إذا كان لك النصر انسحت في أرضهم، وإن كانت الأخرى كانت لك الصحراء مجالاً للرجوع"

وتنطلق هذه الوصية من الاستفادة من خطأ معركة الجسر، وهو عبور المسلمين النهر..

فكانت المياه من خلفهم والفرس من أمامهم..

واستُشْهِد في "الجسر" وحدها 4000 من المسلمين..

وكان الفرس لا يجرءون على القتال في الصحراء..

وإذا ضلَّ أحد الجيوش فيها فربما يهلك من الجوع والعطش.

ومع وصول رسالة المثنى إلى سعد مع اخيه المُعنَّى..

وصلت رسالة أخرى من عمر بن الخطاب أيضًا فيها تفيد بنفس رأي المثنى رحمه الله..

أرسل سعد طلائعه إلى "عُذَيب الهجانات" قبل أن يصلها هو بالجيش..

وكان بها حصن عظيم وهو أول حصون في جنوب فارس..

وقد وصلت الطلائع قرب الليل ونظروا فوجدوا للحصن نوافذ كثيرة..

وكل مدة يظهر أحد الرجال من إحدى نوافذ الحصن ويختفي مرة أخرى..

ثم يظهر آخر في نافذة أخرى ويختفي، وهكذا.

فوقفوا رهبة، وشعروا بوجود جيش للفرس في هذا الحصن..

ثم أمرهم حمّال بن مالك بالهجوم على الحصن..

ففوجئوا بعدم وجود أحد فيه..

ووجدوا رجلاً واحدًا يجري بعيدًا عنهم بفرسه في اتجاه المدائن..

فعلموا أنه أحد عيون الفرس، وأنه منطلق لإخبارهم بأمر المسلمين..

وانطلقت خلفه الطلائع فأعجزهم ولم يستطيعوا اللحاق به..

وقدمت بعد ذلك المقدمة وعليها زهرة بن الحُوِيَّة..

فلما علم زهرة بأمر هذا الرجل قال: والله لو وصل هذا العين إلى فارس، علمت فارس بقدومنا.

فأسرع هو بنفسه وسابق خيول المسلمين وسبقهم..

وأدرك الرجل في خندق سابور على حدود القادسية واقتتل معه وقتله..!

وبهذا لم تصل -حتى هذه اللحظة- أخبار المسلمين إلى فارس بفضل الله تعالى..

ثم بفضل هذا المثال النادر من المسلمين "زهرة بن الحُوِيَّة"..

الذي أحسنَ سعد بن أبي وقاص باختياره قائدًا على المقدمة.

وقبل أن يصل سعد إلى "عُذيب الهجانات" تصله رسالة من عمر أن يعسكر في القادسية..

وقال عمر له: صِفْ لي المكان كأني أراه رأي العين، ولا تدخل على أرض العراق إلا أن يدخلوا هم عليك.

ويتقدم سعد ويصل إلى "عُذَيْب الهِجانات" ويعسكر فيها مدة..

إلى أن تكتشف الطلائعُ والمقدمةُ منطقةَ القادسية وما حولها لتأمين دخول الجيش هذه المنطقة.

وتختلف خطة الجيش الإسلامي في معركة القادسية عن غيرها من الخطط في المعارك الأخرى..

ومن الواضح في معارك الجيش الإسلامي الكثيرة أنه يعتمد خطة الهجوم على الجيوش الفارسية في مواقعها..

لكن هذه المرة يأمر عمر الجيش أن يبقى في القادسية ولا يتركها..

لخوفه من الإعداد الضخم الذي يُعِدُّه الفرس لهذه المعركة..

ولحرصه على عدم توغل المسلمين في الأراضي الفارسية؛ حفاظًا عليهم من الهلكة.

كان وصول سعد "عذيب الهجانات" في منتصف صفر 15هـ،..

وعسكر فيها ما يقرب من شهر..

وإذا نظرنا إلى العدد الكبير للجيش الإسلامي (32 ألفًا من الجنود)..

نجد أنهم كانوا بحاجة دائمة إلى التموينات..

وإذا أرادوا أن يأكلوا لحومًا مثلاً كانت الناقة تكفي 100 جندي..

ففي اليوم يحتاج إلى 320 من الجمال..

فالجيش إذن يحتاج إلى تمويل ضخم جدًّا..

وعمر بن الخطاب يموِّن الجيش من بيت مال المسلمين..

لكن مهما كان حجم ما يأتي من المدينة فلا شك أنه سيكون أقل من حاجة الجيش..

وهناك نقص كبير في اللحوم خاصةً..

فكلما طالت مدة انتظار الفرس كلما زاد العبء على المسلمين..

فبدأ المسلمون بعمل ما يُسمَّى بالغارات التموينية تحفيزًا لإسراع الفرس في القدوم للحرب..

وفي الوقت نفسه يتمُّ تموين الجيش من خلال هذه الغارات.

أمر سعد الطلائع والمقدمة بعمل هذه الغارات..

وأرسل زهرة بن الحُوِيَّة -وهو في "عذيب الهجانات"- فرقة من طلائعه إلى مكان يُسمَّى صِنَّينَ ..

على بعد 10 إلى 15 كم من الحيرة..

وعلى رأس الفرقة التي لا تتعدى 30 فارسًا بكير بن عبد الل..

وتصل الفرقة إلى "صنين" فيسمعون أصوات عُرسٍ لأحد أمراء فارس..

ولا شك أن في العرس هدايا ثمينة يهديها الأمراء بعضهم لبعض في هذه المناسبات ..

إلى جانب الماشية والأغنام والإبل وغير ذلك..

وينتظر بشير بن عبد الله في وسط الغابات التي كانت منتشرة في تلك المنطقة..

وعند مرور العرس ووصول الحامية التي ترافق العرس فهو عرس أميري..

هجمت الفرقة عليهم ففروا في كل وجهة وتركوا العُرسَ بما فيه..

وسبى المسلمون العروسَ والتوابع، وأخذوا الغنائم وعادوا بها،..

وقبل أن يَصِلُوا كبَّروا..

فقال سعد لجنوده: أقسم أن هذه تكبيرة قومٍ عُرفت فيهم العز.

فكانت هذه أول الغارات التموينية للمسلمين..

وكان فيها إهانة كبيرة لأحد أمراء فارس في زواجه..

وبدأ أهل تلك المنطقة يراسلون يزدجرد في المدائن ويخبروه أن جيوش المسلمين على مقربة.

ثم أرسل زهرةُ بن الحُوِيَّة ...عاصمَ بن عمرو التميمي وكان قائدًا للمؤخرة..

إلى منطقة "مَيْسان" شرق الفرات..

ووجدوا مجموعة كبيرة من الفلاحين لكن دون أن يكون معهم أغنام..

فتعجبوا من هذا الأمر ..

فقام أحد الفلاحين وقال: والله ما في هذا المكان من إبل ولا ماشية قَطُّ...

فخار ثور ساعتها يكذب الراعي..

وذهب المسلمون إلى مصدر الصوت في وسط الغابات الكثيفة..

فوجدوا كميات ضخمة من المواشي، وساقوها للجيش..

وسُمِّيَ هذا اليوم بيوم الأباقر من كثرة ما أخذوا فيه من البقر..

وكان في هذا تموين للجيش فترة كبيرة.

وأرسل الأمراء على الفور إلى يزدجرد..

وبدأ الفرس يتأثرون ويتحمسون لوقف المسلمين عن شن هذه الغارات التي تقلقهم كثيرًا.

في هذا التوقيت أرسل عمر بعد أن علم بهذه الأحداث -الغارات التموينية-

وبعد أن خشي من اندفاع المسلمين لقتال الفرس في أراضيهم..

فقال لهم : "الصبرَ الصبرَ..فإن المعونة تأتي من الله على قدر النية، والأجر على قدر الجهد، والحذرَ الحذرَ على ما أنت عليه، وما أنت بسبيله، واسألوا الله العافيةَ، وأكثروا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وخَفِ اللهَ وارْجُهُ، ولا تغترَّ بشيء. واعلم أن الله قد وعدكم، وتوكَّل لهذا الأمر، فاحذر أن تصرفه عنك فيستبدل بكم غيركم، وصفْ لي مساكنكم كأني أراها، واجعلني من أمركم على الجلية".

ويرسل سعد رسالة إلى عمر يصف له القادسية يقول:

القادسية مكان بين نهر العتيق وخندق سابور. القادسية هي مكان يقع في الجنوب الغربي للحيرة على أبواب الصحراء، ونهر العتيق هو أحد روافد نهر الفرات يخرج منه متجهًا إلى الغرب، وخندق سابور يقع جنوبي منطقة القادسية، وهو خندق قديم للفرس يحاصر معظم غرب العراق، وفيه بعض الأماكن التي يمكن العبور منها، لكن على كلٍّ منها حصنٌ عظيم لمنع عبور أي مجموعة، وأمام القنطرة الرئيسية للخندق يقع حصن يُسمى "قديس" ، وعن يمين منطقة القادسية فيض من فيوضهم (أي بحيرة تصل من نهر العتيق وحتى خندق سابور)، وفي شمال القادسية بحر أخضر (أي مستنقع به ماء وشجر كثير)

وعندما وصلت الرسالة إلى عمر قال له: "الزم مكانك".

ثم قال عمر له "إذا منحك الله أكتافهم، فلا تتركهم حتى تغزو المدائن فإن في ذلك خرابها، والوفاءَ الوفاءَ، فإن الخطأ في الغدر هلكة (أي يوصيه بالوفاء لأهل القرى التي ما زالت على صلحها مع المسلمين) وفيه (أي الغدر) وَهَنُكم وقوة عدوكم، واحذروا أن تكونوا شينًا على المسلمين".

بعد أن سيطرت الطلائع والمقدمة على حصن "قديس"..

كان الجيش الإسلامي ما زال في مكانه لم يعبر خندق سابور بعد، وإن كان في نيته العبور.

أما حال البلاط الفارسي في ذلك الوقت ..

كان أمراء الفرس يضجون كثيرًا..

ويرفعون الشكاوى إلى يزدجرد الثالث كسرى فارس مما يفعله المسلمون في الجنوب..

فأرسل إلى رستم -أعظم قائد فارسي على مر التاريخ-

وقال له: أتعلم مثل العرب ومثلنا كمثل ماذا؟

فيقول له: مثل ماذا؟

فيقول يزدجرد: مثلنا ومثلهم كمثل عُقاب (طائر ضخم) نزل على وادٍ، وفي هذا الوادي طيور صغيرة كثيرة، وفي كل لحظة ينزل فيخطف طائرًا ويعود، ثم ينزل فيخطف طائرًا ويعود، فأرى أنه لو قامت هذه الطيور كلها مرةً واحدة فرَّ منها هذا العُقاب، وإن حدثت هلكة فهي لطائر واحد.

وفهم رستم من كلامه أنه يريد أن يُخرِج كل طاقة فارس لحرب المسلمين..

ثم قالها له: إني أرى أن تخرج طاقة فارس في جيش واحد لملاقاة المسلمين، وتخرج أنت على رأس الجيش.

وغضب رستم من ذلك لا لجبنٍ منه فقد كان قائدًا شجاعًا، لكنه كان يرى أن هذا ليس رأيًا صائبًا ..

فقال رستم: الرأي رأيك، لكني أرى أن نرسل لهم قوة ثم قوة، فإن لاقتهم الفرقة الأولى وهزموا كان لنا بقية، ثم استبقني هنا فطالما أنا هنا فالعرب على خوفٍ منا.

وتجادلا وأصرَّ كسرى على رأيه، وأطاعه رستم وخرج على رأس الجيش..

بعد أن جمّع للمسلمين جيشًا ضخمًا كان قوامه 120 ألف مقاتل و120 ألف تابع..

أي 240 ألفا من الجنود الفارسيين..

وهذا أكبر جيش يخرج من فارس على مرِّ العصور..

وفي هذا الجيش 60 ألفًا من الفرسان، و60 ألفًا من المشاة، و33 فيلاً..

وكان للفيل الواحد وزنه في الجيش الفارسي، فما بالنا بـ 33 من الأفيال؟!

ومن بينهم الفيل الأبيض قائد الأفيال..

وهو الذي قتل أبا عبيد بن مسعود الثقفي في معركة الجسر..

إذن فقوة فارس كلها خرجت لحرب المسلمين.

وتعلم المخابرات الإسلامية أن رستم على رأس الجيش..

فيرسل سعد إلى عمر أن الفرس يُعِدُّون لنا جيشًا لم نسمع عنه من قبل.. على رأسه رستم ومن شابهه.

وقد كان على رأس مقدمة جيش فارس "جالينوس" وهو أحد القادة الكبار،..

كان قوام المقدمة 40 ألفًا، أي أن مقدمة الفرس وحدها تزيد على كل الجيش المسلم بثمانية آلاف..

ومن بين القواد أيضًا بهمن جاذويه الذي انتصر على المسلمين في موقعة الجسر..

ردَّ عليه عمر قائلاً له: "لا يَفْرِيَنَّك ما يأتيك عنهم، ولا ما يأتونك به، واستعن بالله وتَوَكَّلْ عليه".

ثم يقول له: "وابعث إليهم رجالاً من أهل الرأي يدعونهم إلى الإسلام؛ فإن في ذلك وهنًا لهم".

الله أكبر .. مع كل ما فعلوه وما يفعلوه .. ما زال عمر يدعوهم بداية إلى الإسلام.. !

وبدأ سعد في انتقاء الوفد الذي يقابل "يزدجرد الثالث" كسرى فارس..

وانتقى 14 رجلاً..
7
من أهل الرأي و 7 من أهل المهابة .. أي أصحاب هيئة وجسامة ...

وكان على رأسهم النعمان بن المقرن .. وكان رجلاً ذا مقالة..

ومعه بُسر بن أبي رُهم ..

ومن الوفد حنظلة بن الربيع وكان من خطباء الجاهلية والإسلام،..وسُمِّيَ حنظلة الكاتب...

ومعهم فرات بن حيان وكان أكثر العرب خبرة بالطرق..

ومعهم المغيرة بن زرارة أحد صحابة النبي..

ومنهم عاصم التميمي أخو القعقاع..

والمعنى أخو المثنى ابن حارثة..

وعطارد بن حاجب وهذا الرجل هو الوحيد الذي دخل قبل ذلك إيوان كسرى..

ولا شك أنه أخبر الوفد المسلم في الطريق .. وصف إيوان كسرى..

حتى لا ينبهر الوفد بما لم يره أو يسمع عنه من قبل.. فيكون لذلك أثره السلبي عليه..

وكان معهم عمرو بن معد يكرب من أشهر فرسان العرب..

ومن الوفد أيضًا المغيرة بن شعبة الحارس الشخصي للرسول ..

والأشعث بن قيس..

والحارث بن حسان أشهر فارس في قبيلة كندة...

واختير لهم أفضل 14 من الخيول.. ولبسوا أفضل اللباس..

وخرجوا جميعًا لمقابلة يزدجرد ودعوته إلى الإسلام..

وعلم الفرس بقدومهم..

فخرج الشعب الفارسي ليشاهد هؤلاء العرب..

الذي كانوا يعتقدون أنهم أعراب أجلاف ليس لهم في الحرب شيء.

تقول إحدى النساء اللائي أسلمن بعد ذلك: فوقفنا ننظر إليهم، والله ما رأينا أربعة عشر مثلهم قَطُّ يعادَلون بألف، وإن خيولهم لتنفث غضبًا وتضرب في الأرض، ووقعت في قلوبنا المهابة وتشاءمنا..

وأرسل يزدجرد إلى أهل الرأي يستشيرهم في مقابلة الرسل المسلمين أم لا..

فأشاروا عليه أن يقابلهم..

فأمر يزدجرد بدخول الوفد عليه والحديث معه.

فماذا سيدور في هذا الحوار العجيب بين يزدجرد والوفد المسلم؟

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   17.09.14 22:32

رستم يتحرك باتجاه القادسية


عندما شاهد أهل فارس منظر الوفد الإسلامي .. تشاءموا من القوة الإسلامية..

بدءوا ينتظرون ما سيفعله هؤلاء المسلمون الأربعة عشر..

وعلم يزدجرد أن الوفد واقف على باب إيوان كسرى..

وإيوان كسرى هذا عبارة عن مساحة ضخمة جدًّا من الأرض حولها سور عالٍ..

وهذا السور لا يستطيع أحد خارجه أن يرى ما بداخل القصر..

فالسور عالٍ وبداخله قصر..

وحول القصر حديقة هائلة..

فدخلوا بخيولهم حتى وصلوا إلى باب القصر المتواجد فيه كسرى..

فنزلوا عن خيولهم..

وتَرَجَّلوا حتى وصلوا إلى باب الغرفة الكبيرة المتواجد فيها كرسي العرش ليزدجرد كسرى فارس..

ودخل الأربعة عشر فارسًا من المسلمين على كسرى فارس..

ولم يطرأ على الوفد أي مفاجأة من منظر بناء الذهب والفضة ..

بسبب شرح الصحابي عطارد بن حاجب لهم ..

وكانت الحجرة عبارة عن حجرة فسيحة جدًّا..

على أرضيتها سجادة هي أكبر سجادة في التاريخ..

فمساحتها ضخمة جدًّا تُقدَّرُ بأكثر من 60 م عرضا.. 80 م طولا..

والسجادة نفسها بالإضافة إلى أنها مصنوعة من نوعيات فخمة جدًّا من النسيج إلا أنها مرصعة بالجواهر..

وهذه السجادة هي التي غنمها المسلمون بعد موقعة المدائن..

وأرسلوها لعمر في المدينة، فلم يستطع أن يتصرف فيها..

فما الذي يفعله بسجادة مرصعة بالجواهر؟!

فضلاً عن أن المسلمين لم يكونوا -وقتئذٍ- من أهل الاحتفاظ بهذه الأشياء..

ولم يكن للدنيا عندهم وزن أو قيمة.

ولقد خشي عمر وعلي بن أبي طالب أن يأتي أحد أمراء المسلمين بعد قرونٍ أو أعوام..

فيطمع في مثل هذه السجادة فيأخذها لنفسه..

فأشار عليه علي أن يقطعها إلى أجزاء..

ثم رأوا بعد ذلك كرسي العرش الذي يجلس عليه يزدجرد وهو ضخم جدًّا عرضه 4 أمتار..

والتاج الذي على رأسه ضخم جدًّا يصل إلى أكثر من مترين..

ووزنه 90 كغم..

وقد كان أهل فارس يعلقون هذا التاج في سلاسل ضخمة تصل إلى السقف..

وحولها ستائر كبيرة تحجبها فلا تُرَى..

ثم يأتي كسرى فيجلس تحت هذا التاج، فيظهر كأنه لابس هذا التاج ..

وقد غنمه المسلمون أيضًا في موقعة المدائن بعد ذلك.

دخل الوفد المسلم ورأى هذا المنظر..

وحول يزدجرد الحاشية في نصف دائرة..

وأقرب شخص له على بعد ثلاثة أمتار، وحوله الوسائد الموشاة بالذهب..

وكل الحاشية واقفة في هذا المجلس في خضوع تام..

وذلك لإيقاع الرهبة في قلوب المسلمين فيُجبُنوا..

لكن المسلمين دخلوا ولم يحدث لهم شيء .. حتى وصلوا إلى مسافة من يزدجرد..

فطلب من ترجمان له أن يسألهم عن هذا اللباس الذي يلبسونه فسألهم؟

فقال أحد المسلمين: هذا نسميه رداءً..

وكانت هذه الكلمة في نطقها تشبه كلمة هلاك بالفارسية..

فلذلك عندما نطقوا بها غضب يزدجرد على الفور وبدأ يزمجر..

ففهم المغيرة بن شعبة وكان يعرف الفارسية..

فقال لهم: إنه يقول لهم: يا للشؤم! أول كلمة قالوها: هلاك..

وقال يزدجرد: هلاك للفرس...

ثم قال: وما الذي تحملونه في أيديكم؟

فقالوا: سوط.

وكان كل مسلم في يده سوط صغير..

فغضب أكثر..

فقال لهم المغيرة: إن كلمة سوط في الفارسية تعني حريقًا..

فقال يزدجرد: حريق يحرق فارس، أحرقهم الله!

فهذا أول استهلال في المقابلة، ولم يكن من ترتيب المسلمين..

ولكن أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب كما نقرأ ذلك في سورة الحشر.

فهذا الاستهلال استهلال تافه جدًّا من رئيس دولة عظيمة مثل دولة الفرس..

يجلس فيعلق على كلمة سوط وكلمة رداء..

ويتشاءم منهما ويغضب..

فهذا تصرف صبياني ..

لكن كانت هذه طبيعة الأمة الفارسية، فقد كان التشاؤم فيها له باع طويل...

المهم كانت هذه البداية في صف المسلمين، وكسب المسلمون جولة بسهولة بالغة..

ثم بدأ يزدجرد الحديث، وقال لهم: ما دعاكم إلى الولوغ إلى أرضنا، والولوع بها؟
أَمِنْ أجل عددٍ لَحِقَ بكم اجترأتم علينا؟

أي عندما شعرتم بالكثرة تجرأتم علينا وبدأتم في الدخول في أرضنا.

فتشاور المسلمون فيمن يتحدث باسمهم، فاتفقوا على النعمان بن مقرن.

فقام النعمان بن مقرن لكي يرد على يزدجرد..

والنعمان بن مقرن هو أمير الوفد..

فبدأ يلخص له قصة الإسلام وقصة المسلمين في حوار قصير..

ويخبره بالهدف الأسمى الذي قَدِموا من أجله..

فقال له: "إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير، ويأمرنا به، ويدلنا على الشر وينهانا عنه..
فلم يدعُ إلى ذلك قبيلة إلا انقسمت هذه القبيلة إلى فرقتين: فرقة تباعده، وفرقة تقاربه..
وظلت هذه الحال إلى فترة حتى دخل معه بعض العرب..
ثم أمره الله أن ينبذ إلى من خالفه من العرب .. (أي قبل فتح مكة)
فبدأ بهم وفعل ، فدخلوا معه في دينه على فرقتين:
طائع أتاه فازداد (أي: شخص دخل في الإسلام عن رغبة فازداد من الخير)..
ومُكْرَهٍ عليه (أي: وآخر دخله لأن القوة والغلبة أصبحت للإسلام)..
فدخل في الإسلام فاغتبط (أي بعدما دخل مكرهًا فرح بما دخل فيه من الإسلام)..
فعرفنا فضل ما جاء به من الإسلام على ما كنا عليه..
ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم، فندعوهم إلى الإسلام، ونحن ندعوكم إلى الإسلام ..
وهو دينٌ حسَّن الحَسَنَ كُلَّه، وقَبَّح القبيحَ كلَّه (وهو بذلك لخص له أمر الإسلام في هاتين الكلمتين)
فنحن ندعوكم إلى هذا الدين..فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شرٌّ منه
(أي: إذا رفضتم الإسلام فليس أمامكم سوى اختيارين: الجزية أو الموت)
وأما الآخر الذي هو شرٌّ منه فهو المناجزة..
فنحن ندعوكم إلى ثلاث: إما أن تُسلِمُوا، وإما أن تدفعوا الجزية، وإما أن نقاتلكم حتى يخلِّي الله بيننا وبينكم"

هذه هي المقالة التي قالها له النعمان بن مقرن..

وهو بذلك يلخص له قصة الإسلام في كلمات قليلة موجزة.

جرح هذا الكلام كبرياء يزدجرد وهو أمام حاشيته..

فلم يكن يتخيل أن رجلاً من العرب المسلمين يخاطبه بهذه اللهجة..

فقام يزدجرد، وقال له في غضب شديد: واللهِ أنا لا أعلم على الأرض أمة أسوأ منكم، ولا أقل عدد، ولا أهون ذات بينٍ منكم أيها العرب، وإنا كنا نُوَكِّل بكم قرى الضواحي (أي عند محاربتكم كنا نعهد بذلك إلى القرى التي على ضواحي فارس لكي تحاربكم، ولا يخرج لكم جيش فارس، فأنتم أقل قيمة من أن نُخْرِجَ لكم جيش فارس يحاربكم)، فإن كان عدد لحَق بكم فلا يغُرَّنَّكم منا (أي: فلا يغرنكم ذلك فنحن نملك أممًا من الناس لا يحصيها العَدُّ)، وإن كان الجهْدُ لحق بكم, أي كثُر عددكم والطعام لا يكفيكم، أو المئونة التي بين أيديكم نفدت فجئتم من أجل ذلك لحربنا، أعطيناكم من عندنا وكسوناكم وأطعمناكم، وملَّكنا عليكم ملكًا يرفق بكم, (أي: إذا كنتم في تعب ونصب فمن الممكن أن نساعدكم ونعطيكم الطعام والكسوة، ونولِّيَ عليكم ملكًا يرفق بكم).

وهذا يدل على أن كسرى لم يفهم الرسالة التي كانت موجهة إليه من المسلمين.

ثم قام المغيرة بن زرارة خطيب المسلمين، فقال له: يا كسرى فارس، إنك وصفتنا صفة لم تكن بها عالمًا (يقصد أشقى أمة في الأرض، وأسوأ ذات بينٍ وأهون أمة في الأرض)، فإنك بذلك وصفتنا صفة لم تكن بها عالمًا، فنحن كنا أسوأ من ذلك بكثير، إن جوعنا لم يكن يشبه جوعكم؛ فقد كان طعامنا الجعلان والخنافس والعقارب والحيات، وكان لباسنا ما نغزله من أشعار الإبل وأوبار الغنم، وكانت منازلنا ظهر الأرض (وهو بذلك يصور له صورة أبشع مما في ذهنه)، وإن كان الرجل منا لَيقتل ابنته حية كراهية أن تأكل معه من الطعام، وكنا على هذه الحالة وأسوأ منها حتى أتانا رجل نعرف نسبه، ونعرف مولده، ونعرف قبيلته، فهو أنسبنا وأكرمنا وأحلمنا وأصدقنا ؛ فيقول: إن هذا الرجل أتانا ودعانا إلى الله، وقال لنا: إنني بينكم وبين الله. فدعانا إلى ذلك فلم يجبه إلا واحد، قال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا؛ فكان معه صِدِّيقٌ ورِدْءٌ، ثم كان الخليفة من بعده وهو أبو بكر الصديق ، فظل على هذه الحال يدعونا حتى وقع الإسلام في قلوبنا، فآمنا به وصدقناه، وعرفنا أن ما جاء به هو الحق من عند الحق، ثم قال لنا: إن الله يقول لكم: إنني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، كنتُ إذ لم يكن شيءٌ، وكل شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقتُ كُلَّ شيء وإليَّ يصير كل شيء، وإن رحمتي أدركتكم؛ فبعثت إليكم هذا الرجل، لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دارَ السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق. وإن الرسول يقول: إن الله يقول لنا: إنه من تابعكم على هذا الدين فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أَبَى فاعرضوا عليه الجزية، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحَكَمُ بينكم: فمن قُتِلَ منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه. ثم يقول له المغيرة بن زرارة بعد أن انتهى من هذه المقالة: فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تُسْلِم فتنجي نفسك".

مُنتهى القوة والعزة في الكلام..

والمترجِم يترجم هذا الكلام ثم جاء عند كلمة (صاغر) فلم يعرف ترجمتها..

فنقلها كما هي فقال: (صاغر)..

فسأل يزدجرد: ما معنى صاغر؟

فقال له المغيرة بن زرارة: أن تعطي الجزية ونرفضها، فتعطيها فنرفضها، فترجونا أن نقبلها، فنقبلها منك.

وهذا منتهى الذل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   17.09.14 22:39

وبالطبع هذا الكلام كله مقصود به في المقام الأول الدعوة للإسلام..

أما المقصد الثاني وهو الهدف المقصود من هذه الزيارة فأن يَفُتَّ في عَضُدِ الفُرس..

ويُلقى الرعب في قلوبهم، وهذا الكلام كله حرب معنوية شديدة على أهل فارس..

وقد تعجب الفرس منهم؛ فهؤلاء الرجال يتكلمون بمنتهى القوة والجرأة..

وقد غضب يزدجرد غضبًا شديدًا؛ فوقف وقال له: أتستقبلني بمثل هذا؟!

فقال المغيرة بن زرارة: إنك الذي كلمتني، ولو كان كلمني غيرُك لاستقبلته به.

فغضب كسرى ونادى على حاشيته لتقترب منه، لكي يأمرهم بأمر شديد.

ثم قال كسرى للمسلمين: من أشرفُكم؟

فتقدم عاصم بن عمرو التميمي، وقد ظن أنه سيُقتَل، وقال: أنا أشرفهم.

فدعا يزدجرد بوِقْرٍ من تراب (أي وعاء) وقال: ضَعُوه على رأسه.

فوضعوه على رأس عاصم (أخو القعقاع) ثم كرر عليه: أأنت أشرفهم؟

فقال: نعم، أنا أشرفهم.

ثم قال لهم يزدجرد: "لولا أن الرسل لا تُقتَل لقتلتكم، اذهبوا لا شيء لكم عندي".

وخرج الوفد بسرعة من إيوان كسرى إلى سعد بن أبي وقاص..

وهم فرحون مستبشرون، وعلى رأس عاصم بن عمرو التميمي التراب..

وبالرغم من ذلك فهو يضحك مستبشرًا -سبحان الله-

ويقول للوفد الذين بصحبته: أعطَوْنا أرض فارس (لأن هذا التراب رمز لأرض فارس) فمَلَّكنا الله أرضهم..

وعاد يبشر المسلمين أنهم أُعطوا أرض فارس..

ثم جاء بعد ذلك رستم، ولم يكن حاضرًا هذا اللقاء، فدخل على يزدجرد، وقال له: ماذا رأيت؟

فقال: والله رأيت قومًا ما رأيت مثلهم من قبل، ولم أكن أعلم أن العرب فيهم مثل ذلك، ولكن أشرفهم كان أحمقهم.

فقال له: لِمَ؟

قال: سألته من أشرفهم؟ حتى أحمله وِقْرًا من تراب، فقال: أنا. وكان يستطيع أن يتَّقِيني، وأنا لا أعلم.

فقال رستم: بل هو أعقلهم.

فقال له: لِمَ؟

قال: لأنك أعطيته أرض فارس، يَا للشُّؤم.

وعندما سمع يزدجرد هذه الكلمة ربطها بفكرة الشُّؤم، وأنه أعطاهم أرض فارس..

وعلى الفور أرسل فرقة تلحق بالمسلمين..

لكي يقبضوا على الأربعة عشر، ويأخذوا منهم وِقْرَ التراب فقط ويتركوهم..!!!

لكن المسلمين كانوا قد وصلوا إلى معسكرهم، فأفلتوا منهم.

فانظر كيف يُلقِي الله الرعب في قلوب أهل فارس..

بعد ما حدث ...بقي المسلمون في القادسية ينتظرون جيش الفرس أن يأتي من المدائن..

ونحن نعلم أن المسلمين لا يرغبون في ترك القادسية والدخول في أرض فارس..

لأنهم يريدون أن يأتي جيش الفرس إلى أبواب الصحراء..

وفي هذه الأثناء تخرج كتيبة أخرى من كتائب المسلمين لتزويد المسلمين بالغنائم والزاد..

فيغيرون على منطقة بعيدة عن القادسية بحوالي أربعين إلى خمسين كيلو مترًا..

ويأخذون من الغنائم مجموعة كبيرة جدًّا من الماشية..

وهذه الماشية محمَّل عليها أكياس كثيرة مغلقة..

واكتشفوا أن هذه الأكياس مليئة بالأسماك الطازجة..

وكان العرب في الجزيرة يسمون السمكة حوتًا..

فسموا هذا اليوم بيوم الحيتان... وبالطبع كان هذا رزقًا غريبًا لأهل القادسية..

ثم أغاروا غارة أخرى على بعد 250كم من القادسية..

وعلى الرغم من هذه المسافة الطويلة إلا أنهم استطاعوا أن يحصلوا على غنيمة كبيرة جدًّا من الإبل..

وسمِّي هذا اليومُ بيوم الإبل..

ثم تقدم جيش رستم من المدائن في الشمال في اتجاه القادسية..

وقد ذكرنا أن رستم لم يكن يرغب في قيادة الجيوش الفارسية بنفسه..

ولكن يزدجرد كان مُصِرًّا عليه..

فكان رستم كلما وصل إلى مكان يعسكر فيه أرسل رسالة إلى يزدجرد يقول له فيه: ما رأيك في أن أعود إلى المدائن، وترسل الجالينوس إلى المسلمين؛ فسُمْعَتُه عندهم كسُمعتي عندهم، ولكن العرب تظل دائمًا على هيبة ما بَقيتُ في المدائن؟

فيأبى يزدجرد إلا أن يذهب رستم بنفسه..

فيذهب رستم ويتحرك من المدائن إلى ساباط..

ويقدم الجالينوس على مقدمة الجيش إلى النجف..

وهذه البلدة على مقربة من القادسية بحوالي 40-50 كيلو مترًا.

وقد ذكرنا أن جيش الفرس كان 240 ألف مقاتل..

وجيش المسلمين كله 32 ألفًا..

وتتقدم مقدمة الجيش الفارسي من المدائن إلى النجف..

ويعسكر رستم في ساباط فترة..

ثم يرسل رستم رسالة إلى الجالينوس ث يقول فيه: أَصِبْ لي رجلاً من المسلمين.

أي تَصَيَّد لي رجلاً من المسلمين أتحدث معه، وأعرف منه أخبار الجيش الإسلامي..

فيرسل الجالينوس وهو في النجف فرقةً من 100 فارس من أجل أن يصطاد مسلمًا واحدًا ..

على حدود قنطرة على نهر العتيق -ونهر العتيق يحيط بالقادسية- ..

كن تقف على القنطرة فرقة من المسلمين تحميها من الجانب الغربي..

ويبدو أن رجلاً من المسلمين كان قد عبر هذه القنطرة ووقف في الجانب الشرقي ..

فاستطاع هؤلاء المائة أن يخطفوه، وأخذوه وهربوا به..

وقد رأى المسلمون هذا الحادث، فاتبعوا مائة الفارس وهذا الرجل المسلم..

واستطاع المسلمون أن يلحقوا بمؤخرة هؤلاء الجنود من الفرس..

وقتلوا منهم ما بين العشرين والثلاثين..

لكن هرب بقية هؤلاء الفرسان بالمسلم إلى أن وصلوا به إلى كوثِي ليقابل رستم.

وهذا المسلم هو جندي مسلم بسيط من جنود المسلمين..

لا يعرف أحد اسمه..

لكن لننظرْ إلى هذا الحوار الذي دار بينه وبين رستم ...

حتى نعلم مفهوم الجهاد عند المسلمين في حربهم مع الفرس..

فهم ليسوا مجرد أناس مجندين في الجيش، أو منساقين إلى الحرب..لكنهم يقاتلون عن عقيدة..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   17.09.14 22:45

فقال له رستم: ما جاء بكم؟ وما تطلبون؟

فيقول له هذا الرجل المسلم: جئنا نبحث عن موعود الله.

فقال له: وما موعود الله؟

فقال له: موعود الله أرضكم وأبناؤكم ودماؤكم إن أبيتم أن تُسلِمُوا...!

الله الله الله .. عز ورحمة في سطر واحد ..

فانظر كيف أن هذا الرجل يخاطب رستم أعظم قائد في قواد الفرس..

وهو جندي أسير مخطوف وليس رسولاً..

فالرسول يتكلم بحرية لأنه مطمئن أنه لا يُقتَل..

فقال له رستم: وإن قُتِلتم قبلَ ذلك؟

فقال له: من قُتِلَ منَّا دخل الجنة، ومن بقي منا أُنجِزَ له الوعدُ...

قال له: قد وُضِعْنَا إذن في أيديكم .... و ضحك.

فقال له الجندي المسلم: وَيْحك رستم! وَضَعَتْكم أعمالُكم في أيدينا...
احترس رستم! أنت لا تقاتل الإنس، إنما تقاتل القضاء والقدر...

انظر إلى هذه القوة التي يخاطب بها هذا المسلم ...

فيغضب رستم غضبًا شديدًا، ويأمر بقطع رقبته، فتُقطع، ويُستَشْهَد في سبيل الله...

ثم تقدم رستم بعد ذلك من منطقه كوثِي إلى قرية تُسمَّى (بُرْس)..

وهي قرية فارسية وجميع أهلها من الفُرْسِ..

لكن الجيش الفارسي عندما نزل بها عاث فيها فسادًا..

فدخل البيوت وأصاب ما بها من الأموال والطعام وأصاب منهم النساء..

وهؤلاء جميعهم من الفرس -الجيش الفارسي وسكان القرية- فضجَّ أهل القرية بالشكوى إلى رستم..

وقالوا له: إن جيشك فعل كذا وكذا.

فقام رستم يخطب في الناس، وقال لهم: واللهِ لقد صدق العربيُّ (الجندي المسلم الذي قتله منذ قليل)، أعمالنا وضعتنا في أيديهم. إننا كُنَّا نُنصَرُ بالوفاء لأهلنا، والوفاء لجوارنا، فكيف بكم وقد فعلتم بهم ما لم يفعله العرب؟!

ثم يتقدم رستم بجيشه من برس حتى يصل إلى النجف حيث يكون الجالينوس منتظرًا إياه..

ويصل الجيش كله إلى النجف في حوالي أربعة أشهر ونصف..

وتخيَّلْ هذه المدة الطويلة، مع العلم أن المسافة من المدائن إلى النجف 185 كيلو مترًا..

قطعها الجيش الفارسي في أربعة شهور ونصف بمعدل كيلو ونصف في اليوم..

أما المسلمون فقد كانوا يقطعون مسافة أربعين أو خمسين كيلو مترًا في اليوم..

أما خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة فقد كانا من الممكن أن يقطعا مائة كيلو مترٍ في اليوم بدون راحة..

وكان خالد يقاتل في معركة وينتصر ثم يذهب لمدينة تبعد 150 كم في اليوم التالي وينتصر فيها .. !

لكن هؤلاء الفرس كانوا يسيرون سير السلاحف..

إضافة إلى أن الجيش كله تسري فيه روح التباطُؤ..

أما المسلمون -في ذلك الوقت- فقد كانوا في القادسية يتشوقون إلى الجهاد..

لأنهم كرهوا الانتظار الطويل داخل الأراضي الفارسية..

والأوامر أتت من عمر بن الخطاب أن يمكثوا في القادسية دون قتال ..

حتى يأتي جيش فارس من المدائن إليهم ..

وجنود المسلمين كانوا كثيرًا ما يترددون على سعد ويقولون له: ما لنا لا نُقدِمُ؟

فيقول لهم : إذا لم نطلب منكم الرأي كفيناكم (أي: نحن لم نحتج إلى رأيكم، ولم نطلبه منكم)، إنما نأخذ الرأي من أهل الرأي (يقصد أهل مجلس الحرب فهم أصحاب الرأي والمشورة)، وما عليكم إلا أن تَسمعُوا وتُطيعوا وتَصبروا.

وكان الفرس يطاولون المسلمين لكي يملوا من طول المقام في القادسية..

فيضطرون إلى ترك أرض فارس، وبذلك يسلم الفرس من حرب المسلمين...

ولكن ذلك لم يَفُتَّ في عضُدِ المسلمين، أو يؤثر في معنوياتهم..

وظلوا منتظرين في صبر وصولَ الجيش الفارسي.

وبالفعل وصل رستم إلى النجف، وبدأ يقسم الجيش..

فجعل الجالينوس كما هو على المقدمة، وجعل على ميسرته مهران الرازي..

ومهران الرازي هذا كان أبوه أحد قواد فارس، ثم قتل أحد أكاسرة الفرس، وقام بثورة..

وكاد يتولى حكم فارس لولا أن قُتِلَ، فهذا الرجل له نسب عظيم في أهل فارس..

كما أنه من قوادهم العظام، كما كان قائد الفرس في موقعة "عين التمر"..

وكان جيش الفرس في هذه الموقعة يتكون من جيشين: أحدهما عربي على رأسه عُقَّة بن أبي عُقة..

والآخر فارسي على رأسه مهران الرازي..

وقد ذكرنا أن عقة هذا أسره خالد من فوق حصانه..

وهرب يومئذٍ مهران الرازي من عين التمر دون أن يقاتل المسلمين.

وعلى رأس الميمنة الهرمزان..

والهرمزان هذا قد أُسِرَ من قبلُ، وجِيء به إلى الرسول ، فأعطاه وعدًا بأن لا يُقاتل المسلمين..

وها هو يُخْلف وعده مع رسول الله ويقاتل المسلمين في موقعة القادسية..

وبهمن جاذويه في قلب الجيش..

وبهمن هو الوحيد الذي انتصر على المسلمين في موقعة الجسر..

أما المسلمون فما زالوا موجودين في القادسية..

فيرسل سعد فرقة من الطلائع على رأسها سواد بن مالك؛ لكي يقوموا بغارة تموينية أخرى..

فتخرج الفرقة المسلمة حتى تصل إلى قُرْبِ (النجف) بقليل..

فتقابل فرقة فارسية، فترتطم معها في قتال (وكان لدى القوة الفارسية بعض الغنائم)..

فيتفق اثنان من رؤساء الفريق المسلم هما: سواد بن مالك، وحُمَيْضَة بن النعمان ..

على أن يحارب أحدهما الفرس، وأن يأخذ الآخر الغنائم ويهرب بها إلى المسلمين..

وبالفعل يستولي حميضة بن النعمان على معظم الغنائم، ويبقى سواد بن مالك يحارب المجموعة الفارسية..

ويشعر سعد بتأخرهم..

فيرسل فرقة على رأسها عاصم التميمي تقاتل هذه المجموعة، وبالفعل ينتصرون عليهم..

وينقذون سواد بن مالك، ويأخذ بقية الغنيمة ويعودون إلى المسلمين..

وصنع هذا بالطبع هزة نفسية للفرس، وكان له أثر عظيم عليهم..

ثم تحرك المسلمون من غرب خندق سابور، فعبروا هذا الخندق في منطقة الردم..

وانتقلوا إلى الشرق منه حول حصن (قديس) الذي يحمي هذه المنطقة..

ثم بدءوا يرتبون أنفسهم ترتيب القتال في المكان الذي سيبدءون الحرب فيه..

وَوُضِعَ على مقدمة الجيوش الإسلامية زهرة بن الحُوِيَّة ..

ثم يرسل سعد اثنين من المسلمين على رأس خمسة..

وهذان الاثنان مهمتهما استكشاف الجيش الفارسي، ومعرفة مكان رستم الذي نزل فيه..

وهذان الاثنان هما: عمرو بن معديكرب، وطليحة بن خويلد الأسدي..

وقد كانا من قبل من المرتدين الذين عادوا إلى الإسلام..

فطُلَيْحَة بن خُوَيْلِد الأسدي قد ارتدَّ وادَّعَى النبوة...!

ثم حدثت حروب الرِّدة، وهرب طليحة إلى الشام، وظل بالشام طوال فترة خلافة أبي بكر الصديق..

ثم عاد إلى عمر بن الخطاب، وتاب على يديه... واستأذنه في الخروج للقتال..

وعمرو بن مَعْدِيكَرِب هذا أيضًا كان مرتدًّا، وعاد إلى الإسلام..

وفقد إحدى عينيه في معركة اليرموك، وجاء من اليرموك لنجدة الجيوش الإسلامية في فارس.

فيخرج السبعة للاستكشاف، والجيش الفارسي في هذا الوقت تقدَّم من النجف..

وعَبَرَ قنطرة على نهر (الحَضُوض)، ووصل إلى منطقة تُسَمَّى (سَيْلَحِين)..

ويعسكر رستم في سَيْلَحِين..

فإذن الجيش الفارسي قد أصبح على بُعدِ كيلو متراتٍ معدودة من الجيش المسلم..

بينما كان الأخير يظن أن الجيش الفارسي ما زال في النجف ..

فلمَّا خرجت الغارة الاستكشافية بقيادة طليحة وعمرو بن معديكرب ..

وجدوا أن الجيوش الفارسية في أعداد عظيمة جدًّا من الخيول موجودة في منطقة قريبة جدًّا..

فيستشير أحدهما الآخر..

فيقول عمرو بن معديكرب: نعود إلى المسلمين، ونخبرهم بالأمر.

لأن المسلمين يعتقدون أن الجيش في النجف..

فقال له طليحة: ولكننا لا نعرف أين رستم؟

فيقول له عمرو: كيف نهجم على جيش بهذا العدد ونحن سبعة؟!

فيقول له طليحة: لا أعود إلا وأعرف أين رستم.

وكان سعد بن أبي وقاص قد أوصاهما وصية أخرى وهي إحضار فارسي لو استطاعا..

حتى يسأله سعد عن الجيش الفارسي..

فحتى هذه اللحظة لم تحقق هذه الطليعة الاستكشافية مهمتها، فلم يعرفوا مكان رستم، ولم يحضروا فارسيًّا..

وعمرو بن معديكرب يبغي الرجوع، وكان هذا هو الرأي الأصوب..

لأنه من الصعب جدًّا أن يدخلوا وسط الجيش الفارسي، وهم سبعة أفراد، والجيش على مقربة منهم..

فقرر طليحة أن يدخل في الجيش وحده؛ ليستكشف مكان رستم...!

وعاد عمرو بن معديكرب بالخمسة الذين كانوا معه إلى مكان قُرْبَ القنطرة ..

قبل أن يصل إلى سعد ..

وفي هذه الأثناء شعر سعد بتأخرهم..

فأرسل لهم فرقة على رأسها قيس بن هبيرة ومعه مائة فارس لنجدتهم..

فقد كان يظن أنه قد حدث لهم مكروه..

وفي الطريق يقابلون عمرو بن معديكرب وهو عائد..

فيقولون له: أين طليحة؟

فيقول لهم: لا أعلم؛ فقد دخل جيش فارس ليستكشفه.

فيقول قيس بن هبيرة: انتظر الأمر.

فيقول له عمرو: معك مائة فارس؟

فيقول له: نعم.

فيقول عمرو: فلنهجم عليهم..

ونحن نعلم أن مقدمة جيش فارس وحدها 40 ألفا.. والجيش 120 ألفا .. وخلفه 120 ألف تابع احتياط..

فيقول له قيس بن هبيرة: أألقي مائة فارس داخل هذا الكَمِّ من الخيول؟!

فيقول له: وماذا في ذلك؟ نقاتلهم إما النصر وإما الشهادة.

ولكن في ذلك هلكة للمسلمين: مائة يحاربون مائة وعشرين ألفًا.

فيرفض قيس بن هبيرة ذلك، ويقول له: بل نعود.

فيقول له: وما لك في ذلك؟!

أي: لماذا يكون الأمر لك، ولم يكن لي..

فيقول له: لقد أَمَّرني سعد بن أبي وقاص عليك. وصَدَّقه جنوده الذين حضروا معه في ذلك..

لكن عمرو بن معديكرب ما زال في نفسه أشياء من الجاهلية..

فيقول: والله إن زمنًا كنتَ فيه أميرًا عليَّ لزمنُ سوء، ولكنها الطاعة.

وعاد معه عمرو بن معديكرب إلى سعد بن أبي وقاص، وقصَّ عليه القصة..

فقال له سعد :يا عمرو، والله لَسَلامةُ مائةٍ من المسلمين أفضلُ عندي من قتل ألفٍ من العَجَم.

ونصحه بطاعة قيس وطاعة الأمير.

أما طليحة بن خويلد الأسدي فقد سار بجانب القوات الفارسية بعيدًا عنها ..

يخوض في مستنقعات غير عميقة المياه، ويتخير الأماكن التي لا يستطيع الجيش الفارسي أن يعسكر فيها..

وظل يمشي حتى تجاوز المقدمة كلها (الأربعين ألف مقاتلٍ)....!

ووصل إلى المعسكر الذي يقيم فيه رستم وهو قلب الجيش...!

ثم تجاوز قلب الجيش بأكمله....!

وخيمةُ رستم موجودة في آخر قلب الجيش...

وهي الخيمة الوحيدة البيضاء في المعسكر وبخارجها فرس مربوط لم يُرَ مثلُه قَطُّ في الجيش الفارسي..

فأدرك أن هذه خيمة رستم، وأن هذا فرس رستم، فانتظر في مكانه حتى الليل..

وعندما جَنَّ الليلُ ذهب طليحة بن خويلد الأسدي إلى الخيمة..

وضرب بسيفه حبال الخيمة، فوقعت على رستم ومن معه بداخله..

ثم قطع رباط الخيل وأخذ الخيل معه وجرى...

وكان طليحة يقصد من ذلك أن يُهين أهل فارس، ويلقي الرعب في قلوبهم..

إذ كيف تُقطَع خيمةُ رستم ويُسرقُ فرسُه وكل الجيش من حوله؟!

وفي الوقت نفسه يودُّ أن يستدرج أحد الفرس لكي يقبض عليه.. ويأخذه لسعد ..

وبعد أن وقعت الخيمة على رأس رستم صرخ ونادى الحرس من حوله..

فشاهدوا طليحة وهو يجري ومعه خيل رستم..

فقال رستم: اطلبوا هذا الرجل.

فخرج في إثره الفرسان، وكلما جروا خلفه جرى أسرع..

فيفتقده الفرسان، هذا مع العلم أنه يجر خلفه خيل رستم..

وبالرغم من ذلك لم يدركه إلا ثلاثة منهم..

فرماه الفارس الأول برمح فتنحَّى طليحة بن خويلد الأسدي..

فطاش الرمح وأمسك طليحة رمحه وقذفه في قلب الرجل الفارسي فقتله..!

وواصل الجري نحو المعسكر المسلم، فتابعه الاثنان المتبقيان..

فوصل إليه أحدهما، ففعل به مثلما فعل بالأول وقتله أيضًا...!

ثم هرب تجاه الجيش المسلم، فتبعه الثالث فرماه برمحه فتنحَّى أيضًا طليحة..

فطاش الرمح ثم أمسك طليحة برمحه وهدده أن يستسلم، وإما أن يقتله..

فاستسلم هذا الرجل، وأخذه طليحة من فوق فرسه وأنزله على الأرض..

وجعله يجري أمامه والرمح خلفه في ظهره..!

فشاهد أهل فارس ذلك المشهد من على بُعْدٍ..

وعلموا أن طليحة على مقربة من معسكر المسلمين؛

فعاد فرسان الفُرْسِ، وتركوا هذا الرجل لمصيره.

وعندما دخل هذا الرجل الفارسي على سعد بن أبي وقاص قال له: أمِّنِّي على دمي، وأصدقك القول.

فقال سعد : فالأمان لك، ونحن قوم صدق (أي: نحن قوم إذا أعطيناك الأمان فأنت آمِنٌ، ولكن بشرط ألا تكذب علينا)، فخَبِّرنا عن جيشكم.

فقال له الرجل: قبل أن أخبرك عن جيشي أُخبركم عن رجلكم (يقصد طليحة).. إن هذا الرجل ما رأينا مثله قَطُّ؛ لقد دخلت حروبًا منذ نعومة أظافري، رجل تجاوز معسكرين لا يتجاوزهما جيوش (يقصد جيش الجالينوس وجيش رستم)، ثم قطع خيمة القائد وأخذ فرسه، وتبعه الفرسان منهم ثلاثة: قتل الأول ونعدله عندنا بألف فارس، وقتل الثاني ونعدله بألف، والاثنان أبناء عمي؛ فتابعته وأنا في صدري الثأر للاثنين اللذين قُتِلا، ولا أعلم أحدًا في فارس في قوتي، فرأيتُ الموت فاستأسرت (أي طلبت الأسر)، فإن كان مَنْ عندَكم مثله فلا هزيمة لكم، ولكني أُنْبِئُكَ عن جيش فارس؛ فجيش فارس مائة وعشرون ألفًا من الجنود، يتبعهم مائة وعشرون ألفًا من التُّبَّع، على رأسهم رستم والتجهيزات كالآتي: الجالينوس على المقدمة، والهرمزان على الميمنة، ومهران على الميسرة..

ثم أعطاه تفاصيل الجيش وقال له سعد: إن شئت تَعُدْ إلى قومك، وإن شئت تبقَ معنا..

فاختار أن يبقى معهم، وبقي في الجيش المسلم يرى أحواله...!

ويرى معاملة الأمير المسلم للجنود..

وهو قادم من فارس ويعرف كيف يعامل أهل فارس الفلاحين والجنود والأهالي..

فرأى من الصدق والأمانة، ورأى من طاعة الجنود للأمير..

ومن حِلْمِ الأمير مع الجنود ما جعله يُسلمُ لله..

فذهب إلى سعد بن أبي وقاص، وطلب منه أن يعلمه الإسلام فعلَّمه، وأسلم الرجل..

فسماه سعد "مُسْلِمًا"، وكان من أهل البلاء في الجيش الإسلامي بعد ذلك...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
سما



عدد المساهمات : 252
تاريخ التسجيل : 09/07/2014

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   20.09.14 4:00

جزاك اللله خيرا اخى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   21.09.14 2:26

وإياكم أختي الكريمة

شرفني مروركم

السلام عليكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   21.09.14 2:28

أرجو مشاهدة هذا الرابط ..

http://www.safeshare.tv/w/RoZWBwKDht

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   21.09.14 2:37

رستم قائد الفرس يرى رؤيا تفزعه


نام الجيش ونام رستم..
وذات ليلة يرى رستم رؤيا حقّ..

وهي أنه ينزل عليه ملك من السماء، ثم يدخل المعسكر، ويأخذ أسلحة الجيش..
ويختم عليها ختم، ويعطيها لرجل..
فيقول رستم: من هذا الرجل؟
فيُقال له: هو محمد...
ويأخذ هذا الرجل السلاح ويعطيه لرجل آخر..
فيقول رستم: من هذا الرجل؟ فيقال: عمر بن الخطاب...
فيأخذ هذا الرجل السلاح فيعطيه لرجل ثالث؛ فيقول: من هذا الرجل؟ فيُقال: سعد بن أبي وقاص.

فيستيقظ رستم من النوم فزعًا..

ونحن نعلم أن رستم من الذين يؤمنون بالتنجيم وتأويل الأحلام وما إلى ذلك..

لذا فقد تشاءم عندما رأى هذه الرؤيا..

ونادى على خاصَّتِه، وعلى من معه في الجيش من مفسري الأحلام، ومن المنجمين..

وحكى لهم الرؤيا؛ فاضطربوا وتذبذبوا ..

قالوا له: اكتم هذا الحلم ولا تحدث به أحدًا..

وكان في هؤلاء الخاصة رجل سمع هذا الكلام اسمه الرفيل..

والرفيل هذا كان من أقرب الجنود إلى رستم..

وكانت تراوده فكرة الإسلام بعد ما سمع بأخبار المسلمين في السنوات الثلاث السابقة خلال الحروب..

لكنه عندما سمع هذا الحلم أسلم في نفسه لله..

وانتظر الفرصة حتى يعلن إسلامه للمسلمين..

وأصبح الرفيل هذا أهم مرجع من مراجع المسلمين بعد ذلك في كتب التاريخ ..

بالنسبة للأحداث التي حدثت داخل فارس كلها..

وقد أتتنا عن طريق ابنه النضر بن الرفيل..

وبدأ الفرس بأجمعهم يشعرون بالقلق..

وأنهم مقدمون على معركة خاسرة في الغالب..

وهذا هو إحساس الجيش الفارسي بمجرد رؤيا رآها..

فالله ألقى في رُوع رستم هذا الحُلْم وحقق النتائج.

وفي اليوم التالي يخرج رستم بعد هذا الحلم ويستعرض جيش المسلمين..

وهو راكب فرسه في غرب نهر العتيق من شماله إلى جنوبه..

ثم يعود يستعرض جيش المسلمين في الناحية الأخرى..

ثم يقف على القنطرة ويطلب أن يتحدث مع رجل من المسلمين.

فيتقدم له زهرة بن الحُوِيَّة..

ونحن نعلم أن زهرة بن الحُويَّة واقف بفرسانه على القنطرة لحمايتها..

فيتقدم له زهرة بنفسه كي يتحدث معه، فيُعَرِّض له رستم بالمصالحة..

لكنه لا ينطق بها، لقد كان بداخل رستم عدة عوامل تمنعه من القتال:

(1) هو لم يكن راغبًا في الخروج على رأس الجيوش..
بل كان يود أن يخرج الجالينوس مكانه ويظل هو في المدائن..
لكن يزدجرد أصر أن يخرج رستم على رأس الجيوش.

(2) لم يكن راغبًا في دخول الجيش الفارسي كله في معركة واحدة..
فهو يود أن يبعث فرقة فرقة، حتى إذا انهزمت فرقة تدخل الثانية..
لكن الجيش الفارسي جاء بمائتين وأربعين ألفًا من الجنود..
أي أن معظم الطاقة الفارسية قد جاءت في هذا الجيش.

(3) التراب الذي أُعْطِي إلى عاصم بن عمرو التميمي ما زال يؤثر في نفسيته ونفسية قومه..
لأنهم متشائمون من ذلك، وهذا شيء مهم جدًّا في تكوينهم..
فهم يؤمنون تمامًا أن فارس من الممكن أن تُهزَم نتيجة هذا الفأل السيئ.

(4) موضوع الحلم الذي رآه..

فلذلك لم يكن رستم راغبًا في القتال ولكنه يعرِّض بالمصالحة، ولا يقولها كِبرًا..

لأنه لا يود أن يظهر بمظهر الضعيف الذي يطلب المصالحة من زهرة بن الحُوِيَّة ..

بعد كل هذه العظمة والسلطان وهذه القوة الفارسية..

فيقول له: أنتم جيراننا، وكنتم تأتوننا وتطلبون منا الطعام، وكنا نعطيكم ولا نمنعكم، وكنا نحسن جواركم، وكنا نُظِلُّكم بظلِّنا، ونطعمكم من طعامنا، ونسقيكم من شرابنا (فهو يقصد أن العلاقة كانت بيننا وبينكم طيبة، فما الذي غير هذه العلاقة؟!)، وكنتم تأتوننا ولا نمنعكم من التجارة في أرضنا، ثم جئتم الآن تحاربوننا (فما الذي غيَّر هذه الأحوال؟!).

فقال زهرة: صدقت في قولك عمَّن كانوا قبلنا؛ كانوا يطلبون الدنيا ولكن نحن نطلب الآخرة، كنا كما تقول حتى بعث الله إلينا رسولاً، وأنزل عليه كتابًا، فدخلنا معه في دينه، وقال له الله: إني مسلِّطٌ هذه الفئة على من خالفني، ولم يَدِنْ بديني، فإني مُنتقِمٌ منهم، وأجعل لهم الغلبة (أي للفئة المؤمنة) ما داموا مُقرِّين بي.

فقال له رستم: وما هذا الدين؟

فقال زهرة بن الحُوِيَّة: هذا الدين عموده أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن تُقرَّ بكل ما جاء من عند الله، وتُبعد عن حكمك كل ما خالف أمر الله..

فقال رستم: ما أحسن هذا! وأي شيء آخر؟

يريد أن يستزيد، ويعرف كيف يفكر المسلمون..

فأكمل "زهرة" وقال: وجئنا -أيضًا- لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

قال: وهذا حسن أيضًا، أي شيء آخر؟

فقال زهرة : والناس كلهم أبناء آدم وحواء إخوة، لا يتفاضلون إلا بالتقوى.

فقال: هذا شيء عظيم!! أرأيت لو أني رضيت بهذا الأمر، ودخلت معك وقومي في دينك أترجع عنا؟

قال: نعم واللهِ، نخلِّف فيكم كتاب الله، ونترككم ولا نعود إليكم إلا في حاجة أو تجارة.

فقال رستم: صدقتني.


ثم انصرف رستم وانصرف زهرة.

ومن خلال هذا الحديث مع زهرة نتبين أن رستم يحاول أن يعرف من المسلمين الكثير عن دينهم..

والكثير عن طريقة تفكيرهم حتى يعرف كيف يقاتلهم...

لكن في واقع الأمر عندما ننظر في مجريات الأمور بعد ذلك ..

نجد أن رستم كان بالفعل يفكر في مصالحة المسلمين..

ولم يكن تصرفه هذا حركة سياسية، أو حركة القصد منها تثبيط همة المسلمين..

لأنه عندما عاد إلى قومه، وإلى رؤساء قومه جمعهم وجمع مجلس الحرب، وأخذ يناقشهم..

ويقول لهم: ما رأيكم في هذا؟! وهل رأيتم أحسن من هذا؟!

فأَنِفَ القوم من هذا الحديث، ولم يقبلوا فكرة الدخول في الدين الإسلامي..

فليس من المعقول في نظرهم أن يدخل قادة الفرس في هذا الدين؟!

فيقول لهم: أما رأيتم من حُلو حديثهم، ودقة كلامهم، وثباتهم وعدم خوفهم من الموت؟!

وأخذ يعدّد حسنات المسلمين.

فغضب القوم منه، وتجادلوا معه جدالاً عنيفًا، حتى أغضبهم وأغضبوه..

فأصرَّ رستم على عرض فكرة المصالحة..

بل فكرة الدخول في دين الإسلام ..

ولا نعلم: أذلك بانشراح صدر...

أم تجنبًا لقوة المسلمين الضخمة التي يظن أنها ستنتصر عليه في المعركة القادمة؟..

ثم يعيد عليهم الكلام مرة أخرى..

فيقول له القوم: إنك بدأت تجبن عن لقاء القوم.

فأخذت الكلمة مأخذها في صدر رستم، إذ كيف برستم أشجع قواد فارس يُتَّهم بالجبن؟!

ثم قال لهم: أخذ الله أجبَنَنا، إنما تلقون بفارس إلى التهلكة، وأنا لست أجبنَكم، ولكني أحكمكم وأعقلكم.

وظل رستم على الكفر مع قومه ولم يفكر بعد ذلك في الصلح..

لكن كان بداخله شعور يقيني أن هؤلاء القوم منصورون من الله..

لأن فرقته تعصي الله، وهو يعلم أن الاختلاف بينه وبين المسلمين هو في: مَن هو الله؟

فهو يعبد النار ويوقن أنها تنقذ الطائع وتحارب العاصي.. وإذا ارتكبوا الذنوب فإنهم مهزومون..

وهو يعلم أيضًا أن قومه غير حسني السيرة، وأن المسلمين لهم من السيرة الطيبة ما يجعلهم ينتصرون عليهم..

كما أن الحلم الذي رآه، والأشياء التي شاهدها، والأحداث التي مرَّتْ به غرست في قلبه الشؤم من هؤلاء القوم..

ولك أن تتخيل قائدًا معه 240 ألفًا من الجنود...

وهو يشعر أنه سيُهزم أمام جيش عدده 32 ألفًا فقط...!

شعور في منتهى الضعف..

فإذا كان القائد والجيش كله بهذا الشعور فلا يمكن أن تقوم له قائمة، أو ينتصر في معركة..

ثم في هذا اللقاء بين زهرة ورستم على القنطرة..

يميل الرفيل على زهرة، ويعلن له إسلامه؛ فيثبته زهرة على ذلك..

ويقول له زهرة : ابقَ في مكانك.

يقصد في أرض فارس.. لكي ينقل أخبار الجيش الفارسي للمسلمين..

ويظل الرفيل في الجيش الفارسي وهو يخفي إسلامه.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   21.09.14 2:42

ربعي بن عامر يخاطب رستم


في اليوم التالي يرسل رستم عبر القنطرة -أيضًا- يطلب من المسلمين وفدًا للحديث معه...

فهو يود الصلح ويبحث عن ثغرة تتم بها المصالحة..

أو أية وسيلة أخرى يرجع بها الجيش المسلم دون الدخول معه في حرب..

فيخبر زهرة بن الحُوِيَّة سعد بن أبي وقاص بذلك..

فيجمع سعد مجلس حربه..

ويقول لهم: إنني سأرسل له وفدًا عظيمًا من أصحاب الرأي، كما أرسلت من قبل ليزدجرد..
ليقيم عليه الحُجَّة، ويدعوه إلى الإسلام..

فيقول ربعي بن عامر : إن هؤلاء القوم قوم تباهٍ، وإننا لو فعلنا ذلك يرون أننا قد اعتددنا بهم (أي: جعلنا لهم مكانة عظيمة، وأقمنا لهم الهيبة ونحن خائفون منهم)، ولكني أرى أن ترسل لهم واحدًا فقط؛ فيشعروا أننا غيرُ مهتمين بهم؛ فيوهن ذلك في قلوبهم.

فتجادل معه القوم، لكنه ظل يجادلهم حتى قال سعد: ومن نرسل؟

فقال ربعي: سَرِّحوني.

أي: دعوني أذهب إليه أكلمه..

وعندما وافق سعد وافق بقية القوم، ووقع في قلوبهم الرضا..

وذهب ربعي بن عامر ليقابل رستم..

وربعي هذا لم يكن من قواد الجيوش الإسلامية، ولكنه سيد في قومه..

وانطلق ربعي على فرسه الصغير ذي الذيل القصير...

وهذا شيء تُهَانُ به الخيولُ، ويلبس ثيابًا بسيطة جدًّا (قديمة ومهلهلة ولكنها نظيفة)..

وهذا لباسه منذ أن قدم للقتال..

فذهب به لمقابلة رستم، ويربط سيفه في وسطه بشيء غنمه من الفُرْسِ..

وبالطبع هم يعرفون شكل لباسهم ..

وفي هذا إذلال لهم..

كأنه يقول لهم: ما كان في أيديكم بالأمس أصبح اليوم في يدي، وهذا أمر يؤثر في أنفسهم كثيرًا..

ويحمل فوق ظهره السهام، وفي مِنطَقته السيف..

وله جحفة من جريد النخل مثل التُّرس يتقي بها السهام..

وكانت دروع الفُرس من الحديد القوي، وكان يلبس من الدروع درعًا حديدية تغطي نصفه الأعلى..

وكان من أطول العرب شعرًا وقد ضفَّره في أربع ضفائر، فكانت كقرون الوعل..

ودخل عليهم بهذا المنظر غير المعتاد بالنسبة لهم..

فدخل بفرسه ووقف على باب خيمة رستم، فطلب منه القوم أن ينزع سلاحه..

فقال: لا، أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أُحِبُّ، وإلا رَجعتُ.

فأخبروا رستم بذلك..

فقال: ائذنوا له بالدخول.

فدخل بفرسه على البُسُطِ الممتدة أمامه، وهي طويلة جدًّا..

يتراوح طولها ما بين 165 مترًا إلى 185 مترًا..

وعندما دخل بفرسه وجد الوسائد المُوَشَّاة بالذهب؛ فقطع إحداها..

ومرر لجام فرسه فيها وربطه به، وهذا يُوحِي بأن هذه الأشياء ليست بذات قيمة عنده..

وفي هذا أيضًا إذلال للفرس..

ثم أخذ رمحه، واتجه صوب رستم وهو يتكئ عليه، والرمح يدب في البسط فيقطعها..

ولم يترك بساطًا في طريقه إلا قطعه...!

ووقف أهل فارس في صمت، وكذلك رستم..

وبينما هم يفكرون في جلوسه ...جلس على الأرض، ووضع رمحه أمامه يتكئ عليه..

وبدأ رستم بالكلام؛ فقال له: ما دعاك لهذا؟

أي: ما الذي دفعك للجلوس على الأرض؟

فقال له: إنا لا نستحب أن نجلس على زينتكم.

فقال له رستم: ما جاء بكم؟

فقال له: لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، فمن قَبِلَ ذلك منا قبلنا منه، وإن لم يقبل قبلنا منه الجزية، وإن رفض قاتلناه حتى نظفر بالنصر.

فقال له رستم: قد تموتون قبل ذلك.

فقال: وعدنا الله الجنة لمن مات منا على ذلك، وأن الظفر لمن بقي منا.

فقال له رستم: قد سمعت مقالتك (أي فهمت مقصدك)، فهل لك أن تؤجلنا حتى نأخذ الرأي مع قادتنا وأهلنا؟

فهو يطلب منه مهلة يفكر فيها... فقال له: نعم، أعطيك كم تحب: يومًا أو يومين؟

أى: من الممكن أن نعطيك فرصة من غير أن نحاربكم لمدة يوم أو يومين..

فقال له رستم: لا، ولكن أعطني أكثر؛ إنني أخاطب قومي في المدائن.

فقال: إن رسول الله قد سنَّ لنا أن لا نمكن آذاننا من الأعداء، وألا نؤخرهم عند اللقاء أكثر من ثلاث (أي ثلاثة أيام فقط حتى لا يتمكنوا منا ويتداركوا أمرهم)، فإني أعطيك ثلاثة أيام بعدها؛ اختر الإسلام ونرجع عنك أو الجزية، وإن كنت لنصرنا محتاجًا نصرناك، وإن كنت عن نصرنا غنيًّا رجعنا عنك، أو المنابذة في اليوم الرابع، وأنا كفيل لك عن قومي أن لا نبدأك بالقتال إلا في اليوم الرابع، إلا إذا بدأتنا (أي: أنا ضامن لك أن لا يحاربك المسلمون إلا في اليوم الرابع).

فقال له رستم: أسيِّدُهم أنت؟

أي: هل أنت سيد القوم ورئيسهم حتى تضمن لي أن لا يحاربوني؟

فقال له: لا، بل أنا رجل من الجيش، ولكنَّ أدنانا يجير على أعلانا.

فهو يقصد أن أقل رجل منا إذا قال كلمة، أو وعد وعدًا لا بُدَّ وأن ينفذه أعلانا.

هكذا قال له ربعي بن عامر، ثم تركه وانصرف.

وعاد رستم يُكلِّم حاشيته مرة أخرى..

ويقول لهم: أرأيتم من مَنطِقِه؟! (أي: كيف يتحدث؟) أرأيتم من قوته؟! أرأيتم من ثقته؟!

يخاطب قومه ليستميلهم إلى عقد صلح مع المسلمين؛ وبذلك يتجنب الدخول معهم في حرب..

لكنهم رفضوا ولجُّوا، وقالوا له: إنك تجبن وما إلى ذلك، ولكنه يحاول مرة أخرى.

أرجو مشاهدة هذا الرابط .. مع ملاحظة الاختلاف البسيط بين سيناريو الفيلم .. وأحداث التاريخ


http://www.safeshare.tv/w/caBloZPRfS

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   21.09.14 20:40

حذيفة بن محصن يخاطب رستم


في اليوم التالي يبعث رستم برسالة إلى زهرة بن الحُوِيَّة يقول له: أرْسِلْ إلينا الرجل الذي كان عندنا.

فيرسل زهرة بذلك إلى سعد بن أبي وقاص..

فيقول له سعد: بل أرسل له اليوم آخر.

فيرسل له حذيفة بن محصن الذي كان قائد الجيش الثامن من جيوش حروب الردة ..

التي ذهبت لقتال مرتدي عُمَان في عهد أبي بكر ..

فيدخل عليه وهو راكب فرسه، فقالوا له: انزل من على فرسك.

فقال: لا، والله لا أنزل؛ أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أُحِبُّ، وإلا رجعت.

ودخل حذيفة بجواده يمشي به على البُسط..

وظل راكبًا حتى وصل إلى رستم..!

ولنا أن نتخيل هذا الموقف: حذيفة فوق حصانه يكلمه فقبل رستم أن يحدثه فوق حصانه..!

قال رستم له: ما بالك جئت ولم يجئ صاحبك؟

يقصد ربعي بن عامر..

فقال له: إن أميرنا يعدل بيننا في الرخاء والشدة، وهذه نوبتي.

فقال له: ما جاء بكم؟

فقال له: إن الله مَنَّ علينا بدينه، وأرانا آياته فعرفناه، وكنَّا له منكرين، ثم أمرنا بدعاء الناس إلى ثلاث فأيُّها أجابوا قبلناه: الإسلام وننصرف عنكم، أو الجزاء (أي الجزية) ونمنعكم إن أردتم ذلك، أو المنابذة.

فقال له رستم: أو الموادعة إلى يوم ما؟

أي من الممكن أن تعطينا فرصة؛

فقال له: نَعَمْ، ثلاثة أيام.

فقال: إذن تقاتلونا في اليوم الرابع.

فقال: ثلاثة أيام من أمسِ (وهو اليوم الذي تحدث فيه مع صاحبه الأول)..وعلى ذلك فقتالكم في اليوم الثالث.

وعلى الفور اضْطَرب رستم اضطرابًا شديدًا، ونظر إلى قومه، فعلم القوم ما يدور في ذهنه..

فهذان الاثنان متفقان في الرأي والتفكير، وهذا ما أوقع الرعب في قلبه..

فأراد رؤساء القوم أن يخففوا من هول الموقف عليه..

وأن يُثبتوا له أن هؤلاء القوم ليس لهم قوة أو خبرة بالحروب..

فقالوا لحذيفة بن محصن: ما هذا الذي تحمله؟!

فأخرج سيفه كأنه شعلة من نار؛ فصرخ رستم في وجهه: أَغْمِدْه.

فأغمده بعد أن رأى الرعب في أعينهم..

ثم أقاموا له درعًا من دروعهم، فأطلق فيه سهمًا فخرقه..

ثم أقام لهم جحفته وكانت من جريد النخل، فأطلقوا عليها سهامهم، فسلمت..

فقال لهم حذيفة : يا قوم فارس، إنكم عظَّمتم الطعام والشراب وعظمتم اللهو، ولم نعظمهم؛ فعَظَّمَنا الله وصغَّرَكُم.

أي: كانت هذه الأشياء منتهى تفكيركم، ولم نكن نحن كذلك..

فلذلك منحنا الله Iقوة تجعل سهامنا تخترق أي درع من دروعكم..

ولا تخترق سهامكم دروعنا حتى وإن كانت من جريد النخل..

ثم رجع حذيفة بن محصن إلى المسلمين، وعاد رستم يجادل قومه مرة أخرى..

كما جادلهم من قبل بعد حديث ربعي بن عامر.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   21.09.14 20:47

المغيرة بن شعبة يخاطب رستم


في اليوم الثالث يطلب رستم رجلاً آخر يتحدث معه..

فيرسل له سعد بن أبي وقاص سيدنا المغيرة بن شعبة..

ونحن نعلم أن المغيرة يعرف الفارسية، لكنه لم يخبرهم بذلك..

وجعل المترجم يمشي بينهم حتى يسمع ما يقولون..

فدخل عليه المغيرة بن شعبة ..بطريقة مختلفة..

ففرحوا وظنوا أنه لم يكن مثلهما ..

وظل يمشي حتى وصل إليه..

فجلس بجانب رستم على السرير المُذهَّب..

فصرخوا في وجهه إذ الفُرْسُ جميعهم يقفون بعيدًا جدًّا عن رستم.. وهذا يجلس بجانبه!

هذا أمر لا يُصَدَّق..

فقامت الحاشية بسرعة لكي تجذبه من مكانه..

فقال لهم: أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أحب، وإلا رجعت.

فقال لهم رستم: صدق.

وتركه...

فقال لهم المغيرة بن شعبة: واللهِ جلوسي جنب أميركم لم يزدني شرف، ولم ينقصه شيء، والله يا أهل فارس إنَّا كانت تبلغنا عنكم الأحلام (أي نسمع عنكم أنكم عقلاء)، ولكني أراكم أسفهَ قوم، وكان أجدرَ بكم أن تقولوا لنا إنما يعبد بعضكم بعضًا (أي أنتم في تقديسكم لرستم كأنكم تعبدوه)، ولكننا نتواسى ولا تتواسَوْا (أي: يُوجَدُ بيننا رحمة ومودة وألفة وهذا عكس ما أنتم عليه)، واللهِ الآن أدركتُ أن أمركم مضمحلٌّ، وأن أمر الغَلَبَة والملك لا يقوم على مثل ما أنتم عليه.

فسمع الحاشية من خلفه وهي تقول: واللهِ صَدَقَ العربي.

فأهل فارس والجند والحاشية يشعرون بهذا الكلام..

فهم بالفعل كأنهم يعبدون رستم ويزدجرد والقادة..

كما أن بداخلهم سخطًا شديدًا على هؤلاء القادة..

ولكنهم لا يستطيعون أن يعلنوه..

ثم أخذ الرؤساء يحدثون بعضهم يقولون: ما أحمقَ أَوَّلِينا (أي جدودنا) عندما كانوا يُصَغِّرُون أمر هذه الأمة!!

فأراد رستم أن يخفف من تأثير أفعال الحاشية مع المغيرة حتى لا يغضب..

فقال له: يا عربي، إن الحاشية قد تفعل شيئًا لا يرضى عنه الملك، ولكنه يتجاوز حتى لا يكسر حاشيته.

ثم بدأ يسخر من سلاحه ..

وهذه آخر فرصة لرستم، فإذا خرج من عنده، ولم يحدث بينهما اتفاق..

فالمعركة ستقع لا محالة..

فقال في نفسه: إن المسلمين لا يوافقون على الصلح..
فلأعمل على إضعاف قوتهم وعزيمتهم، وأحاول أن أخوِّفَهم..

فقال له: يا هذا، ما هذه المغازل التي تحملها؟

يقصد سهامه القصيرة التي تشبه مغازل الصوف في نظره..

وكانت سهام الفرس طويلة جدًّا تعرف بالنشاب..

فقال له المغيرة بن شعبة: ما ضَرَّ الجمرةَ أن لا تكون طويلة.

أي أن كرة النار لا يضرها صغرُها، فإذا ألقيت على شخص قتلته وحققت الهدف منه..

فليس بالضرورة أن تكون طويلة؛ ورماهم كما رماهم من قبلُ حُذَيفة..

فأحضروا له درعًا من دروعهم..

فرماه بسهم من سهامه التي يقولون عنها مغازل، فاخترقه، ولم تخترق سهامهم جحفته..

فهَزَّ ذلك رستم ثم حاول أن يتماسك.. فقال له: ما بالي أرى سيفك رَثًّا؟

أي مظهره قديم وضعيف..

فقال له: رَثُّ الكسوة، ولكنه حديد الضربة.

ثم قال له: تتكلم أو أتكلم؟

فقال له: أنت دعوتني فتكلَّمْ.

فتكلم رستم قائلاً: لم نزلْ متمكنين في الأرض، وظاهرين على الأعداء؛ نُنصر ولا يُنصر علينا إلا اليوم واليومين، والشهر والشهرين لِلذُّنوب (سبحان الله! هذا مفهوم رستم عن القتال، وقد لا يكون عند كثير من المسلمين، فهو يعلم أنهم يهزمون بسبب كثرة اقترافهم للذنوب)، فإذا رضي الله عنا رَدَّ لنا بأسنا وجَاهَنَا، ومَلَّكنا على من ناوأنا (أي هذه طبيعتنا، فنحن نُنصرُ دائمًا، وقد نُغلب مرةً أو مرتين بسبب المعاصي، فلا تظن أن لك الغلبة)، أما أنتم فأهل قَشْفٍ، ومعيشةِ سوءٍ وجَهدٍ وشقاء، لا نراكم شيئًا، ولا نَعُدُّكم، وكانت إذا قحطت أرضكم أتيتمونا، فحملناكم وِقْرًا من تمر أو قمح، فرَضِيتم ورجعتم.

ثم أخذ يشبه المسلمين وقوم فارس بقوله: وإنما مَثَلُكم كرجل له حائط (أي حديقة أو بستان)، فدخل فيه ثعلب من خرم أو ثقب في سور الحائط؛ فأخذ يأكل من الكَرْمِ (أي العنب)، فنظر الرجل (صاحب الحائط) إلى الثعلب، فقال: وما ثعلب؟ فأكل، ثم بدأ يعيث في الحديقة فسادًا: يأكل من هذا ويفسد في هذا؛ فغضب الرجل وطلب منه أن يخرج، فأَبَى الثعلب، فنادى الرجل على غلمانه، فتتبعوه، فعندما أدرك الثعلب أنهم طالبوه وغير تاركيه؛ رجع إلى الثقب فدخل فيه حتى يخرج، ولكنه كان قد سمُن فانحشر في الثقب ، فأتاه الغلمان على هذه الحالة، فظلوا يضربونه حتى قتلوه، فانظروا كيف تخرجون؟ وإني لأرى أن ما جاء بكم إلا الجَهْد ، فعودوا أدراجكم ونحن نُوقِرُ لكم ركائبكم قمحًا وتمرًا ، وأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم، وكل رجل منكم له وِقْر من تمر وقمح وثوبين، وتعودون إلى أرضكم؛ فإني لا أشتهي قتلكم، فارجعوا عافاكم الله.

فقال المغيرة: الحمد والشكر لله رب العالمين، إن الله خالق كل شيء، ورازق كل شيء، وصانع كل شيء؛ فأما ما ذكرت به نفسك وأهل بلادك من الغلبة، ومن الظهور على الأعداء، ومن التمكُّن في البلاد فنحن نعرف ذلك ولا ننكره، ولكننا نعلم أن الله قد صنعه بكم ، وأما الذي ذكرت من سوء حالنا، ومن قلة زادنا، ومن ضيق عيشنا، ومن اختلاف قلوبنا، فنحن نعرفه أيضًا ولا ننكره، كنا في مثله أو أشد منه: كان أفضلنا من يقتل ابن عمه، ويأكل ماله، وكنا نأكل الميتة والدَّم والعظام، وغير ذلك من سوء العيش، ولكن الدنيا دُوَل ، وما زال أهل شدائدها ينتظرون الرخاء حتى يصيروا إليه، وما زال أهل الرخاء ينتظرون الشدائد حتى تنزل بهم ، ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوي شكر لقصر عنه شكركم ، ولكن أسلمكم ضعفُ الشكر إلى تغير الحال.

ثم قال له: إن الله تعالى بعث فينا رسولاً، وأنزل فينا كتابه؛ فدعانا إلى الله وإلى ما بعثه به، فصدقه منا مُصدِّق، وكذَّب به آخر، فقاتل من صدَّقه من كذَّبه، حتى كانت لهم الغلبة واجتمعت العرب كلهم معه، وكانوا من اختلاف الرأي مما لا يطيق الخلائق تأليفهم، فعرفنا أنه الحق ثم أمرنا أن ننابذ من خالفه ممن يلينا؛ فنحن ندعوكم إلى واحدة من ثلاث: إما الإسلام ونرجع عنك ونتركك ونخلف فيك كتاب الله، وإما الجزية عن يدٍ وأنت صاغر (نفس الكلام الذي قاله ليزدجرد)، وإن أبيت فالسيف.

فقال له رستم: وما صاغر؟

فقال له: أن يقوم أحدكم على رأس أميرنا فيطلب منه أن يأخذ الجزية، فيحمده إن قبلها (يشكره إذا قبلها منه)، فكن يا رستم عبدًا لنا تعطينا الجزية؛ نكف عنك ونمنعك.

وعندما قال له: كن عبدًا لنا..

قام رستم واستشاط غضبًا، واحمرَّت عيناه..

وبدأ يزبد ويخرج عن أصول الحديث بين رؤساء الدول والسفراء..

فقال له: واللهِ ماكنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا الكلام منكم.

ثم حلف بالشمس أن لا يرتفع الصباح حتى يدفنهم في القادسية..

ثم قال له: ارجع إلى قومك، لا شيء لكم عندي، وغدًا أدفنكم في القادسية.

فرجع المغيرة وأثناء مروره على القنطرة أرسل رستم رجلاً يناديه، فناداه..

فنظر إليه، فقال له: مُنَجِّمُنا يقول: إنك تُفقَأ عينُك غدًا..

وذلك ليخوفه..

فتبسَّم المغيرة وقال: واللهِ لولا أني أحتاج الأخرى لقتال أشباهكم؛ لتمنيت أن تذهب الأخرى في سبيل الله.

فعاد الرجل يخبر رستم بذلك..

وهو في ذلك الوقت يتحدث مع حاشيته ويقول لهم: أرأيتم من اجتماع كلمتهم؟! والله إن هؤلاء إن كانوا صادقين ما قامت لغيرهم قائمة، ولم يستطع أحد أن يحاربهم؛ لأنهم يتفقون على رأي واحد وكلمة واحدة.

وفي أثناء ذلك قَدِمَ الرجل الذي أرسله إلى المغيرة، وأخبره بما قال؛ فقال لهم: أرأيتم؟!

أي: هل أدركتم ما أريد؛ فغضب القوم منه وأخذوا يجادلونه حتى أغضبهم وأغضبوه.

ثم بات ليلته يفكر في الأمر؛ فالمهلة قد أوشكت على الانتهاء..

ودخل اليوم الثالث فنام رستم في هذه الليلة، ورأى الرؤيا نفسَها مرة أخرى..

فاستيقظ فزعًا ونادى على خاصته ..

وقال: واللهِ يا أهل فارس إن الله يعظنا، وإني أراكم تُلْقُون بنا إلى التهلكة.

فجادلوه في ذلك، وأخذوا يحفزونه على القتال، حتى وجد أنه لا بُدَّ له من القتال.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
mervat



عدد المساهمات : 1308
تاريخ التسجيل : 23/08/2014

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   21.09.14 23:08

ماشاء الله تبارك الله ولاحول ولاقوة إلا بالله سبحانك لاعلم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، زادك الله من نوره وبركته وهداه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوسف عمر
معبر المنتدى


عدد المساهمات : 32411
تاريخ التسجيل : 20/05/2013

مُساهمةموضوع: رد: بين الفــاروق والمهــدي .. !   22.09.14 2:39

اللهم آمين وإياكم

ولقد أسعدتني قراءتك للموضوع أختي الكريمة

السلام عليكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ebadalrehman.com
 
بين الفــاروق والمهــدي .. !
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 4انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عباد الرحمن الإسلامي الاجتماعي :: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّـهِ :: الملاحم والفتن والنبؤات-
انتقل الى: